الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 124، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استدل المؤلف بحديث عائشة رضي الله عنها في نظرها إلى الحبشة يلعبون في المسجد، وقصة فاطمة بنت قيس التي اعتدت في بيت ابن أم مكتوم الأعمى، على جواز نظر المرأة إلى غير محارمها إذا خلا من الشهوة والريبة. وأجمع العلماء على جواز النظر للحاجة كشهادة وعلاج وضرورة، وهو قول الجمهور.
الأصل جواز نظر المرأة للرجل بغير ريبة، والأولى لها الاحتجاب اقتداءً بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وقول الإمام الشافعي. ويجب على المرأة أن تحتجب عمن تبدي منه ريبة أو شهوة، حتى لو كان من محارمها، درءاً للفتنة وحفظاً للعرض.
النظر بغير ريبة جائز شرعاً، ويؤكد المقطع جوازه خاصة إذا كان هناك مصلحة معتبرة للرؤية أو ضرورة تدعو إليه. والله أعلم بالصواب.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الإمام البخاري، باب نظر المرأة للحبش ونحوهم من غير ريبة. قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحمادي، وهو مولى لإسحاق بن إبراهيم بن راهويه رحمه الله، قال: حدثنا عيسى وهو الطباع، قال: حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، أن عروة حدثه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «رأيت النبي عليه الصلاة والسلام يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا التي أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو». فهذا الحديث بعدما ذكر رحمه الله مسألة التشبه، ذكر هذه المسألة: مسألة نظر النساء إلى الرجال. أنا بعدما ذكر تشبه، حرم تشبه النساء بالرجال والعكس، أو تشبه الرجل بالمرأة، ذكر هنا نظر المرأة إلى الحبشة أو إلى الرجال، فهل يصح أن تنظر المرأة إلى الرجال؟ فذكر هذا الحديث على جواز ذلك. وهذا الحديث فيه عدة فوائد: فأولاً فيه جواز نظر المرأة إلى جماعة الرجال، إلى جماعة الرجال، مجموعة من الرجال، لا بأس أن تنظر إليهم لأجل غرض، مثل هنا نظرت إليهم لأجل لهوهم، إذ كانوا يلعبون ألعاب الفروسية وألعاباً من ألعاب الجهاد، فأحبت أن تنظر إليهم، فأجاز لها النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يحجبها عليه الصلاة والسلام، وهي واضعة وجهها على كتفه وتنظر إليه. وفيه أيضاً: لا بأس بنظر المرأة إلى الرجل من غير ريبة، وهذا الذي بوب عليه الإمام البخاري هنا: «من غير ريبة». معناه: يجوز لها أن تنظر إلى الرجل بغير شهوة، بمعنى: لا تريد شهوة، تريد مثلاً أن تنظر إليه لأجل أمر ما، أو نظرت إليه ليس لأجل شيء من هذا الأمر، فهذا جائز، وهو قول جمهور العلماء، خلافاً لمن حرم ذلك. فالصحيح من أقوال العلماء في هذه المسألة: أنه يجوز نظر المرأة إلى الرجل إذا كان بغير شهوة وبغير ريبة. وأما حديث الترمذي: لما قال: «أفعمياوان أنتما؟» لما دخل ابن أم مكتوم، قال: «استترا». هكذا جاء في الحديث، فقال: أي كانت عائشة وحفصة، قالت: إنه أعمى، قال: «أفعمياوان أنتما؟» هذا الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإن صح فهو لا دليل فيه على أن المرأة لا تنظر إلى الرجل، فأهم شيء أنها لا تنظر إليه لأجل الريبة. وأيضاً اختلف العلماء في نظر الرجل إلى المرأة ليس للريبة: امرأة كبيرة مثلاً يريد أن يكلمها أو كلمته، وكانت فاتحة وجهها وكذا، فهل له أن ينظر إليها من غير ريبة؟ فهذا أيضاً الصحيح أنه جائز، الصحيح أنه جائز إذا لم يكن لأجل ريبة، أنها تكون كما قلنا امرأة كبيرة، وقصده الكلام معها، أو قصده مثلاً رؤية شيء لأجل معالجتها، أو شهادة، أو غير ذلك. فقد أجاز العلماء الشهادة على المرأة، فإذا معنى يجوز النظر إليها لأجل الشهادة، بمعنى أنها تفتح وجهها لأجل أن تشهد، فلذلك قال هنا معنى، قال البخاري: «من غير ريبة». طيب، وأيضاً في هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستر عائشة، يستر عائشة، وهذا أيضاً لأجل الحجاب، حتى لا يراها أحد من الرجال. وغالباً رؤية الرجال للمرأة أفتن من رؤية المرأة للرجال، لكن كما قلنا: التحريم أن ينظر الرجل إلى المرأة بشهوة، وكذلك العكس، إذا نظرت المرأة إلى الرجل بشهوة، فإنه أيضاً كذلك لا يجوز. وأما النظر بغير شهوة فيجوز. ولهذا مما يدل على جوازه أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل فاطمة بنت قيس تعتد في بيت ابن أم مكتوم، تعتد في بيت ابن أم مكتوم، والحديث في الصحيحين، فقال لها: «فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك، فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك». وهو ابن عمها، يعني ليس لها بيت في المدينة، وقد طلقها زوجها ثلاثاً، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس لك سكنى ولا نفقة»، فقال لها: «اعتدي في بيت أم شريك»، قال لها: «اعتدي في بيت أم شريك»، يعني: اذهبي وأجلسي في بيت أم شريك، ثم قال: لا، قال نبي صلى الله عليه وسلم: استدرك، قال: «أم شريك يدخلها كثير من الرجال لأنها امرأة تاجرة تتاجر بالثياب وكذا، فكان الناس يدخلون لأجل أن يشتروا»، فقال: «فاعتدي في بيت ابن عمك ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك، فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك». فهذا أيضاً يدل على أن المرأة لا بأس أن تنظر إلى الرجل، لكن المرأة الأولى لها أن تحتجب عن الرجل، تحتجب عن الرجل، ولو كان لأجل حاجة، ولو كان لأجل حاجة. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم ستر عائشة حتى لا يراها أحد. وأيضاً كانت أم سلمة، كما استدل الإمام الشافعي بهذا على أن المرأة لا تظهر ثيابها ولا شيء من هذا عند الرجل، فكان استدل الشافعي رحمه الله باحتجاب أم سلمة من مكاتبها إذا كان عنده ما يؤدي، واستدل أيضاً الإمام الشافعي بهذا على أنه يجوز لغير نساء النبي صلى الله عليه وسلم أن تظهر للرجال لكن بحجابها، تظهر للرجال بحجابها. وأما أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقد أمرهن الله أن يستترن حتى بأجسادهن، هكذا استدل الإمام الشافعي رحمه الله. وأما احتجاب المرأة ممن له أن يراها فهذا أمر واسع، أنا لها أن تحتجب إذا رأت ريبة، أنا حتى ولو مع أرحامها، حتى لو مع أرحامها، لو رأت أن أحد أرحامها ينظر إليها نظرة أو نظرة فيها شيء من الشهوة أو كذا، فإنها لها أن تحتجب عنه، لها أن تحتجب عنه، أنا خاصة إذا كان أخاً لها من الرضاعة أو من نحو ذلك، أو حتى عمها لها، أو خالها لها، بل حتى ولو أباها لها. أنا الآن في خضم هذه الفتن وهذه المسكرات والمخدرات، فتجد الرجل لا يحتشم حتى من بنته، يعني يريد أن يأتي على ابنته، فمثل هذا لا بد أن تحتجب منه، ولو كان من محارمها. فكل من رأت فيه ريبة، ولو كان من محارمها، فإنها يجب عليها أن تحتجب منه وتبتعد منه، بمعنى لا تريه نفسها. أحياناً مثلاً امرأة في بيت يكون مثلاً بعض أبناء زوجها، أو بعض، أو أباً لزوجها يتحرش بها أو كذا، فإنها تحتجب منه، يجب عليها أن تحتجب منه إذا رأت أنه يتحرش بها. فكل من كان فيه مثل هذا وينظر بريبة، فالواجب على المرأة أن تحتجب منه. أما أن كان النظر بغير ريبة فيجوز، يجوز كما قلنا إذا كان بغير ريبة، وخاصة إذا كانت هناك مصلحة للرؤية. فهذا ما يذكر، والله أعلم. شكراً.