كتاب الحج 9

كتاب الحج 9

الدرس في كتاب الحج 9، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

دخول النبي مكة عام الفتح ودخوله الكعبة

دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح منتصراً وأمر بقتل ابن خطل متعلقاً بأستار الكعبة، ثم دخل الكعبة وحطم الأصنام وصلى بين العمودين اليمانيين. وبين الدرس جواز الصلاة داخل الكعبة وفوق سطحها، وختم بحديث عمر في تقبيل الحجر الأسود اقتداءً لا تعظيماً.

الحجر الأسود: أصله وفضله وأحكام استلامه

تناول الدرس وصف الحجر الأسود ومكانه وأصله من الجنة وكيف اسود بخطايا بني آدم، مع ذكر الأحاديث الواردة في فضله. وأوضح مشروعية تقبيله واستلامه اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم لا لذاته، ونهى عن التمسح بغير المواضع المشروعة.

حكمة الرمل والاضطباع في عمرة القضاء ومشروعيتهما

شرح الدرس سبب أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرمل والاضطباع في عمرة القضاء لإظهار القوة أمام المشركين، وناقش قول النسخ بزوال السبب. ورجح رأي الجمهور باستحباب بقائه مستدلاً بفعل النبي في حجة الوداع حيث رمل الأشواط الثلاثة.

أحكام الرمل في الطواف: تداركه واختصاصه بالرجال

بين الشيخ أن من فاته الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى لا يقضيه في الأربعة الأخيرة لاختلاف الهيئة، وأن الرمل مختص بالرجال دون النساء خشية الفتنة. وذكر الحديثين المعتمدين في الدرس: حديث عمر في تقبيل الحجر، وحديث ابن عباس في الرمل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي ضمن أبواب كتاب الحج من عمدة الأحكام للإمام الحافظ أبي محمد عبد الغني -أو عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي- رحمه الله تعالى، الكلام على باب دخول مكة وغيره. وهذا الباب كما سبق عقده رحمه الله تعالى لذكر الأحاديث الدالة على كيفية دخوله صلى الله عليه وسلم مكة محرماً أو غير محرم، وهكذا دخوله من أي موضع، وهكذا أيضاً دخوله إلى الكعبة وصلاته فيها، وطوافه عليه الصلاة والسلام، وصفة ذلكم الطواف. مجموعة من المسائل والمواضيع التي تضمنها هذا الباب. ذكر رحمه الله تعالى في أوائل حديث الباب حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح. وقلنا: عام الفتح هو السنة الثامنة من الهجرة في شهر رمضان. قال: «وعلى رأسه المغفر»، والمغفر: خوذة يضعها المقاتل على رأسه يقيه ضربات السيوف. وكونه دخل وعلى رأسه المغفر، قلنا: يدل على أنه دخل حلالاً وليس محرماً. وهكذا جاء أنه دخل وخطب الناس وعليه عمامة سوداء. ويجمع بين الحديثين: أنه دخل وعلى رأسه المغفر في حال القتال، فلما زال القتال وانتهت ساعة القتال التي أذن له فيها أن يقاتل، خلع المغفر ولبس عمامة سوداء. فلما نزع المغفر جاءه رجل فقال: «ابن خطل» -أي الذي أمرت بقتله- «ابن خطل متعلق بأستار الكعبة»، يعني: هل نقتله أو نتركه؟ يعني: «ومن دخله كان آمناً» -أي الحرم-، وأيضاً لا يجوز القتال في الحرم، وأنت يا رسول الله أمرت بقتل هذا المشرك، فماذا يفعلون؟ قال: فقال: «ابن خطل متعلق بأستار الكعبة»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقتلوه». وهذا قلنا في الساعة التي أذن لي النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالقتال. وأيضاً ابن خطل مجرم وإجرامه بمكة، فقيم عليه هذا العقاب. بخلاف من أحدث خارج مكة ثم دخل إلى مكة واحتمى بها، فهذا المحتمي لا يقتل، وإنما يضيق عليه ويخرج خارج الحرم، وهناك ينال العقاب الذي يناسبه. أيضاً مر معنا حديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من كَدَاء. دخل مكة من كَدَاء، وكَدَاء كما سبق عبارة عن اسم يطلق على الثنية التي بأعلى مكة، ويقال لها: ريع الحجون. دخل منها النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل إلى مكة. وهذا كان في حجة الوداع. قال: «من الثنية العليا التي بالبطحاء». وقال: «وخرج من الثنية السفلى». مر معنا كذلك أيضاً أن من السنة أن من دخل إلى مكة وأراد أن يدخل إلى الحرم أن يدخل من أي باب؟ ما هو الباب الذي يدخل منه؟ باب بني شيبة. أحسنت. باب بني شيبة، سواء كان طريقه من ذلك الباب أو أن طريقه من اتجاه آخر، يأتي ويدور حتى يأتي على باب بني شيبة ويدخل منه إلى الحرم. مر معنا حديث ابن عمر الثالث: قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت. وقلنا: ما هو المعني بالبيت؟ أي: البيت الحرام، أي: الكعبة. أحسنت. دخل البيت يعني الكعبة. ولاحظوا: كان هذا دخوله في عام الفتح، أي فتح مكة. دخل مكة عام الفتح، فوجد حول الكعبة ما يزيد على ثلاثمائة وستين صنماً، كلها يا إخوان تعبد من دون الله عز وجل أو مع الله تبارك وتعالى. ناهيك عن الأصنام التي في البيوت، وناهيك عن الأصنام التي في العشائر والقبائل والقرى والأمصار وغيرها من البقاع. فدخل مكة، ودخل الحرم، فجعل ينكت هذه الأصنام ويهدمها، وهكذا يهدم أصحابه هذه الأصنام، إيذاناً وإعلاناً بسقوط الوثنية وزوالها من مكة وحرم الله عز وجل. ثم طاف حول الكعبة سبعة أشواط، وصلى خلف المقام ركعتين، ودخل الكعبة. قال: «وأسامة بن زيد، وكان رديفه عليه الصلاة والسلام، وبلال، وبلال مؤذنه ويخدمه ويلازمه، قال: وعثمان بن طلحة». ما شأن عثمان بن طلحة؟ ماذا يفعل معهم عثمان بن طلحة يا أبا أسامة؟ إيش اللي جابه معه؟ إيش يفعل؟ وعثمان بن طلحة الحجبي. أحسنت. كان حاجب الكعبة، أي: مفاتيح الكعبة عنده. وابن شيبة هؤلاء هم سدنة الكعبة، والذين يلون الحجاب فيها، يفتحون ويغلقون. فكان عثمان بن طلحة معهم، وهو الذي سيفتح باب الكعبة. قال: «فأغلقوا عليهم الباب». قلنا: لماذا أغلقوا الباب؟ ما جعلوا الباب مفتوحاً يدخل من يدخل ويخرج من يخرج؟ لا، قل: من شأنها... تخيل أنت أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى ومعه عشر آلاف في فتح مكة. طيب، وأسلم من أسلم من مسلمة الفتح من أهل مكة، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم ماذا يريد أن يدخلوا؟ أحسن. لأجل أن لا يزدحم الناس ويشوش على النبي صلى الله عليه وسلم، أغلق عثمان الباب. قال: «فلما فتحوا، قال: كنت أول من ولج»، أي: أول من دخل، ومعنى ذلك أنه كان عند الباب ينتظر أن يفتح. قال: «فلقيت بلالاً، لقيت بلالاً، فسألته: هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» وهذا فيه منقبة وفضيلة لابن عمر، أنه كان من أشد الصحابة تحرياً لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم واقتفاء آثاره، ماذا فعل؟ يفعل مثله. ومن ذلك صلاته في الكعبة. قال: «نعم»، والقائل بلال. قال: «نعم، بين العمودين اليمانيين». وقلنا: جعل النبي صلى الله عليه وسلم عمودين عن يمينه، والعمود الثالث عن يساره، وجعل الثلاثة الأعمدة الأخرى خلفه، وصلى بين العمودين. وصلى بين العمودين. أما الآن فقد ذكر العلماء أن أعمدة الكعبة ثلاثة أعمدة: واحد، اثنان، ثلاثة. بينما كان قبل ذلك ماذا؟ ستة أعمدة، أعمدة بداخل الكعبة، بداخل الكعبة. وصلاته عليه الصلاة والسلام داخل الكعبة دليل على جواز الصلاة داخل الكعبة. وهكذا يجوز فوق سطح الكعبة. وما ورد من النهي عن ذلك هذا لا يصح. حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في سبع مواضع، وذكر منها: فوق ظهر بيت الله. قلنا: هذا أخرجه ابن ماجه والترمذي، ولا يصح، ضعفه الترمذي والألباني وغيرهما. وقوله عليه الصلاة والسلام: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»، هذا يدل على جواز الصلاة بالكعبة، سواء كان نافلة أم فريضة. النافلة صلىها النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث الباب، والفريضة قياساً على النافلة. فالأصل هو اشتراك النافلة والفريضة في الأحكام إلا ما خصه الدليل، وليس هنا دليل يخص ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال عن عمر رضي الله عنه: أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله، وقال: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك». وهذا الحديث كما تلاحظون موضوعه يتعلق بحكم تقبيل الحجر الأسود. الحجر الأسود، والحجر الأسود هو ركن في الكعبة، الركن الذي يقع قريباً من باب الكعبة، قريباً من باب الكعبة من جانبي الشرق، ويقال له: الركن الأسود. ولا يصح يا إخوان النهي وكراهة إطلاق هذا الاسم عليه. بعضهم يقول: لا يجوز أن نقول الركن الأسود، وإنما ماذا نقول؟ قالوا: نقول الركن الأسعد. هذا غير صحيح، لدلالة الأحاديث النبوية على جواز إطلاق الركن الأسود والحجر الأسود عليه. عمر رضي الله تعالى عنه أتى إلى الحجر الأسود. والحجر الأسود ذكر العلماء أنه مرتفع عن الأرض بمقدار ذراعين وثلاثة أرباع الذراع، يعني قرابة ثلاث أذرع إلا قليلاً، ارتفاعه عن سطح الأرض. والحجر الأسود كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أصله من الجنة، أنه نزل أبيض من الثلج، لكن سودته خطايا بني آدم. جاء في مسند أحمد، وعند ابن خزيمة، والطبراني في المعجم الكبير، من حديث عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نزل الحجر الأسود من الجنة، من الجنة أشد بياضاً من الثلج». وعند الترمذي: «أشد بياضاً من اللّبن»، لكن رواية اللّبن حكم عليها بعض الحفاظ بالشذوذ، ومن ذلك ما ذكره العلامة الألباني رحمه الله تعالى، قال: شاذ لمخالفتها لرواية الجماعة. قال: «أشد بياضاً من الثلج، فسودته خطايا بني آدم، فسودته خطايا بني آدم». وهذا الحديث من طريق عطاء بن السائب، وعطاء هذا اختلط، لكن حديثه في الشواهد والمتابعات، ولهذا صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة بشواهده. وكان شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى على ضعفه لضعف عطاء بن السائب. رحمه الله تعالى. العلامة الألباني رحمه الله تعالى ذكر في آخر بحثه في السلسلة الصحيحة قال: وفي معنى سائر الحديث حديث رافع الحجبي، قال: سمع عبد الله بن عمرو -أي: بن العاص- يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الركن والمقام، الركن: الذي فيه الحجر الأسود، والمقام: يعني مقام إبراهيم، إن الركن والمقام من ياقوتتي الجنة، ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم لأضاءا ما بين المشرق والمغرب، ما بين المشرق والمغرب، وما مسهما من ذي عاهة -أي: إنسان مريض- من ذي عاهة ولا سقم إلا شفيا، إلا شفيا». قال: أخرجه البيهقي بإسناد جيد، وأخرجه الترمذي وغيره من طريق أخرى مختصراً، وهو مخرج في المشكاة.