الدرس في كتاب البيع 28، ألقاها
تعرف الشفعة بأنها استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها، وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. أحد شروطها هو انتقال الحصة ببيع.
يشترط في الشفعة أن يكون العقار أو ما يتصل به مشاعًا، وأن يأخذ الشفيع الشقص كله، مع مناقشة آراء العلماء حول انقسام العقار.
يتطلب في الشفيع التسلط على المبيع وإمكان أداء الثمن والمطالبة بالشفعة فورًا، مع توضيح توزيع الشفعة بين الشركاء عند تنازل أحدهم.
الأصل في الشفعة العموم والإطلاق، مع استثناء حالات الضرر على البائع، وتوضيح أحكامها في حالات الغرس والبناء والزرع.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له في كتاب عمدة الفقه في الله تعالى، قال: باب الشفعة بضم المعجمة وسكون الفاء، مأخوذة من الشفع وهو الزوج، وقيل: مأخوذة من الزيادة، وقيل: من الإعانة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الشفعة من شفعت الشيء إذا ضممته وثنيته، ومنه شفع الأذان». وسميت الشفعة شفعة لضم نصيب إلى نصيب. وقوله: باب الشفعة، أي: مدخل في الكلام على أحكام ومسائل الشفعة. وعرفها الإمام ابن قدامة شرعًا بقوله: وهي استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها. فقوله: وهي أي الشفعة استحقاق، أي: أنه حق ثبت للشريك على شريكه في شركة مخصوصة بين الشريكين جعلها الشرع حقًا لشريكه، أي: إذا باعها لغيره. قال الإمام ابن قدامة: هي استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها. ومعنى هذا: أن يكون بين رجلين شيئًا مشتركًا، كأن يكون بينهما أرض مشتركة مشاعة. فإذا باع أحد الشريكين نصيبه لإنسان آخر أجنبي - والمراد بالأجنبي هنا: ليس بالشريك، أي: رجل آخر - فإن للشريك الآخر الحق في انتزاع ذلك الشيء المباع بثمنه، وهذا هو معنى الشفعة شرعًا. وعرفها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بقوله: هو انتقال حصة شريك إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبي بمثل العوض المسمى. فهذا يسمى شفعة. كما مثلنا: لو أن رجلين بينهما أرض مشاعة، فباع أحد الشريكين نصيبه لآخر، فلشريكه أن ينتزع ذلك الحق من ذلك المشتري بمثل العوض الذي اشترى به ذلك العقار أو نحوه، فهذه تسمى شفعة، وهي ثابتة بالكتاب والسنة، ونقل عليها الإجماع. والأظهر والصواب: أنه يقتضيها، أي: أن الشفعة من مقتضيات القياس؛ لأن الشرع لا يفرق بين متماثل، ولا يجمع بين مختلف، وجاءت الشريعة بدفع الضرر، لا ضرر ولا ضرار. فلما كان الضرر حاصلًا بالشريك ببيع شريكه نصيبه لآخر، دفع الشرع ذلك الضرر عن ذلك الشريك بأن يكون لذلك الشريك حق الشفعة، أي: استرجاع ذلك الحق بأن يبطل تلك البيعة. وأدلة الشفعة كثيرة، بعضها سيأتي بإذن الله جل وعلا في أثناء الكلام على مسائل وشروط الشفعة. