باب التوبة من رياض الصالحين 11

باب التوبة من رياض الصالحين 11

الدرس في باب التوبة من رياض الصالحين 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أهمية التحري في الفتوى وخطورة الفتوى بغير علم

يستعرض المقطع حديث الرجل الذي قتل مئة نفس ليؤكد وجوب استفتاء أهل العلم فقط، مستشهداً بقوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ويبين خطورة الفتوى بغير علم التي أدت إلى إزهاق روح، مفضلاً العالم على العابد في حل المعضلات ومؤكداً أن العلماء هم صمام أمان الأمة في النوازل العظام.

دور العلماء في توجيه التائبين وصحبة الأخيار

يبرز المقطع واجب الرجوع إلى أهل العلم لاستنباط الأحكام، وأن العالم الرباني يرشد إلى الحلول العملية كصحبة الصالحين لإتمام التوبة. كما يؤكد فضل مصاحبة الأخيار والحذر من الأشرار، وأن اجتناب اليأس والاستمرار في طلب المخرج سبب للفلاح والتوفيق.

أهمية أعمال القلوب والإخلاص في قبول الأعمال

يؤكد المقطع أن أعمال القلوب كالنية والإخلاص هي المعيار الحقيقي لتفاضل الأعمال عند الله، مستشهداً بكلام ابن تيمية وحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن نظر الله إلى القلوب. ويبرز قصة التائب الذي بادر بالطاعة فوراً فحسنت خاتمته، محذراً من التسويف في التوبة الذي قد يؤدي إلى سوء الخاتمة.

ختام شرح الحديث والانتقال للحديث القادم

أعلن المحاضر انتهاء شرح الحديث الحالي ومسائله، وبين أن الدرس القادم سيتناول حديثاً آخر من أحاديث الإمام النووي في كتاب التوبة. وبذلك يُختتم هذا المجلس العلمي بالترقب للدرس التالي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فمن فوائد حديثي -حديث الرجل الذي قتل مئة نفس- وجوب التحري في الفتوى، فلا يُستفتى إلا أهل العلم. فانظر إلى هذا الرجل الموفق حين سأل عن أعلم أهل الأرض، سأل عن أعلم أهل الأرض كي يستفتيه، فدل ذلك على أن المسلم لا يستفتي أي أحد، بل يتحرى من يرى فيه الأهلية للفتوى، يكون عنده علم ومعرفة بالشرع. وقد أمر الله عز وجل بذلك فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وأيضاً في هذا الحديث حرمة الفتوى بغير علم، بل وخطورة الفتوى بغير علم. فانظر إلى هذا الراهب تجرأ على الفتوى بغير علم فأخطأ، فتسبب هذا الخطأ في إزهاق روحه، أتم به المئة بسبب فتوى خاطئة. فانظر إلى خطورة الفتوى بغير علم، لربما تكون سبباً في إشعال الفتن، وتكون سبباً في إزهاق الأنفس، وتكون سبباً في كذلك تشتيت المجتمع. وفي هذا أيضاً الحديث فضل العالم على العابد، فالعالم يفتي بعلم وبصيرة، أما العابد فبجهله لربما أفتى بغير علم. وفي هذا الحديث أيضاً أن العلماء هم الذين يحلون المعضلات، فهذا فيه التوجه للعلماء الثقات، خصوصاً عند الأمور العظام التي تتعلق بالدماء وتتعلق بمصالح الأمة، فلا يستفتى فيها أي أحد، فالعلماء هم صمام أمان لهذه الأمة من الوقوع في الفتن. وقد أمر الله عز وجل عند نزول مثل تلك الملمات وتلك النوازل والملمات أن نرجع إلى هؤلاء العلماء الراسخين. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، فهم أهل الاستنباط، وهم أهل الدراية والمعرفة بشرع الله، فالواجب الرجوع إليهم. وفي هذا الحديث أيضاً أن العالم الرباني يأتي بحلول صحيحة لمشاكل الناس، فليست وظيفة العالم أن يبين الحكم الشرعي فحسب، بل يبين للناس مع بيان الحكم الشرعي ما ينفعهم، ويحذرهم مما يضرهم. فانظر إلى هذا العالم لما قال له: هل لي من توبة؟ كفاه أن يقول: نعم، لك توبة، انتهى الجواب. لكن ماذا قال له؟ قال له: انطلق إلى أرض كذا، فإن بها أناساً صالحين يعبدون الله، فاعبد الله معهم، فاعبد الله معهم. فما اكتفى هذا العالم ببيان الحكم الشرعي، بل بين له الحل الذي به يعان على إتمام هذه التوبة، على إتمام هذه التوبة. وفي هذا أيضاً فضل صحبة الأخيار والحذر من صحبة الأشرار، فهذا العالم دل هذا التائب على أن يصحب الأخيار، وأن يبتعد عن الأشرار، فهذا مما يعين العبد على الاستقامة، وعلى الثبات، وعلى كذلك التوبة النصوح. وفي هذا الحديث أيضاً اجتناب اليأس طريق للفلاح، فهذا الرجل لما دل على الراهب وأفتاه وأتم به المئة لم ييأس ولم يقنط، بل لا يزال يبحث عن المخرج، فسأل عن أعلم أهل الأرض حتى توفقه الله ودل على عالم، ودل على عالم. وفي هذا الحديث أيضاً أهمية أعمال القلوب، فان الملائكة لما اختصموا فيه قالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله، مقبلاً بقلبه إلى الله، أي أنه كان صادقاً، وكانت نيته نية طيبة، كانت نيته نية طيبة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «فإن الأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص»، وقال: «وأن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحداً، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض». ما الذي جعل هذا الفارق بينهما؟ النية، ما في القلب، ما في القلب. فأعمال القلوب هي المعيار، وهي المقياس في فلاح العبد. فتقدم معنى حديث أبي هريرة: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، إلى قلوبكم. وهكذا أخيراً من فوائد هذا الحديث الخوف من سوء الخاتمة، فانظر إلى هذا الرجل التائب، لو كان أدنى إلى أرض المعصية لكانت خاتمته سيئة، ولو كان من ضحايا التسويف وتأخير التوبة. قال: لما دله العالم على هذه الأرض، قال: بعد يوم، بعد يومين؟ لا، مباشرة. ما أن بين له هذا العالم ما يعمله، بادر وسارع وسابق إلى امتثال أمر هذا العالم، فلما عمل بهذه النصيحة والوصية كانت خاتمته حسنة. فانظر ما بينه وبين الخاتمة السيئة إلا أن يتأخر أو أن يسوف. وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». فهذا الحديث مثال لما جاء في الحديث. لنتقدم حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين. وبهذا نكون قد انتهينا من ذكر شرح هذا الحديث، وأيضاً من ذكر مسائله. وإن شاء الله تعالى في الدرس القادم ندخل في حديث آخر من الأحاديث التي أوردها الإمام النووي في كتاب التوبة. إلى هنا والله تعالى أعلم.