الدرس في كتاب المعاملات 28، ألقاها
يتناول الأحكام المتعلقة بالحجر على الإنسان لمصلحة نفسه وضمان المحجور عليه. يشرح شروط الحجر وزواله عند بلوغ سن الرشد أو زوال العلة.
يشرح الرشد كشرط لرفع الحجر عن المحجور عليه، وكيف يعرف الرشد بامتحان الشخص في التصرف في المال. يتناول أيضا زوال الحجر عن المجنون والسفيه عند زوال العلة.
يتناول شروط الولاية على مال اليتيم ووجوب حفظ المال وعدم أكله ظلما. كما يحرم أكل مال الغير بغير حق ويبين عظم هذا الذنب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، المسألة الثانية من الباب التاسع في باب الحجر؛ الأحكام المتعلقة بالنوع الأول من الحجر، وهو الحجر على الإنسان لمصلحة نفسه. أي ما هي الأحكام المترتبة على الحجر لمصلحة الشخص نفسه؟ قالوا: أولًا، إذا تعدى المحجور عليه لصغره ونحوه -أي إما أن يكون صغيرًا أو مجنونًا أو ما شابه ذلك- على نفس أو مال بجناية، فإنه يضمن ويتحمل ما يترتب على ذلك من غرامة؛ لأن المتعدى عليه لم يفرط ولم يأذن بذلك. يعني مثاله: لو أن طفلًا كان ذا مال وكان محجورًا عليه، لكن هذا الطفل رمى -مثلا- بحجر فكسر زجاجًا لسيارة، فإنه في مثل هذه الحالة يضمن. وهما يسمي الفقهاء أن هذا يكون من باب الحكم الوضعي، وإن لم يكن مكلفًا، لكن من باب الحكم الوضعي أن أروش الجنايات، وما ترتب عليها، فإن الطفل والمجنون ومن كان في معناهما يضمنان، ويكون ذلك من باب الحكم الوضعي. قالوا: وأما إذا دفع ماله إلى صغير أو سفيه أو مجنون فأتلفه، لم يضمنه؛ لأنه سلط عليه برضاه، فهو مفرط. أي لو أن إنسانًا أعطى ماله لطفل أو مجنون فأتلف ذلك الطفل أو ذلك المجنون ذلك المال، فليس فيه ضمان. لماذا ليس فيه ضمان؟ لأن ذلك المعطي لذلك المحجور عليه هو المفرط. وما دام أنه هو المفرط، فلا ضمان على من أتلفه؛ لأن من عادته الصغير ومن كان في معناه أنه يتلف ولا يحسن التصرف في المال. فما دام أنه أعطاه برضاه وأذن لهم من تلقاء نفسه، فإنه يتحمل ما حصل له من الإتلاف. الحكم الثاني: أنه يزول الحجر على الصغير بأمرين. يعني متى وإلى متى يبقى الحجر، ومتى يزول الحجر عن الصغير؟ قالوا: بأمرين؛ الأمر الأول: البلوغ، أي بأن يبلغ الصغير سن البلوغ. قالوا: ويعرف ذلك بعلامات، وهي: إنزاله المني، أو إنبات الشعر الخشن حول القبل، أو بلوغ خمس عشرة سنة. وهذه العلامات مشتركة بين الذكر والأنثى. وزيد في حق المرأة -كما ذكرها هنا- الحيض في حق الجارية. وزيد أمر كذلك سادس: الحمل بالنسبة للجارية. أي أن الجارية يثبت أنها قد بلغت بالأمور الخمسة المذكورة أو بالحمل. فالشرط الأول في تمكين الصغير من ماله: أن يكون بالغًا. الشرط الثاني أو الأمر الثاني: الرشد، أي أن يكون رشيدًا. قال: الرشد: وهو الصلاح في المال، وهو الصلاح في المال. يعني أن الرشد هاهنا رشد خاص، وهو رشد في ماذا؟ في إحسان التصرف في المال، حيث إنه لا يغبن. أي يستطيع أن يضع ماله في المكان المناسب. هذا يقال فيه بأنه راشد. أما إذا كان لا يستطيع أن يفعل ذلك، بل يغبن، يضحك عليه، أو يعبث بالمال يمنة ويسرى، فهذا ليس براشد. وإن كان كبيرًا في السن، وإن كان من حيث مثلا إذا تكلم مع الناس تكلم معهم بكلام عاقل موزون، إلا أنه في المعاملات، في البيع والشراء، المعاملات المالية سفيه، فهذا لا يعطى من المال. وكما ذكر من ذكر من أهل العلم: أن الرشد يختلف من باب إلى باب، أي من حال إلى حال. قالوا: الرشد: وهو الصلاح في المال، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ كما مر معنا في الدرس الماضي. الشرط الأول هو: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ البلوغ. الثاني: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ أي الرشد. قال الله جل وعلا: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. قالوا: ويعرف رشده بالامتحان، فيمنح شيئًا من التصرف، ويترك يتصرف مرارًا في المال. فإن لم يغبن غبنًا فاحشًا، ولم ينفق ماله في حرام أو في مال لا فائدة فيه، كان ذلك دليل رشده. إذن حتى يعلم بأنه راشد، والرشد -كما تقدم- هو الصلاح في المال، أي أن يضع ماله في المكان المناسب. أن يضع ماله في المكان المناسب بحيث إنه لا يغبن. كيف يعرف هذا؟ كما ذكر: أن يعطى شيئًا من المال، يقال: أخذ هذا المال تصرف فيه، أنفق به على نفسه، ثم يراقب. إذا وجد أنه لا يشتري إلا الشيء الذي يحتاجه بالثمن المناسب، يستطيع أن يتعامل مع الناس بالبيع والشراء، متى يأخذ ومتى لا يأخذ، وإيش يشتري وإيش لا يشتري، وما شابه ذلك، هذا راشد. يزول الحجر عن المجنون بأمرين أيضًا؛ الأول: زوال الجنون ورجوع عقله إليه، وهذا ممكن. إما أن يكون جنونه طارئًا، إما بمرض وقع فيه فشفي منه، وإما بغير ذلك. فالحاصل: أنه متى ما عقل، صار عاقلًا، فإنه يعطى ماله، يتصرف فيه. وكذلك لو أن رجلًا يفيق شهرًا ويجن شهرًا، ففي الشهر الذي يكون عاقلًا يحسن التصرف، يعطى، يمكن. وفي الوقت الذي يكون مجنونًا لا يمكن، بل يحجر عليه؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. والثاني: الرشد، أي أن المجنون إذا عقل يكون عاقلًا، الثاني: الرشد. قالوا: أما السفيه -وهو النوع أو القسم الثالث من أقسام المحجور عليه لمصلحة نفسه- أما السفيه، فيزول عنه الحجر بزوال السفه والطيش، والتصاف بالصلاح في التصرفات المالية. أي متى ما صار راشدًا عاقلًا يحسن التصرف في ماله، فمثل هذا يكون راشدًا، فيعطى ماله، ويمكن من ماله، ويرفع عنه الحجر. الرابع: يتولى أمر المحجور عليه الأب، إذا كان عدلا رشيدًا. إذا كان عدلا رشيدًا، أي إذا لم يكن عدلا لم يكن عدلا بأن يكون رجلًا فاسقًا أو فاجرًا، إذا أعطي المال سيعبث بذلك المال، فإنه ليس بأهل للولاية. أو يكون ليس برشيد، سفيه، يعني هو نفسه يحتاج إلى أن يحجر عليه. واضح؟ جماعة؟ مثل هذا لا يمكن. مثل هذا لا يمكن. لكن إذا كان عدلا -والعدل هو من اجتنب الكبائر، وكانت محاسنه أكثر من مساوئه هذا والعدل عند الفقهاء- وأن يكون رشيدًا، أي ليس بسفيه. أن يكون رشيدًا بمعنى ليس بسفيه كما تقدم. ثم وصيه -أي إما الأب إن كان على هذه الأوصاف، أو وصي الأب، أي من أوصى به الأب- أن يكون قائمًا على مال أبنائه الأيتام بعد موته. فإن وصية الأب تكون معتبرة ونافذة. تكون معتبرة ونافذة. فإن لم تكن وصية، يرجع إلى الأولى فالأولى في ولاية اليتيم ونحوه إلى الأولى فالأولى. والعبرة في ذلك بأن يكون ذا دين، وذا رشد، وذا نظر في مصلحة مال ذلك المحجور عليه. قال: ويجب على من يتولى أمرهم أن يتصرف بما فيه الأحظ والأنفع. أن يتصرف بما فيه الأحظ والأنفع. كما تقدم معنا: أن هذا من باب الولايات. من باب الولاية، وباب الولايات كما تقدم معنا مرارًا: أنه يجب على من قام بهذا الأمر أن ينظر في حق وليه بالأحظ والأنفع. بالأحظ والأنفع والأحوط. الأحظ لهما والأنفع. وكذلك الأحوط: ما مع الأحوط ينظر؟ إذا أراد أن يدخل في معاملة لهؤلاء، ينظر: هل في هذه المعاملة قد يحصل تلف للمال؟ قد قد إن لم يكن دخلا فيها، إن كان معرضا للتلف يجتنب. لماذا؟ لأن هذا ليس من أخذ الاحتياط لمال هؤلاء. ليس من باب أخذ الاحتياط لمال هؤلاء. قال: ثم وصيه، ويجب على من يتولى أمره من يتصرف بما فيه الأحظ والأنفع لهم، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. الشاهد منه: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. ما قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي أولى وأنفع وأحظ. قال: والآية نصت على اليتيم، ويقاس عليه غيرهم ممن هو في معناه؛ لأن باب الولاية -كما سمعتم- ينظر فيه إلى هذا المعنى، أي أن ينظر إلى الأحظ والأحوط. الخامس: على ولي اليتيم أن يحافظ على ماله، ولا يأكله أو يتصرف فيه ظلمًا وبهتانًا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. يعني كما ذكر: أن من كان وليًا على مال يتيم، يجب عليه أن يحافظ على مال. بل من كان وليًا على أي مال لأي أحد يجب عليه أن يحافظ عليه، وأن لا يأكله ظلمًا وعدوانًا. لكن يتحقق ذلك في مال يتيم أشد. لماذا؟ لأن الله جل وعلا توعد على من فعل ذلك بالوعيد الشديد، كما في الآية المذكورة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. وهذا -كما ترى- فيه تحذير ووعيد شديد من الله رب العالمين جل وعلا في أن يتصرف الإنسان بشيء من أموال هؤلاء بما فيه تعد أو تفريط. ومن باب أولى أن يأكله ظلمًا وعدوانًا. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.