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ولا تجب الشفعة إلا بشروط سبعة. وقوله: لا تجب إلا بشروط سبعة، يدل على أن الأصل في البيع إذا تم بشروطه وأوصافه الصحيحة: أن الأصل فيه النفوذ والصحة. لكن في هذا الباب خاصة استثنيت هذه المسألة في باب الشفعة؛ إذ أن للشفيع حق الشفعة، وبحق الشفعة يتصدى على المشتري بانتزاع ممتلكه. والآن نتصور هذه المسألة: رجل ورجل مشتركان في أرض، جاء رجل ثالث اشترى نصيب أحد الرجلين بثمنه، استوفى الشروط، استوفى الواجبات، وكل شيء. والسؤال: بمجرد العقد يحصل الملك لذلك المشتري أم لا؟ الجواب: يحصل الملك؛ لأنه عقد بيع، مبادلة مال بمال، هذا دفع المال، والآخر استلم العقار، استلم الأرض، فالمشتري ثبت له الملك في يده تلك الصفقة وذلك البيع. ولكن الشرع سلط الشريك على ذلك البيع، فجعل له حق الشفعة بأن ينتزع ذلك الحق الذي ثبت لذلك المشتري بالبيع بحق الشفعة. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم». فكان للشريك حق انتزاع ممتلكه ذلك الغير الأجنبي بالشفعة، فهو حق أثبته الشرع له. وقوله: ولا تجب إلا بشروط سبعة، كما تقدم، بني على ما ذكر من أن الأصل في البيع إذا تم أنه على صحة، والشفعة إنما قضى بها شرعًا، لكن بشروط مخصوصة. متى وجدت صحة الشفعة، ومتى انتفت انتفت معها حق الشفعة. قوله: ولا تجب إلا بشروط سبعة، وهذه الشروط السبعة استقرأها العلماء واستخرجها العلماء رحمهم الله تعالى بالنظر في أدلة السنة. وإن كان في بعضها نزاع، كما سيأتي الكلام عليه عند تلك الشروط التي وقع النزاع فيها، وما هو الراجح في تلك الشروط، وهل هي شروط معتبرة أم لا؟ قوله: أحدها البيع، أي: من شرطه تسلط الشفيع أو الشريك على شريك في الشفعة: أن يكون ذلك الأمر - أي: ذلك الشيء الذي انتقل من الشريك إلى أجنبي - انتقل ببيع. قالوا: فلو انتقل بغير البيع، كهبة أو صدقة أو وقف، فإنه لا شفعة له. استدلوا على ذلك من السنة بما جاء في حديث جابر بن عبد الله عند رواية مسلم، أنه قال: «الشفعة فيما لم يخسّم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة». وجاء في بعض الروايات: «فليس له أن يبيع حتى يستأذن شريكه، فإن أذن له فذاك». وجاء في رواية: «وإن باع فلشريكه حق الشفعة بمثل ثمنه أو بمثل ذلك الثمن». فقول: بمثل ذلك الثمن، على ما جاء في تلك الرواية، يدل على أنه إنما يتصدى الشريك على فسخ البيع الذي وقع من شريكه وانتقال ذلك البيع إليه إذا كان طريق ذلك الانتقال البيع. فأما إذا لم يكن بيعًا، فإنه لا تدخل عليه الشفعة؛ لما تقدم ذكره. هذا أمر. والأمر الثاني من حيث النظر، قالوا: لأن الهبة والصدقة والوقف وما شابه ذلك أشبه ما يكون بانتقال ذلك المال إلى غير ذلك المالك بغير قصد منه للإضرار بذلك الشخص. كأن لو مات ذلك الشريك، فإن الحق ينتقل إلى الورثة. فهل للشريك أن يقول: لي حق الشفعة؟ الجواب: ليس له ذلك باتفاق. وكذلك لو انتقل بهبة أو صدقة أو ما شابه ذلك، فإنه لا شفعة فيه. لذا قال العلماء: الشرط الأول في الشفعة: لابد أن يكون حتى تثبت الشفعة: أن يكون ذلك الانتقال - أي: حصة الشريك إلى آخر - أن تكون عبر البيع. فإذا لم يكن بيعًا، وإنما كان هبة أو وقفًا أو غير ذلك مما لا عوض فيه، فإنه لا شفعة فيه. وهذا هو الأظهر من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى. وذهب بعض أهل العلم إلى