كتاب النكاح من صحيح البخاري 123

كتاب النكاح من صحيح البخاري 123

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 123، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

نهي دخول المتشبهين بالنساء وحكم المخنث

يروي الحديث أن النبي ﷺ أمر بإخراج مخنث وصف امرأة بأوصاف غير لائقة في حضور أم سلمة، مبيناً عدم جواز دخول من يتشبه بالنساء ويصفهن على النساء. ويفرق العلماء بين من خُلق على هذه الهيئة بطبعه ومن تكلفها، ويؤكدون أن من لا شهوة له ولا يصف النساء (أولو الإربة) يجوز دخوله، أما من يصف النساء أو يجد شهوة فمنع دخوله واجب.

حكم دخول المخنث وقصة إسلام عبد الله بن أبي أمية

يشرح المقطع حكم دخول من لا شهوة لهم (غير أولي الإربة) على النساء مستدلاً بالآية الكريمة، ثم يسرد قصة عبد الله بن أبي أمية أخو أم سلمة رضي الله عنها، وكيف رفض النبي صلى الله عليه وسلم لقاءه وأبا سفيان بن الحارث عند فتح مكة، ثم عفا عنهما بشفاعة أم سلمة فأسلم وحسن إسلامه.

قصة المخنث هيت ونفيه من المدينة

يروي المقطع قصة المخنث هيت مولى عبد الله بن أبي أمية الذي وصف ابنة غيلان بجمالها وعطفات بطنها أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي بإخراجه ونفاه عن المدينة، واستمر النفي في خلافة أبي بكر وعمر، مستدلين بذلك على جواز نفي من يتأذى به الناس وخاصة النساء من المخنثين المتشبهين بالنساء وإن لم تثبت عليهم فاحشة.

