كتاب المعاملات 29

الدرس في كتاب المعاملات 29، ألقاها

مقدمة في أحكام الحجر على الإنسان

يتناول هذا الفصل الأحكام المتعلقة بالحجر على الإنسان لمصلحة الغرماء، مشيراً إلى شروط الحجر ومتى يحق للغرماء المطالبة بحقوقهم. كما يوضح أن الحجر لا يكون إلا بعد حلول أجل الدين وامتناع المدين عن السداد.

شروط وضوابط الحجر على المدين

يشرح هذا الفصل شروط الحجر على المدين، حيث لا يصح الحجر إذا كان ماله أكثر من ديونه، ويشترط للحجر أن يكون الدين أكثر من المال، وأن يحل الأجل، وأن يطالب الغرماء بذلك. كما يوضح متى يحق للغرماء المطالبة بحقوقهم.

أحكام الحجر وتقسيم المال بين الدائنين

يتناول هذا الفصل أحكام الحجر على المدين وفلسفته، حيث يمنع المدين من التصرف في ماله إذا كان ذلك يضر بأصحاب الديون، ويتم تقسيم ماله بين الدائنين بعد الحجر عليه، مع مراعاة احتياجاته الأساسية مثل السكن والملابس.

  • 13 جمادى الآخرة 1434هـ - 23/04/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، المسألة الثالثة من الباب التاسع في الحجر ومسائله، الأحكام المتعلقة بالنوع الثاني من الحجر، وهو الحجر على الإنسان لمصلحة غيره. وكما تقدم معنا في الدروس الماضية أن الحجر على قسمين: حجر لمصلحة المحجور نفسه، وحجر لمصلحة غيره، أو ما يعبر عنه لمصلحة الغرماء. هذا النوع الثاني أيضًا تحته أحكام متعلقة به. أولها أنه لا يحجر على المدين بدين لم يحل أجله؛ لأنه لا يلزمه الأداء قبل حلوله. لكن لو أراد سفرًا طويلًا يحل الدين قبل قدومه، فللغريم منعه من السفر حتى يوثقه برهن أو كفيل مليء. هذا الحكم الأول من الأحكام المتعلقة بالحجر لحق الغرماء، وهو أن المحجور عليه لا يحجر على المدين بدين لم يحل أجله. أي إذا كان على إنسان دين اقترضه، فلا يحق للغرماء أن يطالبوا بمالهم قبل حلول الأجل. ومن باب أولى أنه لا يحل لهم أن يأمروا بالحجر على من عليه الدين؛ لأن أجل الدين لم يحل بعد. وإنما يصح الحجر إذا جاء الأجل ووقع ولم يقضِ ما عليه من حق. وأما إذا أراد سفرًا طويلًا بحيث يحل الأجل وهو في ذلك السفر، فللغريم أن يمنعه من ذلك السفر إلا برهن أو بضامن مليء؛ حتى يستوفي منه حقه إذا جاء الأجل ولم يرد له الحق. الأمر الثاني أو الحكم الثاني: إذا كان مال المحجور عليه أكثر من الدين الذي عليه، فهذا لا يحجر عليه في ماله، ولكن يؤمر بالوفاء عند المطالبة. فإن امتنع حبس وعزر حتى يوفي الدين. فإن امتنع تدخل في ماله بوفاء ديونه. أما إذا كان ماله أقل مما عليه الدين الحال، فهذا يحجر عليه التصرف في ماله عند المطالبة؛ لألا يضر بالغرماء، ولا يمكن المدين من التصرف في ماله بتبرع أو غيره إذا كان هذا الأمر يضر بأصحاب الديون. وحكم الثاني أنه كذلك لا يصح الحجر على من عليه دين إذا كان ما عنده من المال أكثر مما عليه من الدين؛ لأن المفلس هو من غلب الدين على ماله. أما إذا كان إنسان عنده أموال وعليه ديون، لكن الديون التي عليه أقل من ماله الذي عنده، فمثل هذا لا يحجر عليه. مثال ذلك رجل معروف تاجر استدان من هذا مبلغًا، وهذا مبلغًا، وهذا مبلغًا، وما شابه ذلك في أعماله. لكن إذا نظرنا إلى رأس ماله، فمثلًا عنده عشرة ملايين، فهل مثل هذا يحجر عليه؟ الجواب لا؛ لأنه ليس بمفلس. وإنما يحجر عليه إذا كان مفلسًا. أما مثل هذا فهو ليس بمفلس، ولكن يطالب بأداء ما عليه من الحق إذا حل الأجل. فإن امتنع فللحاكم تأديبه وحبسه وتعزيره. فإن امتنع فللحاكم أن يأخذ من أمواله ويعطيه للغرماء، أي لأصحاب الحق. أما إذا كان ماله أقل مما عليه الدين الحال، فهذا هو المفلس. عليه دين أكثر من ماله، عليه دين مثلًا مليون أو اثنين مليون، وما عنده من المال إلا سبعمائة ألف مثلًا أو خمسمائة ألف، وحل الأجل. هذا يسمى مفلسًا في الشرع وفي عرف الفقهاء. فمثل هذا إذا طولب بالمال وما عنده ما يقضي به من المال، فللغرماء أن يرفع أمره للحاكم، وللحاكم أن يحجر عليه بأن يتصرف في ماله. يمنع من التصرف به خشية أن يتلفها ولا يبقي لأصحاب الأموال شيئًا. الشرط الأول في الحجر أن يكون ما عليه من الحق أو الدين أكثر مما عنده من المال. الشرط الثاني أن يحل الأجل. الشرط الثالث أن يطالب الغرماء بذلك. فأما إذا لم يطالب الغرماء بذلك، فلا يحجر عليه؛ لأنهم أصحاب الحق. قالوا: ولا يمكن المدين من التصرف في ماله بتبرع أو غيره إذا كان هذا الأمر يضر بأصحاب الديون. أي كذلك يمنع من أي تصرف له. وهذا قد يكون بأن يشاع بين الناس بأن فلانًا محجور عليه من قبل الحاكم، فمعاملاته جميعها لا تمضي ولا تصح. قالوا: من باع المحجور عليه أو أقرضه شيئًا بعد الحجر، فلا يحق له المطالبة إلا بعد فك الحجر عنه. يعني الآن نعطي الصورة: رجل محجور عليه فطلب قرضًا من فلان من الناس، أعطاه قرضًا وهو يعلم أنه محجور عليه، فليس لهذا الآخر أن يطالبهم بماله إلا بعد أن يفك الحجر عنه. قالوا: الحاكم أن يبيع ماله ويقسم ثمنه بقدر ديون غرمائه الحالة؛ لأن هذا هو المقصود من الحجر عليه. وفي تأخير ذلك مطل وظلم لهم. ويترك له الحاكم ما يحتاج إليه كالنفقة والسكن. نستفيد من هذا الحكم الأخير أن المفلس المحجور عليه إذا حل الأجل وطولب بالمال فأبى وحبسه الحاكم، فيقول له الحاكم: المال الذي عندك يقسم بين الغرماء بالنسب. يعني رجل مثلًا عنده خمسمائة ألف أعطاه دينا خمسمائة ألف، وآخر مائتين وخمسين ألفًا، وآخر مائتين وخمسين ألفًا. فيكون قسمان لصاحب النصف الذي هو صاحب خمسمائة ألف، وقسم لصاحب المائتين وخمسين ألفًا، والقسم الآخر لصاحب المائتين والخمسين ألفًا. بمعنى أنه يتقاسم بالحصص بالنسبة. قالوا: للحاكم أن يبيع ماله ويقسم ثمنه أيضًا كما ذكر وتقدم. أن هذا من شؤون الحاكم ومن تصرفات الحاكم. يحل ويجوز للحاكم أن يبيع مال المفلس وإن كان كارهًا. وقولهم: «الحال» بمعنى أنه لو كان هناك من الغرماء من حل أجل الدين، وآخر لم يحل أجل الدين، فلا يدخلون هؤلاء في القسمة. الجواب لا؛ لأن أجل الدين لم يحل بعد حتى يكون لهم حق الأخذ. وما يحتاجه مما لا يستطيع أن يستغني عنه، فإن مثل هذا لا يأخذ منه. يعني مثل السكن ونفقة عياله التي يحتاجها، والملابس التي يحتاجها هو وأولاده، وما شابه ذلك، فإن هذا يدخل في معنى النفقة والسكن، فلا يأخذ منه ولا يباع. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على