الدرس في كتاب المعاملات 44، ألقاها
تتناول هذه الفقرة تعريف العارية وأدلتها الشرعية من القرآن والسنة النبوية، كما تشرح شروط صحة العارية. العارية مبنية على الإحسان والتعاون بين الناس.
تطرقت هذه الفقرة إلى شروط الإعارة وأحكامها، مثل عدم جواز إعارة العين المعارة أو تأجيرها بدون إذن المالك، وكونها أمانة في يد المستعير يجب الحفاظ عليها وردها سالمة.
الإعارة عقد جائز وليس لازمًا، يمكن للمعير الرجوع فيه متى شاء دون إضرار بالمستعير. وتنتهي الإعارة بمطالبة المالك أو قضاء الغرض منها أو انقضاء الوقت المحدد أو موت أحد طرفي العقد.
المستعير ينتفع بغير عوض، بينما المستأجر يدفع عوضاً، والاستعارة باب من أبواب الإحسان. الفرق بينهما يظهر في وجود العوض أو عدمه، وهذا يبين معنى الاستعارة والاستفادة منها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب الثامن عشر من كتاب المعاملات من كتاب الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة: العارية، وفيه مسائل. المسألة الأولى: معناها وأدلة مشروعيتها. أولًا: معناها: الإعارة معناها الإباحة للانتفاع بالشيء مع بقاء عينه، فهي نوع انتفاع بعين على سبيل الإحسان والفضل. والفرق بينها وبين الإجارة أن الإجارة إباحة الانتفاع بالشيء مع بقاء عينه بعوض، أما العارية فبغير عوض. قالوا: والعارية يقال بالتخفيف والتشديد، يقال: العارية والعارية، وهي العين المأخوذة للانتفاع، كان يستعير إنسان من آخر سيارته ليسافر بها ثم يعيدها إليه، فهو كما ذكر الانتفاع بالشيء مع بقاء العين مملوكة لمالكها لصاحبها، وهو كما ذكر من باب الإحسان. ثانيًا: أدلة مشروعيتها: قالوا: وهي مشروعة ومستحبة لعموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ لأنها من باب التعاون بين المسلمين. وقال تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ والمراد ما يستعير الجيران من بعضهم كالأواني والقدور ونحو ذلك، فقد ذمهم الله سبحانه لمنعهم العارية، فدل ذلك على أنها مستحبة ومندوب إليها، وأن مانعها مذموم. لقول الله جل وعلا: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ لكن إن منعهم لمصلحة أو لخشية إفساد أو إتلاف، فله ذلك، فلا يدخل في هذه الآية. فيدخل في هذه الآية إن كان من باب ما ذكر في تفاسير هذه الآية كالأواني والقدور ونحوها مما اعتاد الناس ولا سيما الجيران التعاطي والتباذل أي تباذل المنافع فيها من غير إضرار. لكن لو علم إنسان أن هذا الجار إذا أعطاه الشيء أتلفه أو أفسده، ليس عنده أمانة، ليس عنده صيانة، ليس عنده حفاظ، فلو أنه يمنع لأجل هذا المعنى لا بخلًا، أما إذا منعه بخلًا ومنعه لغير حاجة، هذا هو المذموم. قالوا: ورووا أن صفوان بن أمية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه أدرعًا يوم حنين، الشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار، فدل على جواز الاستعارة، واستعارة النبي صلى الله عليه وسلم منه كان قبل إسلامه، ففيه دلالة كذلك على جواز الاستعارة من غير المسلمين إن احتيج إلى ذلك. وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار فرسًا من أبي طلحة رضي الله عنه، وحديث أنس في الصحيحين، وحديث صفوان بن أمية عند أحمد وغيره، والعلماء الألباني رحمه الله تعالى يصححه، وشيخنا يحسنه. المسألة الثانية: شروطها. أولًا: أن يكون المعير والمستعير أهلًا للتبرع شرعًا، والعين المعارة ملكًا للمعير. يعني أولًا أن يكون المعير والمستعير أهلًا كغيرها من أبواب التبرعات، ومعنى أهلًا أن يكون يصح بيعه، فمن صح بيعه صحت إعارته، وكذلك