الدرس في كتاب الصيام 11، ألقاها
من أفطر لعذر عليه القضاء، واختلف العلماء في وجوب القضاء على الفور أو التراخي. جمهور العلماء ذهبوا إلى التراخي حتى شعبان بينما ذهب الظاهرية إلى القضاء على الفور.
يتناول المقطع أحكام قضاء الصيام بعد رمضان، مثل الأفضلية بين قضاء الصيام وصيام ست من شوال، وحكم من مات وعليه صيام. يشرح آراء العلماء وتفاصيل الأحكام في هذه المسائل.
ذهب جمهور العلماء إلى أن من أفطر لعذر عليه قضاء الأيام التي أفطرها، ولا يشترط التتابع في القضاء. العبرة في القضاء بالأيام لا بالشهر، فيقضي أيامًا مكان الأيام التي أفطر فيها.
كان يجمع المساكين ويطعمهم حتى يشبعوا، مما يدل على كرمه واهتمامه برعاية الفقراء. هذا العمل يعكس جانبًا من جوانب شخصيته وحرصه على خدمة المجتمع.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فنواصل في ذكر المسائل المتعلقة بحديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وما يدخل كذلك في معناه. مسألة: أولا، قبل أن ندخل في المسألة، مر معنا في الدرس الماضي أن من أفطر متعمدا في رمضان لغير عذر، فماذا عليه؟ السؤال واضح، عليه التوبة، ليس عليه قضاء، بل عليه التوبة إن كان بأكل أو شرب، وعليه الكفارة إن كان بجماع. مسألة ثانية: من أفطر في رمضان لعذر، فماذا عليه؟ عليه القضاء، عليه أن يقضي مكان اليوم أو الأيام التي أفطر فيها. وقد دل على هذا الكتاب والسنة والإجماع. قال الله عز وجل: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. أي إن أفطر الصائم أو المريض. وأيضا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كانت تؤمر بقضاء الحائض ولا تؤمر بقضاء الصلاة». وهذا الحديث متفق عليه. ونقل الإجماع على هذا المعنى. وتحت هذا الفصل مسائل، من هذه المسائل: هل يجب القضاء على الفور أم هو على التراخي؟ في المسألة قولان. القول الأول: قول جمهور أهل العلم، قالوا إن القضاء ليس على الفور، بل هو على التراخي، لكن إلى قبل أن يدخل رمضان. له أن يؤخره إلى شعبان. واستدلوا على ذلك بما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان يكون علي الصوم من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان لحاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم». فاستدل العلماء على أن هذا الوقت هو آخر أوقات القضاء. والقول الثاني في المسألة: ذهب الظاهرية إلى أن القضاء على الفور. والصحيح في المسألة: قول الجمهور، وذلك لما ثبت من حديث عائشة. لأنها كانت تصنع على هذا بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقراره لها. إذا قال قائل: وما هو الأفضل؟ الجواب: الأفضل في جميع الخيرات وفي جميع البر، المسابقة والمسارعة. جميع أعمال البر والطاعة والخير، الأفضل فيها المسارعة والمسابقة. لذا ذكر العلماء: هل الأفضل أن يبدأ من عليه صوم رمضان بصيام ست من شوال، أو يبدأ بالقضاء ثم يصوم ست من شوال؟ قالوا: إن كان يشق عليه، فلا بأس أن يؤخر. وإلا فالأفضل في حقه أن يبدأ بالواجب، وهو قضاء ما عليه من شهر رمضان، ثم يصوم بعد ذلك ست من شوال. مسألة أخرى: من مات وعليه صيام من رمضان، أفطر لمرض أو أفطر لسفر ثم مات، فهذا كما يذكر العلماء رحمهم الله تعالى، قالوا: لا يخلو من حالين. الحالة الأولى: أن يموت قبل إمكان الصيام، إما لضيق الوقت أو لعذر من مرض أو سفر أو عجز عن الصوم. قالوا: فهذا لا شيء عليه في قول أكثر أهل العلم. والصورة الثانية: أن يدخل رمضان وهو مريض، أو مثلا نفس الصورة الأولى، دخل رمضان وهو في صحة وعافية، فلما دخلت العشر مثلا مرض، فلما دخل شوال عوفى، واستمر على هذه العافية والصحة مثلا إلى ذي الحجة، ثم مات في ذي الحجة. فهذا ما حكمه؟ وقع في المسألة خلاف بين أهل العلم. فذهب أكثر أهل العلم إلى أن الواجب أن يطعم عن كل يوم مسكينا. وذهب أبو ثور، وهو من أئمة الشافعية، إلى أنه يصوم عنه وليه. واستدل على ذلك بحديث عائشة رضي الله عنها المتفق عليه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من مات وعليه صوم صام عنه وليه». ونحوه من حديث ابن عباس. وهذا القول هو الأقرب وهو الأصوب في المسألة. مسألة أخرى: من أخر القضاء حتى دخل رمضان الآخر، فماذا عليه؟ قلنا فيما مر معنا: أنه يجوز له أن يؤخر الصيام إلى شهر شعبان قبل أن يدخل شهر رمضان. فمن أخره إلى دخول رمضان الآخر، فماذا عليه؟ أيضا في المسألة قولان. ذهب كثير من أهل العلم إلى أن عليه القضاء، وعليه أن يطعم عن كل يوم مسكينا. وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس عليه إلا القضاء. وهذا هو الأقرب والله أعلم. مسألة أخرى: من أفطر لعذر، فعليه صيام ما أفطر من الأيام، فعليه أن يقضي، وأن يصوم ما أفطر من الأيام، ولا يلزمه الشهر. فإذا كان الشهر ثلاثين يوما، فهل له أن يقضي شهرا مكان الشهر ولو كان تسعة وعشرين؟ الجواب: أن المسألة فيها خلاف. فذهب جمهور أهل العلم إلى أن العبرة بالأيام، فيقضي أيامًا مكان الأيام التي أفطر فيها، لا شهرًا مكان الشهر. وذهب الحسن بن صالح إلى أنه يصوم شهرًا مكان الشهر. والصواب قول الجمهور، لقول الله عز وجل: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. مسألة أخرى: هل قضاء ما فاته يشترط فيه التتابع أم لا يشترط فيه التتابع؟ ذهب جمهور أهل العلم إلى أن التتابع ليس بلازم، بل له أن يصوم ولو كانت أيامًا متفرقة. واستدلوا على ذلك بأن الله عز وجل قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ولم يلزم التتابع فيها. وذهب بعض أهل العلم إلى اشتراط التتابع. والصحيح في المسألة: هو أن القضاء لا يشترط فيه تتابع، بل يجوز لمن أفطر في رمضان لعذر أن يفرق أيام قضائه. مسألة: ذكرنا أن على العاجز والشيخ الكبير أن عليه الإطعام. مقدار الإطعام: عن كل يوم مسكينا. لقول الله عز وجل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. فما هي أو ما مقدار هذه الفدية؟ ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يطعم مدا لكل مسكين. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الإطعام يكون بقدر ما يكفي المسكين، أي تطعم مسكينا أكلة تامة. وهذا القول هو الراجح في هذه المسألة. مسألة: من أفطر لعجز لكبر سن أو نحوه ثلاثين يوما، فهل له أن يجمع ثلاثين مسكين في يوم واحد فيطعمهم جميعا؟ الجواب: نعم له ذلك، لما ثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه أنه كان يفعل ذلك. ثبت عنه أنه كان يجمع ثلاثين مسكينا فيؤتى بالجفان فيجعلهم يأكلون حتى يشبعون. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.