وجود حق الشفعة في مثل ذلك، قالوا: لأن معنى الضرر موجود. وإذا كان معنى الضرر موجودًا، فالأصل: أنه لا ضرر ولا ضرار. قالوا: الشفعة إنما ثبتت للشريك على شريكه دفعًا للإضرار، فإذا وقع ذلك الإضرار، فالشفعة ثابتة. قالوا: بأن يقوم ذلك الشيء المباع ويشتريه ذلك الشريك، ويعطي قيمته لذلك الموهوب أو لذلك المتصدق عليه أو لوقف آخر. والقول الأول أظهر؛ لما تقدم ذكره، ولأنه لو انتقل إلى الغير عبر الميراث - أي: تركه وتوفي - وإن ثبت شيء من الإضرار، فإنه حق ثابت أثبته الشرع. فكما أن الشرع سلط الشريك على شريكه في الشفعة، كذلك جعل الشرع للشريك حقًا على شريكه إذا مات: أن تنتقل التركة إلى ورثته. قال: الثاني أن يكون عقارًا، أي: الشرط الثاني أن يكون عقارًا أو ما يتصل به من الغراس والبناء. أي: الأصل في الشفعة أن تكون في العقارات ونحوها. واستدل هؤلاء على ذلك بما جاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وهو الأصل في هذا الباب: أن النبي صلى الله عليه وسلم «قضى بالشفعة في كل ما لم يخسّم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة». فقوله: «الحدود وصرف الطرق»، هذا يتصور إلا في الأراضي، في العقارات. فالحيوان مثلًا هل يحد ويقال له طرق؟ الجواب: لا. لذا نقل غير واحد الإجماع: أن الشفعة لا تدخل في الحيوان. سئل روى عبد الرزاق عن معمر أنه سأل أيوب: هل سمعتم شيئًا في الحيوان تدخله الشفعة؟ قال: ما علمنا أحدًا يقول بذلك. وقال معمر: ولا علمت أنا أحدًا يقول بذلك. ونقل بعضهم الاتفاق كذلك على هذا المعنى: أي أن الشفعة لا تدخل في الحيوان وما كان من منقول ونحوه. وإنما تدخل في العقار، وفيما كان متصلًا بالعقار. وقوله: أن يكون عقارًا أو ما يتصل به من الغراس والبناء، يأخذ كذلك حكمه. فإذا كان فيه غرس أو بناء، فإنه كذلك يأخذ حكم العقار للاشتراك الموجود. فإذا الشرط الثاني: أن يكون عقارًا أو ما يتصل به من الغراس والبناء. وعلى هذا: لو أن شريكين مشتركان في شركة تجارة، أو مشتركان في سيارة أو في سفينة أو ما شابه ذلك، فإذا باع أحد الشريكين نصيبه لأجنبي، هل للآخر حق الشفعة أم لا؟ الصحيح من أقوال العلماء: أنه لا شفعة له؛ لأن الشفعة إنما تكون في العقار وما كان في معناه، وليس هذا مما هو في معناه. ولأن الأصل: أن لمالك الشيء أن يبيعه لمن شاء، هذا أصل واضح. إنسان إذا عنده شيء يملكه، الأصل في ذلك المالك للشيء أن يبيع ملكه لمن شاء، لا يشترط أن يبيع ملكه لإنسان مخصوص. لكن خَصت الشفعة في أشياء محصورة حدها شرعًا، وحصر الشرع وجعل الشفعة مضبوطة بشروط معينة، متى وجدت صحة الشفعة، ومتى انتفت بقي على الأصل. متى انتفت تلك الشروط أو لم تتوفر تلك الشروط، فالأصل بقاء البيع على أصله، ما هو الأصل في البيع؟ النفوذ والصحة، واضح. قال رحمه الله تعالى: الثالث أن يكون شقصًا مشاعًا. وقوله: أن يكون شقصًا، المراد بالشقص: الشيء المشاع، يسمى شقصًا. زاد وصفًا فقال: أن يكون شقصًا مشاعًا، أي: أن تكون الشركة بين الشريكين في شيء مشاع. كأن يشترك رجلان في شراء أرض، فكلا الرجلين يكونان مالكين لهذه الأرض بحسب النسبة التي اشترياها. إذا كان أحدهما دفع النصف والآخر النصف، فهما بالنصف. وإن كان أحدهما دفع الثلث والآخر الثلثين، فهكذا. من له الثلث من دفع الثلث فله الثلث، ومن دفع الثلثين فله الثلثين، وهكذا. ولا يحدد يقال: بأن لك في الأمام، ولي في الخلف، وما شابه ذلك. فالشركة تكون في الشيء المشاع، أما إذا كان في شيء غير مشاع، يعني: مثلًا رجلان اشتركا في أرض، لكن اتفقا على أن أحدهما له الجهة اليمنى، والآخر له الجهة اليسرى، قسم الأرض. هذا له جهة، وهذا له جهة، هذا له طريق، وهذا له طريق. هل تدخل الشفعة؟ الجواب: لا؛ لأن والحال كذلك صار منفصلين. لذا قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: قال: الثالث أن يكون شقصًا مشاعًا، فأما المقسوم المحدود فلا شفعة فيه؛ لقول جابر رضي الله عنه: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة». الشرط الرابع: أن يكون مما ينقسم، فأما ما لا ينقسم فلا شفعة. قالوا: مثاله: كالحمام الصغير. والمراد بالحمام: المكان الذي يستحم به، فيه ما يدفئ. هل يسمى حمامًا؟ فيقول رحمه الله: أن يكون مما ينقسم، أن يصلح للانقسام. فأما ما لا ينقسم فلا شفعة فيه. من أين أخذ هذا الشرط؟ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم». فمفهومه: أن ما لا يقبل القسمة أصلا لا تدخل الشفعة. قالوا: مثل الحمام الصغير، مثل البئر، مثل الطريق الصغير. قالوا: مثل هذا لا تدخله الشفعة؛ أخذًا بمفهوم حديث جابر: «في كل ما لم يخسّم». قالوا: فمن شرط الشفعة: أن يكون في الشيء القابل للقسم. وذهب بعض أهل العلم إلى دخول الشفعة في مثل ذلك؛ أخذًا بعموم الأحاديث في الباب. ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه: «قضى بالشفعة في كل ما لم يخسّم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة». وجاءت كذلك في بعض الروايات: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجار أحق بصقبه». ومفهوم الحديث: أن الأصل في الشيء المشاع بين الشريكين الذي لم ينقسم: أن يتسلط الشفيع أو الشريك على حق شريكه بالشفعة إذا باعه. وهذا هو الأقرب والأظهر، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغفر له، وكذلك اختاره من المعاصرين العلامة ابن عثيمين. فهذا الشرط قالوا: بأنه على الصحيح من أقوالهم: أنه ليس بشرط، أي: أن يكون مما ينقسم. قالوا: هذا ليس بشرط، بل البئر، وكذلك الحمام الصغير، وكذلك الطريق مثلًا الصغيرة. إن كانا مشتركين فيها، وباع أحد الشريكين ما له لغير شريكه، فإن لشريكه حق الشفعة. قالوا: بل هذا أولى مما ذكر قبل في مسألة انقسام الأراضي والحدود فيها. وهذا هو الأقرب، والله أعلى وأعلم؛ لأن تضرر الشريك بأن يشاركه إنسان في بئر أشد من أن يشاركه في أرض واسعة. تخيل عندهم مئة فدان من الأراضي مشتركين فيها، ليست فيها تعيين. أيهم أضر: أن يشترك معه آخر، أو أن يدخل معه رجل في بئر واحدة؟ يكون هذا ينزع في اليوم عشر دلا، وهذا ينزع مئة دلو، أو يحصل زيادة. يكون رجل مؤذي أو ما شابه ذلك. فالحاصل: أن مثل هذا كما يقول العلماء: أولى. كذلك لو كان طريقًا واحدًا ضيقًا، يعني: هذا الشريك ينزل من بيته إلى ذلك الطريق، والشريك الآخر ينزل إلى ذلك الطريق. فباع أحد الشريكين حقه، يكون في ضرر على الآخر، ولو كان ضيقًا. فالشفعة في هذا أظهر وأولى، والله أعلى وأعلم. الشرط الخامس: أن يأخذ الشقص كله، أي: الشريك إذا طلب حق الشفعة، فإنه يجب عليه أن يأخذ جميع ذلك الشقص الذي باعه شريكه. فإن طلب أخذ بعضه بطلت شفعته، ولو كان له شفيعان. طيب بطلت شفعته؛ لماذا؟ لأنه كما يقول العلماء: إذا عجز عن البعض، بطلت في البعض، بطلت في الكل. فكونه يقول: أنا سأأخذ الربع، وأترك الثلاثة الأرباع، أو سأأخذ النصف، وأترك النصف الآخر. فكما أنه أبطل حقه في النصف الآخر، يبطل حقه في النصف الذي طلب أخذه. ثم إنه كذلك يحصل ضرر للبائع لشريكه؛ لأنه لو قال: أنا أريد الربع، أو النصف، أو الخمس، أو العشر، ما قال: أريده. هل سيجدون البائع الشريك من يشتري القسم الآخر؟ يحصل له ضرر، يحصل له ضرر للآخر. فلذا قال العلماء رحمهم الله تعالى: لابد إن أراد الشفعة أن يتسلط على جميع ذلك الشخص. فإن تنازل عن البعض، قالوا: فهو تنازل عن البعض الآخر؛ لأنه إذا أبطل حقه في البعض، فقد أبطل حقه في البعض الآخر. قال رحمه الله: ولو كان له شفيعان، أي: ثلاث شركاء، أحدهم باع حقه. سيكون كم بقي؟ شريكان، شفيعان. قال: فالشفعة بينهما على قدر سهامهما. وهذا هو الصحيح. يعني: نتخيل ثلاثة شركاء في أرض، نتصور أن ثلاثة اشتركوا في أرض، أحدهم بالربع، والآخر بالنصف، والآخر بالربع، اثنان من ربع وربع، وآخر بالنصف. صاحب الربع باع حقه، قام الشريكان قالوا: لنا حق الشفعة. الآن الربع المباع، كيف يقسم؟ كيف يشتركان في الشفعة؟ قال العلماء: بسهامهما، أي: صاحب النصف له النصف، وصاحب الربع له الربع. فيحسبون نسبة الربع إلى النصف، كم؟ نسبة الربع إلى النصف ستكون كم؟ تقريبًا ربع إلى النصف، يعني الربع كم؟ خمسة وعشرون، والنصف خمسون. فنسبة الربع إلى النصف كم؟ نصف. فيكون لصاحب الربع نصيبًا، ولصاحب النصف سهمين. فيدخلان في كم أسهم؟ في ثلاثة أسهم. فيكون الربع المباع المشاع بينهما، صاحب النصف بسهمين، وصاحب الربع بسهم واحد، أي: أثلث. هذا هو الصحيح. وقال بعض أهل العلم: بل يدخلون بالرؤوس، إذا كانا رأسين يدخلان برأسين، أي: نصف بنصف. لكن الصواب: ما دام أن النسبة بينهما متفاوتة، فحق الشفعة بينهما كذلك متفاوت. فيدخلان بحسب ما لهما من النسبة، بحسب ما لهما من النسبة. قال رحمه الله تعالى: وإن ترك أحدهما شفعته - أحد الثلاثة الأول باع - بقي اثنان، أحدهما ترك شفعته. قال: لم يكن الآخر إلا أخذ الكل أو الترك؛ لما تقدم في أصل مسألة: إما أن يأخذ الكل، أو يتنازل عن البعض. وتنازل عن البعض: تنازل عن البعض الآخر. واضح. فكذلك يقال في مثل هذه الصورة. قال: السادس إمكان أداء الثمن، من جهة الشفيع. يعني: يقال للشفيع: الشريك باع أرضه لأجنبي، الشريك الآخر يقول: لي حق الشفعة. يقال له: نعم، ادفع وخذ الأرض. إذا قال: ما عندي مال. فماذا يقال له؟ يقال: لا شفعة لك. واضح. فكما ذكر الشرط السادس: إمكان أداء الثمن؛ لماذا؟ لأنه إذا لم يدفع الثمن، سيكون مضارًا بصاحب شريكه، والأصل: لا ضرر ولا ضرار. والأصل الثاني: وأحل الله البيع، البيع قائم ثابت، فهو لا يتصدى على فسخ ذلك البيع واسترجاع ذلك الحق من المشتري إلا بهذه الشروط. فإن انتفت، فلا حق له، ولا شفعة له. قالوا: إن كان أداء الثمن، فإن عجز عنه أو عن بعضه سقطت شفعته. وإذا كان الثمن مثليًا - ما معنى الثمن مثليًا؟ كان يكون اشترى الأرض بعشرة آصع من التمر، التمر مثلي. لو أن يأتي بمثله، بعشرة آصع من البر مثلي. فعليه مثله. وإن لم يكن مثليًا، فعليه قيمته، أي: أتى بشيء ليس له مثيل، أو لا تنضبط فيه المثلية. فإنه ينتقل إلى القيمة. كم قيمته يوم الشراء؟ وننظر إلى هذا الأمر: القيمة، هل قيمته وقت الشفعة، أو قيمته وقت عقد البيع الأول؟ الصحيح من أقوال العلماء: في الأول، أي: قيمته عند البيع؛ لأن الأصل في مثل هذا البيع: أنه لا يصح إلا بإذن الشريك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر: «قضى بالشفعة في كل ما لم يخسّم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة». وجاء في بعض رواية حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أراد أن يبيع شقصًا له من أرض أو نحوها، فليستأذن شريكه، فإن أذن له فليبع». فلا بد أن يستأذن. فكونه يبيع، وهذاك يشتري دون أن يستأذن الشريك، يكون وقع منه تفريط في هذه البيعة. لذا استحق الشريك أن يتصدى على المشتري بانتزاع ذلك الملك منه. وكذلك استحق أن يتصدى بدفع القيمة المثلية عند البيع، لا عند الانتزاع. قال رحمه الله تعالى: وإن اختلف في قدره - اختلف في قدره، أي: المشتري يقول: أنا دفعت كذا، قيمته كذا، والبائع يقول: لا، قيمته كذا. فالقول قول من؟ قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: وإن اختلف في قدره، ولا بينة لهما، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لماذا؟ قول المشتري؛ لأن جهته أقوى. ولأنه في هذه الحالة يصير هو مالك الأرض. المشتري حينما اشترى الأرض صار مالكًا للأرض. فلما يأتي الشفيع يقول: حق الشفعة، يقول: أنا اشتريته بكذا. فالشفيع إذا قال: لا، بل بكذا. يقال: هات بينتك. إذا ما عنده بينة، فالقول قول المشتري. ولما كان في الأمر شيء من الشبه، قال العلماء: ويمينه. وهذا القضاء باليمين على المدعى عليه، قضى به الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في القضايا المالية. ومنهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو أحد الخلفاء الراشدين، وفي آخرين من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. أي: عند خفاء البينة، وخفاء مثل هذه البيعات. فمثل هذه تصل إلى طلب اليمين من المنكر، ويثبت له الحق. الشرط السابع: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم، فإن أخرها بطلت شفعته؛ إلا أن يكون عاجزًا عنها لغيبة أو حبس أو مرض أو صغر، فيكون على شفعة متى قدر عليها. إلا أنه إن أمكنه الإشهاد على الطلب بها فلم يشهد بطلت شفعته. فإن لم يعلم حتى تبايع ذلك ثلاثة أو أكثر - أي: أحدهما باع للثاني، والثاني باع للثالث، والثالث باع للرابع، وهكذا. قال: فله مطالبة من شاء منهم. فإن أخذ من الأول رجع الثاني بما أخذ منه، والثالث على الثاني. هذا الشرط السابع، وهو المطالبة بها على الفور ساعة يعلم، هذا شرط من الشروط التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى، ووقع فيها شيء من الخلاف. وهل من شرط الشفعة أن تكون على الفور؟ رجل باع أرضه لرجل، جاء الشريك، علم الشريك، وسكت، ما تكلم، بعد يوم، يومين، أسبوع، أسبوعين. قال: لي حق الشفعة. هل يعتبر ذلك؟ هل تعتبر الشفعة والحالة كذلك أم لا؟ قالوا: هذه المسألة مبناها على هذا الشرط: هل هو من الشروط المعتبرة في الشفعة أم أنه من الشروط غير المعتبرة في الشفعة؟ فمن ذهب إلى أنه معتبر قال: سقطت الشفعة. ومن ذهب إلى أنه ليس بمعتبر قالوا: لم تسقط الشفعة. والأظهر، والله أعلى وأعلم: أن هذا الشرط يقال فيه تفصيلًا. يقال: بأن الصواب المسألة التفصيل. فإذا كان فالأصل يقال: الأصل بأنه لا دليل على هذا الاشتراط؛ إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الحكم، ولم يقيده بمدة، ولم يقيده بعلمه، ولا بشيء من ذلك. بل جاء الحكم عامًا: «قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم». فالأصل بقاء الحديث على عمومه وإطلاقه. لكن يستثنى من ذلك: إن ترتب على البائع ضرر. إن ترتب على البائع ضرر، ففي مثل هذه الحالة لا بأس أن ينبه، وأن يكلم الشفيع أو الشريك. فيقال له: إن كان لك حاجة فخذ، وإن لم تكن لك حاجة فالبيعة قد تمت وحصلت. وبهذا تتوافق وتتلاءم الأقوال، وينتفي الضرر عن الجميع: عن الشريك البائع، بحيث أن بيعه يكون تامًا، وينتفع بذلك الثمن. وكذلك بالنسبة للشريك الآخر، قال له: حق الشفعة، فإن تركها وتنازل عنها، فالأمر إليه. فلا ضرر ولا ضرار. قال رحمه الله تعالى: ومتى أخذ الشفيع حقه وفيه غرس أو بناء للمشتري، أعطاه الشفيع قيمتهم؛ إلا أن يشاء المشتري قلعه من غير ضرر فيه. أي: الأصل إذا أخذ طلب الشفعة، وكان ولو حق الشفعة، وكان في الأرض غرس أو كان فيه بناء - لمن الأصل؟ لصاحبه، أي: للمشتري. فإن أراد الشفيع أن يعطيهم القيمة فله ذلك؛ إلا أن يقول صاحبهم: الحق، أنا لا أريده، أريد أن أنتزع هذا الغرس، وأريد أن أنقله إلى مكان آخر، ولم يكن في ذلك النقل إضرار بتركة الأرض. فلا بأس؛ كما مر معنا في الكلام على مسألة الغصب. قال: وإن كان فيه زرع أو ثمر باد فهو للمشتري، يبقى إلى الحصاد أو إلى الجذاذ؛ لماذا؟ لأنه غرس وزرع في أرض يملكها ببيع صحيح ظاهرا. قال: وإن اشترى شقصًا وسيفًا في عقد واحد، فللشفيع أخذ الشقص بحصته. والأمر كذلك هنا بما لو أنه اشترك في سيف، اشترى أرضًا وسيفًا من شخص، هذا بالنصف، وهذا بالنصف. الشريك باع أرضه، بقي الاشتراك في السيف. فهل تدخل الشفعة في هذه الحالة أم لا؟ الصحيح من أقوى العلماء: دخول الشفعة في الأرض؛ لأن السيف لا تدخل فيه الشفعة؛ لأنه من الأشياء التي لا تقسم. فللشريك أن يأخذ ما باعه شريكه بالشفعة؛ أخذًا بعمومات الأدلة: «قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم». هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.