من صح بيعه صحت استعارته. وأيضًا لا بد أن تكون العين المعارة ملكًا للمعير، أي ليس له أن يعير ما ليس في ملكه، إذ لو أعار ما ليس في ملكه بغير إذن، يكون متعديًا، يكون متعديًا على حق الغير، وهذا لا يجوز، وإن تلفت لزمه الضمان لأنه متعدٍ. ثانيًا: أن تكون العين المعارة مباحة النفع، فلا تصح الإعارة لغناء ونحوه، ولا تصح استعارة إناء من ذهب أو فضة للشرب فيه، وكذا سائر ما يحرم الانتفاع به شرعًا. أي أن من شروط الإعارة أن تكون العين المعارة مباحة النفع، فخرج ما كان محرمًا الانتفاع به، كما ذكر كإعارة بعض الأدوات لمن يستخدمها فيما حرم الله جل وعلا، فهذا لا يجوز لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، وهذا لا يجوز. ثالثًا: أن تبقى العين المعارة بعد الانتفاع بها، فإن كانت من الأعيان التي تستهلك كالطعام، فلا تصح إعارتها. أي أن من شروط الإعارة أن تكون في منافع عين تبقى، أما إذا كانت في شيء ينفذ وينتهي أو يتلف ويفسد باستخدامه، فإن هذه لا تصح فيها الإعارة، لماذا؟ لأنه خرج عن معنى الإعارة، لأن معنى الإعارة إعارة الانتفاع بعين مع بقاء تلك العين لمالكها، والأمر ها هنا ليس كذلك، فهو ليس من باب الإعارة، فيشترط في باب الإعارة أن تكون في منافع عين قائمة تبقى، كآنية، كإعارة سيارة، كإعارة دابة، كإعارة دار ليسكن فيها يوم أو يومين أو ما شابه ذلك من الأشياء التي جرت عادة الناس بالاستعارة بها. المسألة الثالثة: بعض الأحكام المتعلقة بها. أولًا: لا يجوز للمستعير إعارة العين التي استعارها؛ لأنه غير مالك لها، وكذا لا يجوز له تأجيرها إلا إذا أذن المالك في ذلك. هذا الحكم الأول أن المستعير لا يجوز له إعارة العين التي استعارها؛ لماذا؟ لأنه ليس بمالك لها، وإنما هي من غيره، فإن أعارها غيره بغير إذن، كان متعديًا على مال الغير، إلا أن يأذن، يعني أعطاه مثلًا قدرًا، قالوا: انتفع به، وإن احتاج أحد من جيرانك فأعطه، فهذا إذن له أن يعطيه لغيره؛ لماذا؟ لأنه قد أذن له المالك. أما أن يتصرف بغير إذن، فهذا لا يجوز له، وإن تلف ذلك الشيء المعار عنده أو عند غيره بعد هذا التعدي، يكون ضامنًا؛ لأنه غير مالك لها. وكذلك لا يجوز له تأجيرها، كذلك التأجير من باب أولى، إذا كان إعطاؤها للغير لا يجوز بغير إذن، فتأجيرها من باب أولى، إلا أن يأذن لهم المالك، إن أذن لهم فله ذلك؛ لأنه يكون حكمه حينئذ حكم الوكيل. ثانيًا: من الأحكام أنها أمانة في يد المستعير، يجب أن يحافظ عليها، ويردها سالمة كما أخذها، فإن تعدى أو فرط ضمنها. وهذا الحكم الثاني وهو مهم أيضًا وينتبه له، أن الأصل في الإعارة أنها أمانة في يد المستعير، ومعنى أنها أمانة في يد المستعير: إذا تلفت من غير تعد أو تفريط، فإنه لا ضمان عليه. ومعنى هذا أنه لو ادعى أنها فسدت من غير بينة، كان قوله مقبولًا؛ لماذا؟ لأنه أمين مصدق، أمين مصدق. لكن إن دلت قرينة أنه حصل منه تعد أو تفريط، عمل بتلك القرينة. هذا أمر، ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أن هذا هو الأصل في باب العارية أنها من باب أنها تكون أمانة عند المستعير، فإن فسدت فلا شيء عليه إن لم يكن بتعد أو تفريط منه. لكن إن اشترط صاحب الشيء المعار، فقال له: أعطيك مثلًا هذه السيارة، ولكنك ضامن، اشترط عليك إما أن تردها سالمة وإما أن تضمن إن حصلت بها فساد، سواء كان بتعد أو تفريط أو لم يكن كذلك، تكون ضامنًا، فحينها يكون ضامنًا؛ لأنه اشترط عليه ذلك. واستدل على هذا القول بما جاء في حديث صفوان بن أمية رضي الله عنه وأرضاه حينما استعار منه النبي صلى الله عليه وسلم أدرعًا، فقال