الدرس في كتاب المعاملات 43، ألقاها
المسابقة تعني المجاراة بين الحيوان وغيره والمناضلة، وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع كجزء من الإعداد للجهاد في سبيل الله. حكمها الجواز لكونها من الإعداد للجهاد.
المسابقة جائزة بالإجماع وتشمل الخيل والدواب والأقدام والترامي بالسهام، وتجوز على عوض في الإبل والخيل والسهام بشروط وضوابط. هناك شروط لتحقيق المصلحة الشرعية وتجنب المضرة.
تشمل الشروط تعيين المتسابقين، وتوحيد نوع المراكب، وتحديد المسافة أو الغاية، وأن يكون العوض معلومًا ومباحًا، وألا يكون من المتسابقين. هذه الشروط تهدف إلى نزاهة المسابقة وتجنب الشبهات.
القول الثاني يرى جواز العوض مستندًا إلى حديث "لا سبقا"، ويجد تعليله في دلالة الحديث على جواز العوض من غير المتسابقين. هذا الرأي يعتبر الأظهر لدلالته على العوض.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب السابع عشر: المسابقة، وفيه مسائل. أي الباب السابع عشر من أبواب المعاملات: باب المسابقة، وذكر هذا الباب ها هنا، وبعض الفقهاء يذكرونه في كتاب الجهاد. ذكر ها هنا لما له تعلق بالمعاملات، إذ أنه عقد بعوض على ما سيأتي معنا بيانه بإذن الله عز وجل. ومن يذكره في كتاب أو ضمن كتاب الجهاد للمناسبة كذلك الظاهرة من ذكره هنالك. المسألة الأولى: معناها وحكمها. أي معنى المسابقة وحكمها. أولًا: معناها: السبق ما يتراهن عليه المتسابقون في الخيل والإبل وفي النضال، فمن سبق أخذه. أي أخذه العوض المتسابق عليه. والمسابقة هي المجاراة بين الحيوان وغيره والمناضلة. والنضال: المسابقة بالرمي بالسهام ونحوها. ثانيًا: حكمها وأدلتها: والمسابقة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ فهو داخل في معنى هذه الآية؛ لأنه من الإعداد؛ لأن المسابقة في الأشياء المذكورة ونحوها هو من الإعداد للجهاد في سبيل الله جل وعلا. ومن السنة ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة من الحيفاء إلى ثنية الوداع، وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق. ومعنى الخيل المضمرة: هو أن يظاهر عليها بالعلف حتى تسمن، ثم لا تعلف إلا قوتًا لتخف. ويكون تضمير الخيل للغزو أو السباق. يعني أن الإنسان أولًا ينظر يعلف الخيل علفًا جيدًا ثم يحبسها. وذكر بعضهم أنه يضع عليها شيئًا من الجلد أو نحوه حتى تعرق ويذهب بها الدهون، ثم تعلف علفًا يسيرًا جافًا حتى تقوى وتشتد، فهذه تسمى بالخيل المضمرة. فالشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة من الحرفاء إلى ثنية الوداع، وقدرت هذه المسابقة بخمسة أميال، وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق، وقدرت بميل. وفيه التفريق بين المضمرة التي قد هيئت وقويت على السباق، وبين غيرها في السباق. وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر». ومعنى لا سبق: أي لا عوض في المسابقة إلا في خف، أي إلا في ذي خف وهو البعير، أو نصل، أي في ذي نصل وهي السهام من النشاب والنبل، أو حافر، أي وذي حافر والمراد بها كذلك الخيل. قالوا: والخف والبعير، والنصل السهم ذو النصل، والحافر الفرس. وقد أجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة. أي وقع الخلاف في بعض الصور، وفيما يدخل وما لا يدخل، ومتى يصح العوض ومتى لا يصح العوض، إلى غير ذلك من المسائل التي وقع فيها شيء من الخلاف. أما من حيث الجملة فهم مجمعون على جواز المسابقة. المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة بها. أي المتعلقة بالمسابقة. أولًا: تجوز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب والمراكب، وعلى الأقدام، وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة. وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم. بمعنى أن ما ذكر في هذا الحديث يدخل فيه دخولًا أوليًا، ويدخل فيه كذلك ما كان في معناه. إذ أن الشرع لا يفرق بين متشابه، ولا يجمع بين مختلف. كما سيأتي معنا بعض أو كثير من الأشياء المعاصرة التي هي من هذا الباب، وفي هذا المعنى مما يحتاجه أهل الإسلام من الإعداد في سبيل الله جل وعلا، فإنه يدخل في هذا المعنى. ثانيًا: تجوز المسابقة على عوض في الإبل والخيل والسهام، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر». وهذا كما ترون نص، وسيأتي معنا مزيد بيان لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا سبق» يعني العوض، هل يكون من المتسابقين، يكون من المتسابقين، أو يكون من طرف ثالث؟ سيأتي الكلام على هذا بإذن الله جل وعلا. ثالثًا: كل ما يترتب عليه مصلحة شرعية كالتدريب، أو كالتدرب على الجهاد، والتدرب على مسائل العلم، فالمسابقة فيه مباحة، ويجوز أخذ العوض عليها. وهذا كذلك على الصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ونصره تلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى من وجوه كثيرة. رابعًا: كل ما يقصد منه اللعب والمرح الذي لا مضرة منه، ولا فيه مما أباحه الشارع، تجوز فيه المسابقة بشرط أن لا يشغل عن أمور الدين الواجبة كالصلاة ونحوها. وهذا النوع لا يجوز أخذ العوض عليه. يعني أن من اللعب والمرح الذي لا مضرة فيه ألعاب التي يلعبها الناس، لكن بالضوابط الشرعية. خامسًا: لكل واحد من المتسابقين فسخ المسابقة ما لم يظهر الفضل لصاحبه، فإن ظهر فالفاضل له الفسخ دون المفضول. بمعنى أنه إذا استبقى مثلًا إبلين لرجلين، لم يتميز سبق أحدهما للآخر، لأحدهما أن يفسخ ذلك العقد. أما إذا غلب أو كان النص لأحدهما أو الغلب لأحدهما، فليس للمغلوب أن يفسخ العقد، وللغالب أن يفسخ العقد؛ لأنه صاحب الحق، فله أن يتنازل عنه. سادسًا: تبطل المسابقة بموت أحد المتسابقين أو أحد المركوبين. وهذا واضح. سابعًا: يكره للأمين -أي الذي يكون حكمًا- أو الحضور مدح أحد المتسابقين أو عيبه. لماذا؟ لأنه يدخل عليه نوع من ماذا؟ إما من الفخر، وعلى صاحبه نوع من التعاس أو العكس. المسألة الثالثة: شروط أخذ العوض في المسابقة. أولًا: تعيين الرامي في المناضلة أو المركوبين في المسابقة، وذلك بالرؤية. تعيين الرامي في المناضلة: أي يقال مثلًا: يتسابق زيد وعمر، يعين لا يكون مبهما. لا يقال: يخرج واحد من حضرموت، واحد من شبوة، يتراميان، ننظر من يسبق. لا يعين. يقال: زيد وعمر، لا بد من تعيينهما. لماذا؟ لتفاوت الناس؛ لأنه قد يكون في هؤلاء من هو معروض بالرماية، ومن هؤلاء من هو معروض بالرماية. ثانيًا: اتحاد المراكب في المسابقة أو القوسين في المناضلة، وذلك بالنوع. فلا تصح بين عربي وهجين -أي في الفرس- ولا بين قوس عربي وفارسية. كذلك يتعين نوع المتسابقين أو جنس المتسابقين. فمثلًا إبل يقال: إبل عربي مع إبل عربي، لا يقال: عربي مع بختي مثلًا أو عربي مع مهرية مثلًا، لا من نفس النوع. ثالثًا: تحديد المسافة أو الغاية، وذلك إما بالمشاهدة أو بالذرع. المسافة بالنسبة للسبق: أي بالنسبة للجري كاستباق مثلًا للإبل أو الخيل، أو في هذه الأيام مثلًا السيارات أو مثلًا الدبابات أو ما شابه ذلك مما يحتاج إليه. وكذلك تحديد الغاية يعني تحديد المسافة والغاية. وكذلك تحديد المرمى بالنسبة للرماية. رابعًا: أن يكون العوض معلومًا ومباحًا. معلومًا: يقول: كذا وكذا علي كذا وكذا. ويكون كذلك مباحًا: أي من الأشياء المباحة. فخرج غير مباح: كان يقول: علي كذا كذا من الخنزير رحم الخنزير أو الخمر، هذا لا يجوز. بل يكون في شيء مباح وفي شيء معلوم. خامسًا: أن يكون العوض من غير متسابقين؛ ليخرج بذلك من شبه القمار. أما إذا كان منهما أو من أحدهما فلا تصح المسابقة. هذا على طول من أقوال أهل العلم. وبعض أهل العلم أجاز العوض في هذه الصورة خاصة -أي في السبق لمصلحة دينية- أن يكون العوضان أو العوض أن يكون العوضان من المستبقين. فالحاصل أن هذا قول لأهل العلم، كما أن الأول قول آخر لأهل العلم. وإن كان القول الثاني أظهر؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: «لا سبقا» يدل على ماذا؟ على العوض. وإذا كان العوض من شخص آخر، فما المانع أن يكون في غير هذه الأشياء؟ والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.