كذا ذكر رحمه الله تعالى. وجاء في حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطاً، يحطان الخطايا حطاً». وهذا أيضاً صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في صحيح الجامع. أما حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحجر الأسود يمين الله، الحجر الأسود يمين الله عز وجل، فمن مسح يده على الحجر فقد بايع الله عز وجل أن لا يعصيه، أن لا يعصيه». هذا لا يصح، ولهذا ذكر العلامة الألباني رحمه الله تعالى في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء على الأمة، قال: موضوع، موضوع. وهكذا غيرها من الأحاديث الواردة فيما يتعلق بفضل الحجر الأسود، فورد في فضله أحاديث كثيرة جداً. قال: أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله، فقبله. وتقبيل الحجر الأسود هذه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. الحجر الأسود إذا جاءه الشخص فيشرع له أن يستلمه ويقبله إن أمكن. طيب، إذا لم يستطع تقبيل الحجر الأسود استلمه بيده وقبل يده، أو استلمه بعود عصا، استلمه بثوب وقبل الموضع الذي لامس الحجر الأسود، الذي لامس الحجر الأسود. طيب، ما استطاع شيء من ذلك، لا تقبيله ولا كذلك أيضاً استلامه بيده أو بشيء آخر، فعندها ماذا يفعل؟ يشير بيده إلى جهة الحجر ويكبر، ويكبر. قال: فقبله، وقال أي: عمر: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع». لاحظوا: قال: «لا تضر ولا تنفع»، أي: لا تملك نفعاً أو ضراً لأحد، فتقبيلي لك ليس خوفاً من ضررك، يعني: معنى فعل عمر وقوله: أن تقبيلي لك ليس خوفاً من ضرك أو رجاء في نفعك. إذن لماذا يا عمر تقبله؟ قال: «ولولا»، ولولا هذا قال: حرف امتناع لوجود. قال: «ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك، يقبلك ما قبلتك».كذا يقول عمر رضي الله تعالى عنه. وهذا الحديث يا إخوان كما تلاحظون يعتبر أصلاً وقاعدة عظيمة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء، والاقتداء بآثاره عليه الصلاة والسلام، وترك ما عليه أهل الجاهلية من تعظيم الأصنام والأحجار والأشجار وغيرها، وأنهم يعتقدون فيها النفع والضر، النفع والضر. فعمر يبين أن النفع والضر إنما هو بيد الله عز وجل، وأنه تعالى هو الضار النافع، وأن الأحجار لا تنفع، ماذا؟ لا تنفع من حيث هي، كما كانت الجاهلية تعتقده في الأصنام والأحجار وغير ذلك. وهذا فيه دليل على أن المرجع في ذلك هو الرسول صلى الله عليه وسلم دون غيره. ولهذا تقبيل الحجر الأسود ماذا يعتبر؟ مستحباً، يعتبر مستحباً، وذهب إليه الجمهور من الصحابة والتابعين، بل وسائر العلماء، بل وسائر العلماء. وروي عن الإمام مالك أن تقبيل... تقبيل أو ماذا؟ ذهب الجمهور من أهل العلم إلى تقبيل الحجر، وزادوا عليه أيضاً مشروعية السجود عليه، السجود عليه، أجاز ذلك الجمهور من أهل العلم. وروي عن الإمام مالك أن السجود على الحجر الأسود أنه بدعة، أنه بدعة. ذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى قائلاً: إن مالكاً قد شذ بذلك، قد شذ بذلك. إذن يجوز بل يستحب تقبيل الحجر الأسود، والجمهور على جواز أيضاً السجود عليه، السجود عليه. أما الركن اليماني، وهو الركن الذي قبل الحجر الأسود، قبل الحجر الأسود، فالسنة فيه أنه يستلم باليد، يستلم باليد. وهل يقبل اليد؟ الجواب الصحيح أنه لا يقبل. طيب، هل يشرع تقبيل الركن اليماني؟ الجواب: لا، لا يشرع لعدم ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولاحظوا: عمر قبل الحجر الأسود ثم قال: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك، ما قبلتك». وهذا فيه دليل على أن ما يفعله بعض الناس من التمسح بجدران الكعبة، أو بمقام إبراهيم، أو بغيرها من المواضع، وغيرها من البقاع كغار حراء، أو جبل الرحمة، أو غيرها من الأماكن، كل ذلك ليس بمشروع، تقبيلها أو تمسح بها، كل ذلك لا يشرع. ومن ذلك: من ذهب إلى تلكم البقاع الطاهرة المقدسة يرى عجباً عجاباً. يمر واحد بجانب باب من أبواب الحرم فيمسحه، تأتي مجاميع من الناس يتمسحون بهذا الباب، أو بأبواب النوافذ، أو بأستار الكعبة، يأتي بعضهم معه موسكين ويقطع من أستار الكعبة ويأخذها معه لكي يتبرك بها، وكل ذلك لا يجوز، كل ذلك لا يجوز. وخير الهدي هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وذكر الإمام ابن الملقن رحمه الله تعالى، ذكر عند كلامه حول هذا الحديث، ذكر يعني شيئاً من القواعد والفوائد التي تدل على أن هذا الحديث يعتبر أصلاً وقاعدة في ماذا؟ في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا أيضاً البعد عن البدع وعن المحدثات. ممكن يراجع في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام في المجلد السادس منه، صفحة مئة وتسعين إلى مئة وواحد وتسعين. قال رحمه الله تعالى: قال عن عبيد الله بن عباس رضي الله عنهما: قال: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة، وأصحابه مكة، قال: فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب». إيش معنى «وهنتهم»؟ إيش معنى «وهنتهم»؟ أي: أضعفتهم. «حمى يثرب»، أي: المدينة، اسمها القديم. فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم سماها المدينة. «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل». وسماها طيبة وطابة. قال: «وهنتهم حمى يثرب». وسبب ذلك أن المدينة كانت موبوءة، أي: مكاناً للأوبئة والأمراض، حتى لما هاجر الصحابة إليها مرض الكثير منهم، مرض بلال وأبو بكر وغيرهم. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة وأهلها، وأن يبارك الله عز وجل، وأن ينقل حماها إلى الجحفة، إلى الجحفة. ولهذا قال المشركون: «إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب». قال: «فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، أن يرملوا». والرمل هو ماذا؟ سرعة المشي مع تقارب الخطى، سرعة المشي مع تقارب الخطى. أمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة الأولى. قال: «وأن يمشوا ما بين الركنين»، أي: الركن اليماني والركن الذي به الحجر الأسود، أنهم إذا وصلوا إلى الركن اليماني يمشوا مشياً عادياً، إذا وصلوا إلى الركن الذي به الحجر الأسود يرملوا. ما سبب ذلك؟ قال بعض العلماء: قريش لما دخل المسلمون للطواف وأداء العمرة جلسوا على المروة، جلسوا على المروة يتابعون ويشاهدون، فكانوا يتابعون الصحابة، الناس كلها في الطواف تمشي، لكن الذين تقولون أن حمى يثرب أضعفتهم، ماذا يفعلون؟ يجرون عند الطواف. إذا بلغوا الركن، الركن اليماني هنا الكعبة ماذا تخفي؟ المسلمين عن نظر المشركين على المروة، فلا يشاهدونهم، فيرتاحوا ويمشوا مشياً عادياً، مشياً عادياً. قال: «ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها»، أي: السبعة، إلا الإبقاء عليهم، أي: المحافظة على صحتهم وعلى قوتهم. وهذا الحديث يتعلق بالرمل في الطواف، ما حكمه، وما هي الحكمة منه، وما هو الموضع الذي يقع فيه الرمل، الذي يقع فيه الرمل. وقول ابن عباس رضي الله عنهما: «لما قدم»، لما هذه ليست في الصحيحين، هذه زائدة. وقوله: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وأصحابه مكة»، وذكر مكة هنا عند البخاري، وليس في الصحيحين، وليس في الصحيحين. وكان قدومه عليه الصلاة والسلام إلى مكة في هذا الحديث متى؟ متى كان قدومه؟ هل في فتح مكة، أو في حجة الوداع، أو في عمرة القضاء، أو في يوم الحديبية؟ أربع اختيارات. نعم يا أبا جعفر: سنة ست هجرية، يعني في صلح الحديبية. إذن ماذا؟ ماذا بعد صلح الحديبية؟ أحسنت يا إخوان. لو تذكرون صلح الحديبية، تلخص فيه من أهم بنوده أربع بنود: الأول: أن يرجع النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى المدينة ولا يعتمر هذا العام، هذا رقم واحد. اثنين: أن تضع الحرب أوزارها بين الطرفين مدة عشر سنوات. ثالثاً: أن... النبي صلى الله عليه وسلم يعني يرجع هذا العام على أن يعود متى؟ في العام القادم إلى مكة، ويبقى فيها ثلاثة أيام لكي يؤدي العمرة، وليس معه ومع أصحابه إلا سلاح الراكب. ما هو سلاح الراكب؟ سلاح الراكب: السيوف في أغمادها. وبعد ثلاثة أيام يرجع إلى المدينة. أيضاً: من أراد أن يدخل في حلف قريش دخل، ومن أراد أن يدخل في حلف النبي صلى الله عليه وسلم دخل. دخلت بنو بكر في حلف قريش، خزاعة دخلت في حلف النبي صلى الله عليه وسلم. أنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1]، ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: 2]. فسمى ذلك فتحاً، سما ذلك فتحاً. الشاهد من هذا: في السنة السابعة في ذي القعدة أتى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، قرابة ألفين من غير النساء والصبيان، أتوا لأداء العمرة، فسميت... فسميت عمرة القضاء، ليست قضاء عن عمرة الحديبية، لا، وسميت عمرة القضية، أي: التي تقاضى وتصالح المسلمون عليها مع المشركين. هذه كانت في ذي القعدة في السنة السابعة من الهجرة. فقال المشركون: «إنه يقدم عليكم قوم»، أي: محمد وأصحابه، «ما لهم، وهنتهم حمى يثرب». فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يظهر لهم عزة الإسلام وقوة المسلمين، فأمرهم بالاضطباع والرمل. ما هو الاضطباع؟ الاضطباع: أن يجعل المحرم، أي: الرجل، ثوبه يمره تحت إبطه الأيمن ويضع طرفه على كتفه الأيسر، يظهر ماذا؟ يظهر ذراعه الأيمن. لاحظ الطواف، ها لاحظ الطواف، هكذا. المشركون سيرون ماذا؟ سيرون مواضع القوة لدى المسلمين، مع الرمل الذي هو سرعة المشي مع تقارب الخطى، مع تقارب الخطى. والرمل يعتبر سنة في طواف القدوم للحاج المفرد والقارن، طواف القدوم: أول ما يصل إلى مكة يبدأ بالطواف يسمى طواف القدوم. وبالنسبة للمعتمر، وهكذا المتمتع، طواف العمرة يكون فيه ماذا؟ فيه الرمل. وهكذا أيضاً يكون فيه الاضطباع. والرمل يكون في الأشواط الثلاثة الأولى، أما الأربع الأشواط الأخيرة فلا رمل فيها، فلا رمل فيها. والنبي صلى الله عليه وسلم سعى ثلاثة أشواط ومشى أربعة في الحج والعمرة، في الحج والعمرة. ذهب بعض العلماء إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل لسبب وحكمة، وهو أن يري المشركين ماذا؟ أن يريهم القوة وجلد المسلمين، فاليوم زالت هذه الحكمة، فلهذا ذهب بعضهم إلى عدم جواز الرمل. وهذا غير صحيح، والذي عليه جمهور أهل العلم هو بقاء استحباب الرمل. في حجة الوداع ماذا؟ ومكة دار إسلام، رمل النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا رمل معه المسلمون، رمل معهم المسلمون. قال: «وأن يمشوا بين الركنين»، هذا كان في عمرة القضاء، هذا في عمرة القضاء. لكن في حجة الوداع النبي صلى الله عليه وسلم رمل الأشواط الثلاثة كلها، حتى بين الركنين. وهذا جعله من جعله من أهل العلم ناسخاً للمشي بين الركنين الذي ورد في حديث ابن عباس في عمرة القضاء، لأن حجة الوداع متأخرة عن عمرة القضاء، عن عمرة القضاء. ولهذا جاء في حديث ابن عباس أيضاً في مسند أحمد: قال: «رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجه وعمرته كلها، وأبو بكر وعمر من الخلفاء». وهذا يدل على أنه في حجة الوداع رمل ثلاث الأشواط كلها، حتى بين الركنين، حتى بين الركنين. وهذا من الأمور التي ينبغي ماذا؟ أن ينتبه لها. ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري فائدة: قال: لا يشرع تدارك الرمل، يعني: من فاته الرمل في الأشواط الثلاث الأولى، هل يشرع له أن يعوضها في الأربع الأشواط الأخرى؟ قال: لا، قال: لا يشرع تدارك الرمل، فلو تركه في الثلاث لم يقضه في الأربع، لأن هيئتها أي: الأربع السكينة، يمشي مشياً ولا يجري جرياً. قال: لأن هيئتها السكينة فلا تغير. قال: يختص بالرجال، فلا رمل على النساء. الرمل خاص بالرجال، أما النساء فلا يشرع في حقهن. لماذا؟ ما المانع؟ يا أبا نصر، ما المانع؟ تخيل امرأة في ساحة الحرم وترمل، طيب، ولو ما في ازدحام، الدنيا هادئة، امرأة سيؤدي إلى ماذا؟ إلى انكشاف شيء من عورتها، وإظهار شيء من مفاتنها ومحاسنها، والقوة ومظاهر القوة هذا للرجال وليس للنساء، وليس للنساء. طيب، تبقى معنا ثلاثة أحاديث في الباب، نؤخرها إلى الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. كم حديثاً أخذنا؟ كم حديثاً يا أبا موسى أخذنا؟ كم حديثاً أخذنا؟ أخذنا... أخذنا حديثين أو حديثان؟ أخذنا نحن حديثين أو حديثان؟ أعرف هكذا، لكن إيش: حديثين أم حديثان؟ أه: حديثين. أحسن. الحديث الأول: حديث عمر، أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله، فقبله، وقال: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك». الحديث الثاني: حديث من يا إخوان؟ الثاني، لا تنظر. أحسنت. حديث عبد الله بن عباس: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة، قال المشركون: «يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب»، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعهم. والذي في الصحيحين بدلاً من قوله: «ولم يمنعهم»، قوله: «ولم يمنعه أن يأمرهم»، أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلا الإبقاء عليهم. طيب، نكتفي بهذا ونكمل ما تبقى في الدرس القادم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدين، للمشاهدين.