له -وكان مشركًا حينها-: يا محمد، قال: مضمونة، قال: عارية مضمونة، قال: مضمونة، فهي مضمونة بمعنى أنها إذا فسدت ضمناها. ثالثًا: الإعارة عقد غير لازم، أي ليس من العقود اللازمة، وإنما هو من العقود الجائزة. ومعنى الجائزة أي أنه له أن يفسخ ذلك العقد متى شاء، لو أنه يفسخ ذلك العقد متى شاء كما سيأتي. قالوا: الإعارة عقد غير لازم، فالمعير له الرجوع في متى شاء ما لم يضر بالمستعير، فإن أضر به لم يجز الرجوع. يعني كما ذكر الأصل أن الإعارة من العقود الجائزة أي ليست بلازمة، فمثلًا لو أن إنسان أعطى إنسانًا سيارة، قال: أريد أن أذهب مكان كذا وكذا، قال: خذ السيارة، أخذ المفتاح، مشى، ركب السيارة، قال: يا فلان تراجع، ارجع بالسيارة، أريد سيارتي الآن، له ذلك؛ لأنه عقد غير لازم. لكن كما ذكر ما لم يترتب عليه إضرار بالآخر، يعني مثال ذلك: كان يقول له مثلًا إنسان: أريد سيارة أذهب بها إلى المكان الفلاني سفر، يقول: خذها، يعطيه المفتاح فيمشي، فلما كان الرجل في منتصف الطريق يتصل عليه، يقول له: يا فلان أريد سيارتي الآن، تراجعت، فسدت العقد أو ما شابه ذلك، ليس له ذلك؛ لماذا؟ لأنه فيه إضرار على ذلك الغير، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر ولا ضرار»، فليس له ذلك. أو يعير إنسان إنسانًا قدرًا يطبخ فيه أو به طعامًا، فإذا كان القدر على النار، وكان الطعام على أو في القدر، يقول له: أريد القدر الآن يا فلان، يقول: أريد القدر الآن، وهذا عقد غير لازم، يقال له: ماذا؟ ليس لك ذلك؛ لماذا؟ للإضرار الذي يترتب على إرجاعك في ذلك الوقت، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر ولا ضرار». رابعًا: من الأحكام: تنتهي الإعارة وترد العارية بأمور. أولًا: مطالبة المالك بذلك، ولو لم يتحقق غرض المستعير منها، كما تقدم: يعطي المفتاح خلسة، يقول له: تراجعت، هات سيارتي، له ذلك إن طلبها صاحب الحق ردت إليه. ثانيًا: من قضاء الغرض من العين المعارة، من قضاء الغرض من العين المعارة، يقول له: أريدك -ما ذكرنا- سيارتك أذهبها إلى المكان الفلاني وأرجع، بمجرد أن يذهب ويرجع يعيد العارية، أو جار يقول لجار: أعطيني قدرًا أطبخ به كذا وكذا، فبمجرد أن ينتهي منه رده على حاله، أن ينظفه ويؤهزه ثم يرده على حاله، لا يؤخره. ثالثًا: انقضاء الوقت إذا كانت العارية مؤقتة، مثلًا يقول له: خذ القدر لمدة يوم، أنا غدًا أريده، فبمجرد أن ينتهي اليوم رده إليه. رابعًا: موت المعير أو المستعير؛ لبطلان العارية بذلك، والأمر واضح هنا. الحكم الخامس: المستعير في استيفاء النفع كالمستأجر، المستعير في استيفاء النفع كالمستأجر، له أن ينتفع بنفسه وبمن يقوم مقامه، وذلك لملكه التصرف فيها بإذن مالكها. ومعنى هذا: يعني أن إنسانًا مثلًا لو قال الإنسان: أعطني قدرًا أطبخ به طعامًا، وقد جرت عادة ذلك الرجل أن الطعام تطبخه المرأة زوجة ذلك الرجل أو خادم ذلك الرجل، فليس معناه أنه إذا أعطاهم الخادم أو أعطاه المرأة تطبخ فيه، يقول: لا، قد تعديت يا فلان، أنت ضامن إن حصلت له، يقال: قد جرت العادة بذلك، جرت العادة بذلك كالمستأجر لشيء. كذلك قل: سيارة إنسان استعار من إنسان سيارة، وكانت عادة ذلك الإنسان هو الذي يقود تلك السيارة، فقادها على ما جرت به العادة، له ذلك؛ لماذا؟ لأنه عمل ما قد تعرف عليه. وكما ذكر هاهنا وذكر أن المستعير في استيفاء النفع كالمستأجر سواء بسواء، إلا أن الفرق بينهما كما تقدم: أن المستأجر منتفع بنفع تلك العين بعوض، أما المستعير فبغير عوض؛ لأنه باب إحسان. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.