تفصيل حكم دخول المخنث والفرق بين العارف وغير العارف

يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر دخول المخنث إلا بعد علمه بحاله، ويُحمل النهي على الكراهة أو التفريق بين من يعرف شؤون النساء ومن لا يعرف. فمن كانت خلقته تدل على التكسر والتثني غالباً يكون أبله لا يدرك مصالح النساء، فيُمنع من الدخول عليهن، أما من عرف ذلك فلا يُسمح له بالدخول.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب ما ينهى من دخول المتشبهين بالنساء على المرأة». قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وعثمان بن محمد بن إبراهيم المغيرة العبسي، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، وهو طُوَيْس، كذلك عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، هي ربيبة النبي عليه الصلاة والسلام، أبوها أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، أو أبوها -أقصد- أبو سلمة بن المغيرة بن المخزومي من بني مخزوم، وأمها أم سلمة بنت عبد الأسد. أنا أم سلمة هي هند، أو أم سلمة هي هند بنت أبي أمية، وأبو أمية هو ابن عبد الأسد المخزومي. قال: عن أم سلمة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان عندها، وفي البيت مخنث. مخنث بفتح النون، قيل: المخنث بفتح النون الذي يتشبه بالنساء، والمخنث بكسر النون وتشديدها هو الذي يفعل به كما تفعل المرأة، يُلاط به، فهذا مخنث. قالوا: في البيت مخنث، فقال المخنث لأخي أم سلمة عبد الله بن أبي أمية: «إن فتح الله لكم الطائف غداً أدلك على ابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يدخلن هذا عليكم». هذا الباب: «ما ينهى من دخول المتشبهين بالنساء على المرأة». الذي يتشبه بالنساء والمتشبه بالنساء على نوعين: منهما من يكون خلقه -أعني يكون من خلقته- هكذا، ما يلي للنساء، طبع، قبع على هذه الخلقة. ومنهم من يتكلف هذا الأمر، وهذا أعظم. من يتكلف أن يكون مثل المرأة، يلبس لباس المرأة، ويمشي مشي المرأة، فهذا تخنث، وهذا أعظم. أما من خلق على هذا الطبع، وقبع على ذلك، فهذا من الله، وغالباً مثل هذا الذي يقبع على مثل هذا، غالباً ما تكون عنده شهوة في النساء. ولهذا يقول الله عز وجل لما ذكر من يدخل على النساء ومحارمها: ﴿ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: 60]، وقال: ﴿ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ﴾ [النور: 31]. فـ «أولو الإربة» أولو الإربة: هؤلاء الذين لا تكون لهم شهوة، ليست لهم شهوة للنساء، فهؤلاء لا بأس أن يدخلوا البيت. وغالباً هؤلاء كما قلنا الذين يطبعون على مشابهة النساء، فتكون شهوتهم غير موجودة غالباً. وكان هؤلاء يدخلون على النبي عليه الصلاة والسلام، أو على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم هذا المخنث. يُقال أن اسمه هيت، ويُقال أنه أن، ويُقال ودعا. أنا قيل: اسمه هيت، أو أن، أو ودعا، ولكن أكثر رواية أنه هيت، اسمه هيت. هذا الذي دخل على أم سلمة، فقال هذا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في البيت. كان يدخل على أمهات المؤمنين لأنهم يرون أنه من أولي الإربة من الرجال. فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام، أمر بإخراجه؛ عن أنه يعرف النساء ويصف النساء. معنى ذلك: أنه لا يجوز أن يدخل على النساء مثل هذا. أما إن كان لا يصف النساء ولا يجد شهوة بالنسبة للنساء، فهذا لا بأس أن يدخل عليه. وغالباً تجد مثل هؤلاء عندهم قصور في العقل أو تخلف في العقل، فبهذا إذا دخلوا على النساء لا بأس بذلك، مثل ما أجازه الله عز وجل: ﴿ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ﴾. أولو الإربة: أي الذين لا شهوة لهم من الرجال، الذين لم يظهروا على... أو أولو الإربة من الرجال، أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء. فأولو الإربة هم هؤلاء الذين ليس لهم شهوة. غير أولي الإربة: فلهذا كان هذا المخنث يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأخ أم سلمة عبد الله بن أبي أمية. عبد الله بن أبي أمية: أخ لأم سلمة رضي الله تعالى عنها، والظاهر أنه من الرضاعة، ليس شقيقاً لها، لأن عبد الله بن أبي أمية أمه عاتكة بنت عبد المطلب، أمه عاتكة بنت عبد المطلب، وهي عمة النبي عليه الصلاة والسلام، كانت زوجة عبد الأسد بن عبد العزة المخزومي، وعبد الله بن أبي أمية -أعني- هذا أبو أمية هو عبد الأسد، فولدت له هذا عبد الله بن أبي أمية. ولهذا عبد الله بن أبي أمية كان يتكلم على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، ثم لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل إلى مكة في فتحها، في فتح مكة، جاءه أبو سفيان بن الحارث بن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن أبي أمية. فلما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، النبي عليه الصلاة والسلام أعرض عنهما ولم يقابلهما. فعن قيل له: إن أبا سفيان وعبد الله بن أبي أمية يريدان أن يدخلوا عليه، فرفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلهما. فقالت أم سلمة: يا رسول الله، أتجعل ابن عمك وابن عمتك من أشقى الناس؟ ابن عمك أبو سفيان بن الحارث، وابن عمتك عبد الله بن أبي أمية. قال: «أما ابن عمي فقد هتك عرضي». معلوم أن أبا سفيان كانت له جاريتان تغنيان بأشعار في النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا رد عليه حسان بن ثابت. لما هجا أبو سفيان النبي صلى الله عليه وسلم، استأذن حسان بن ثابت أن يرد عليه، فقال له: «اذهب، فإن أبا سفيان بن عمي، فاذهب إلى أبي بكر حتى يريك الأنساب». فذهب إلى أبي بكر، وأراه الأنساب، فقال: «والله يا رسول الله، خرجتك منها مثل الشعرة من العجين»، أو كما قال رضي الله عنه. ثم جاء بذلك الشعر العظيم الجليل: «هجوت رسول الله وأنت لست له بكفء». معنى: يرد على أبي سفيان بن الحارث. فلما جاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما ابن عمي فقد هتك عرضي، وأما ابن عمتي فأنت تعلمين ما كان يقول»، لأنه أخوها، لأنه أخ لها، أو أخوها. فقال: «فأنت تعلمين ماذا يقول؟». فقالت: يا رسول الله، اعفُ عنهما، فلا تجعلهما من أشقى الناس. فعفا عنهما نبي صلى الله عليه وسلم، وبايعهما، وأسلم أبو سفيان بن الحارث، وكذلك عبد الله بن أبي أمية، وحسنا إسلامهما. وهذا عبد الله بن أبي أمية هو الذي كان مع أبي جهل عند عبد المطلب، لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: «قل لا إله إلا الله»، وهما يقولان له: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟». وهو أخو أم سلمة، قال المخنث لأخي أم سلمة: أم سلمة ليست بنت عمة رسول الله، لكن عبد الله بن أبي أمية ابن عمته، لأن أمه عاتكة، فهو عبد الله بن أبي أمية أخوها من العبد. قال: «إن فتح الله لكم الطائف غداً أدلك على ابنة غيلان». ابنة غيلان: غيلان بن سلمة الثقفي، الطائف. وكانت هذه المرأة يتمثل بها بجمالها، تمثل بجمالها وبحسنها، وكانت كما ذكر أنها سمينة. وهذا كما ذكر بعض الشراح: أن العرب كانوا يحبون السمان أكثر من غيرهم، والآن انعكست القضية، والناس الآن يحبون الرشاقة، لكن العرب كانوا يحبون السمان. لهذا ابنة غيلان هذه، أول ما دخل النبي صلى الله عليه وسلم، أو لما جاءوا وأسلموا، تزوجها عبد الرحمن بن عوف. تزوجها عبد الرحمن بن عوف، هذه ابنة غيلان التي ذكر هذا المخنث. فقال: «إن فتح الله لكم الطائف غداً أدلك على ابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان». تقبل بأربع: معنى المراد أنها عطفات بطنها. معنى هذا: الرجل رأى عطفات بطنها، أو أنه أخبر بذلك. معنى ذلك: أنه يتحدث في النساء. معنى العكن: عكن البطن أربع إذا أقبلت، وتصير ثمان إذا أدبرت. معنى: إذا جاءت من خلف فهي ثمان، لأن كل عكنة يكون لها طرفان، ستكون ثمان. فقال: «تقبل بأربع وتدبر بثمان». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أخرجوا»، أو قال: «لا يدخلن هذا عليكم». في رواية: قال: «أخرجوا هذا الخبيث». وهذه ابنة غيلان اسمها بادية، بادية بنت غيلان بن سلمة. وهذا هيت يُقال أنه مولى عبد الله بن أبي أمية. وفي الحديث: إخراج هؤلاء المخنثين من البيوت. بل النبي صلى الله عليه وسلم نفاه، هذا هيت، نفاه النبي صلى الله عليه وسلم عن المدينة، نفاه في الظاهر في الجحفة. حتى لما كبر، جاء يشتكي، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشتكون، فلم يبال به النبي صلى الله عليه وسلم، أنا تركه في المنفى. ثم لما استخلف أبو بكر، أيضاً كلموه على ذلك، فلم يلقِ لهم بالاً، أنا قال: «لا أفعل شيئاً أخالف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم». كذلك جاء في عهد عمر، أيضاً تركه في ذلك المكان. فكان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أنهم ينفون مثل هؤلاء إذا رأوهم. معناه: يتكلفون التخنيف، وكذلك أيضاً يضجرون النساء، أنا غالب أنهم يحكون مثل النساء، فيحكون بعض ما يكون من النساء، يحكون بعض ما يكون من النساء. وغالب كلامهم في النساء. هؤلاء المخنثون، غالب كلامهم في النساء، إلا من طبع. غالباً الذي يطبع على هذا، خلق على هذا الشكل، وعلى هذا التكسر، فهذا غالباً ما يلتفت إلى مثل هذه الأمور. لكن الذي يتكلف، غالباً يكون منه هذه الأمور. لهذا فلا يدخل هؤلاء في غير أولي الإربة من الرجال، إلا من عرف أنه لا يلتفت إلى النساء، ويكون كما يقال له: أبله. ويقال له: أبله، العنين الذي لا يتفطل لمصالح النساء أو محاسنهن، ولا إربة له فيهن، يعني لا حاجة له في النساء. وهذا الحديث أصل في نفي كل من يتأذى به ويبعده، بحيث يؤمن أذاه. كل من كان يؤذي الناس ويؤذي النساء خاصة، فإن الإمام له أن ينفيه ويبعده عن المجتمعات. وهذا المخنث هو الذي يتشبه بالنساء، وإن لم تعرف عنه الفاحشة، وإن لم تعرف عنه الفاحشة. وقوله هنا عليه الصلاة والسلام: «لا يدخلن هذا عليكم». النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا أنه لم ينكر دخوله قبل أن يسمع ذلك منه، فيحمل كما قال بعضهم: يحمل نهيه على الكراهة، أو يحمل على أنه يفرق، كما هو صحيح، يحمل على أنه يفرق بين من يعرف أمر النساء، وبين من لا يعرف. وغالباً كما قلنا: من كان خلقته على هذا التكسر، على هذا التثني، غالباً يكون أبله، لا يعرف مصالح النساء ومحاسنهن. وأما من عرف أنه يعرف ذلك، فلا يدخل، ولا يمكن بالدخول إلى النساء. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.