كتاب البيع 17

الدرس في كتاب البيع 17، ألقاها

تعريف المساقاة والمزارعة وأحكامهما العامة

المساقاة والمزارعة عقدان شرعيان يتيحان لصاحب الأصول الاستفادة من أصوله مع طرف آخر، وهما مشروعتان بالسنة وإجماع الصحابة.

شروط صحة عقد المساقاة والمزارعة

يشترط في عقد المساقاة والمزارعة أن يكون الربح مشاعًا وأن يتحمل العامل الأعمال المعتادة، لضمان صحة العقد ووضوح الشروط.

التعاقد على العمل بالدابة أو السيارة بنظام المشاع

يجوز التعاقد على العمل بالدابة أو السيارة بنظام المشاع بشرط وضوح الاتفاق ومعرفته بالعرف، كما يجوز تأجيرها بأجرة معينة.

حكم الصورة الثانية من الاستصناع

الراجح جواز الصورة الثانية من الاستصناع لشبهها بالإجارة المشروعة واستنادًا إلى حديث رافع بن خديج، مع وجود رأي مخالف بالمنع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا، ثم أما بعد. قال الإمام موافق الدين أبو محمد بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له في كتابه «عمدة الفقه» في كتاب البيع منه، قال: «باب المساقاة والمزارعة»، أي أنه عقد هذا الباب رحمه الله تعالى وغفر له لذكر مسائل وأحكام المساقاة والمزارعة. والمساقاة هو أن يعطي صاحب الأصول -أي رجل عنده مزرعة فيها أشجار أصول مثل النخل مثلا- يدفعها لآخر لأجل أن يسقيها مقابل حصة ونسبة مشاعة، هذا يسمى في مصطلح الفقهاء مساقاة. والمزارعة هو أن يدفع من له أرض لآخر أرضه على أن يزرعها، أي يعطيه أرضًا بيضاء ليس فيها شجر، ليس فيها أصول، فيدفعها له من أجل أن يزرعها، هذه تسمى مزارعة، مقابل نسبة مقابل حصة معلومة مشاعة. فالمساقاة والمزارعة مشروعة؛ لأنها داخل في عموم العقود، والأصل في العقود الحل إلا أن يكون فيها ما تعلق به محرم، أو كانت عقود محرمة، فإنها تكون محرمة لأجل ذلك. ويدل على جواز المساقاة والمزارعة السنة والإجماع. أما السنة فلحديث عبد الله بن عمر بن خطاب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع وثمر. وجاء في بعض الرواية أنه قال: «على أن يعمروها من أموالهم»، والحديث متفق عليه، وهو مجمع عليه من حيث الجملة. وقد كان السلف رضي الله عنهم -الصحابة الكرام رضي الله عنهم كلهم- يتعاملون بمثل هذه المعاملة، ممن كان له أرض منهم من يساقي أرضه لغيره، ومنهم من يزرع أرضه لغيره. وقد كان الصحابة المهاجرون أول ما قدموا على المدينة كان بعض الأنصار ربما دفع إليهم الأرض، فكان المهاجر يعمل بجهده ويكتسب، والأنصار يعامل بأرضه وكذلك يكتسب، فحصل النفع والخير لكل الطرفين. وهذه من المعاملات التي نظر فيها الشرع إلى المصلحة التي تعود على كلا الطرفين، وليس فيها إضرار، بل فيها إصلاح. قال رحمه الله تعالى: «المساقات في كل شجر له ثمر»، هذا هو المساقاة، لا بد أن تكون عند صاحب الأرض عنده أشجار أصول كما ذكرنا النخل، وكذلك كالأعناب مثلا، الرمان، التفاح، أو ما شابه ذلك من الأشجار التي تبقى أصولها ثابتة، وإنما الثمار هي التي تخرج بين موسم وآخر، أو في كل موسم. قال: «تجوز المساقاة في كل شجر له ثمر بجزء من ثمره مشاعًا معلومًا». قوله رحمه الله: «تجوز المساقاة في كل شجر له ثمر»، هذا كما ذكر، فيه الأمر واضح؛ لأن الشجر إذا لم يكن له ثمر، فعلى ماذا يكون العقد والاتفاق؟ فلابد أن تكون الشجرة معلومة بأنها مثمرة. قال: «بجزء من ثمره»، أي من ثمر ذلك الشجر الذي يساقيه، وأن يكون مشاعًا معلومًا، أن يكون مشاعًا وأن يكون معلومًا. أولا قوله رحمه الله تعالى: «بجزء من ثمره»، بجزء من ثمره، خرج ما لم يكن كذلك، أي خرج أنه كان بجزء من ثمر آخر؛ لأن مثل هذا لا يسمى مساقاة، وإنما يكون من باب الأجرة، من باب المؤاجرة، ليس من باب المساقاة. المساقاة أن تكون الربح والنفع من نفس تلك الأصول التي حصل لها السقيا بذلك العامل. وقوله رحمه الله تعالى: «مشاعًا»، فخرج ما لم يكن مشاعًا، ما لم يكن مشاعًا، كأن يحدد أحدهما جهة معينة، كان يقول أحدهما مثلا: «لين الجهة الشرقية، ولك الغربية»، أو «لين ما يكون في مبادئ الماء، ولك ما يكون في آخره»، أو ما شابه ذلك، هذا لا يجوز، هذا لا يجوز؛ لماذا؟ لأن فيه إضرارًا، وفيه كذلك غبن لأحد الشريكين أو المتعاملين بهذه المعاملة، أي المساقاة؛ لأنه قد تثمر هذا ولا تثمر تلك، وقد تكون إحداهما أكثر ثمرًا من الآخر، وهكذا. فالشاهد من هذا أنه لا يجوز أن يكون الاتفاق بجزء معلوم في جهة معينة، يعني تكون عنده مزرعة مثلا، هذه المزرعة أولها تمر به الأودية مثلا، وآخرها لا تمر به الأودية، تأتيه من مياه الأودية لكن بقلة، لا شك أن ما كان على طريق الأودية والمياه وما شابه ذلك يكون أكثر ثمرًا ونفعًا، فلو أنه قال له: «هذا الجزء هذا في المساقاة لا يجوز»، لا بد أن يكون في جزء مشاع. قال رحمه الله تعالى: «والمزارعة في الأرض بجزء من زرعها». المزارعة كما تقدم تكون أرضًا بيضاء يدفعها صاحبها إليه إلى المزارع، أي العامل، بجزء من زرعها، بجزء من زرعها كما تقدم، بجزء من زرعها مشاعًا، أن يكون كذلك مشاعًا معلومًا، سواء كان البذر منهما، أي يقوم يتفقان على البذر أن هذا عليه مثلا النصف بالنصف، أو الثلث بالثلثين على ما يتفقان، أو أن البذر على صاحب الأرض، أو أن البذر على العامل، على ما يتفقان عليه. قال: «سواء كان البذر منهما أو من أحدهما»، هذا كله يسمى مزارعة، فإذا حصل هذا العقد، فالكلام فيه كذلك كالمساقاة، أن يكون الربح بينهما معلومًا مشاعًا. والمزارعة كما ذكرها هاهنا الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى هو دفع الأرض إلى الغير لاستصلاحها ومزارعتها. قال رحمه الله تعالى: «لقول ابن عمر رضي الله عنه: ما عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع وثمر»، وفي لفظ: «على أن يعمروها من أموالهم»، وهذا واضح، عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع وثمر، من زرع في المزارعة، ومن ثمر في المساقاة، فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم تعامل بالمعاملتين، بالمزارعة، وتعامل كذلك بالمساقاة. قال رحمه الله تعالى: «وعلى العامل عمل ما جرت العادة بعمله»، أي أن ذلك يرجع إلى عرف الناس، فإذا كان في عرف الناس أن يحتاج إلى تنظيف المزرعة، إلى تهيئ أماكن المياه، إلى البذر بهيئات معينة، إلى النظر في المزرعة مثلا في كل يوم أن ينظر فيها وأن يهيئها، المهم يرجع في ذلك إلى عرف الناس، وإلى معتاد الناس في تلك المزارعة أو في تلك المساقاة، فإن على العامل أن يعتني بتلك المزرعة التي دفعت إليه مقابل ذلك العقد. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾، فالحاصل أنه ينبغي أن يلتزم، بل يجب على كل واحد منهما أن يلتزم بما اتفقا عليه بمقتضى ذلك العقد، فإن رأى أحدهما العجز أو رأى أحدهما شيئًا لا يستطيع معه أن يعمل العمل على وجهه، فله الفسخ، فله الفسخ كما تقدم معنا أن هذه العقود من العقود الجائزة لأحد الطرفين أن يفسخها ولو لم يرضَ الآخر، إلا أن تترتب على ذلك مضرّة كبيرة، فينظر حينها في ذلك الفسخ. قال رحمه الله تعالى: «ولو دفع إلى رجل دابة يعمل عليها، وما حصل بينهما جاز على قياس ذلك». هذا استطراد، وكما يقول استنباط وتفقه من الإمام ابن قدامة رحمه الله، الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى بعد أن ذكر مسألة المساقاة والمزارعة واستدل عليها بحديث ابن عمر رضي الله عنهما استطرد واستنبط، يقول: «ولو دفع إلى رجل دابة يعمل عليها»، أي لو أن رجلا له دابة فدفعها إلى آخر يعمل عليها، وما حصل بينهما يتفقان على نسبة مشاعة، يعني رجل مثلا عنده في أيامنا هذا أو رجل في أيامنا هذا عنده مثلا بعير يدفعه إلى رجل، يقول له: «اعمل فيه وأنا وأنت مثلا بالنصف»، أو «وأنا وأنت ثلث بثلثين»، فهذا جائز، ويتعامل على ما تعارف عليه الناس، مثلا يخرجان للبعير ما يحتاجه من طعام، من شراب، ويكون المحمول معروفًا بالعرف، لا يحمله فوق طاقته، إلى غير ذلك، هذا جائز. يقول: «هذه من المعاملة هذه من المعاملة كمعاملة الأرض في المساقاة والمزارعة»؛ لماذا؟ لأن صاحب الأرض انتفع، والمزارع انتفع، وكذلك صاحب الدابة في مثل هذه المسألة انتفع بتشغيل دابته والاستفادة منها، والعامل انتفع بتلك الدابة واكتسب منها، وكان بينهما جزءًا مشاعًا على ما يتفقان عليه. وفي أيامنا هذه مثلا لو أن إنسانًا عنده سيارة دفعها إلى رجل يعمل عليها بنسبة مشاعة، فهذا كذلك من هذا الباب، أي تكون النسبة بينهم مشاع، يقول له: «اعمل بهذه السيارة وما ربحت فبيني وبينك بالثلث»، ويتفقان على أن مثل بنزين كل يوم تكون للسيارة كذا كذا بنزين، وما تحتاج إليه السيارة من إصلاحات يتفقان عليه، والربح بينهما يكون مشاعًا، هذا كذلك لا بأس. بل وقد ذكر جماعة من علماء رحمهم الله تعالى -وكما يقال الشيء بالشيء يذكر- أن من كان عنده مثلا دابّة فدفعها إلى شخص معين على أن يعمل فيها بأجرة معينة، بأجرة معينة، مثلا يقول له: «في اليوم أريد منك مثلا مئة درهم»، فيقول: «نعم»، فيعمل فيها بالمعروف، قالوا: «هذا لا بأس به، ويكون من باب الإجارة»، كما أن الأرض يجوز أن يستأجرها صاحبها، كيف يستأجرها؟ رجل عنده أرض فيدفعها إلى رجل آخر فيقول له: «خذ هذه الأرض وكل سنة أريد مثلا ألف درهم»، كل سنة أريد ألف درهم، هل يجوز هذا أم لا؟ هذا يجوز، سمى مؤاجرة. فكذلك لو دفع إليه مثلا دابته وقال له: «كل يوم في كل يوم أريد مئة درهم»، أو كانت عنده سيارة دفعها إليه وقال له: «أريد في كل يوم مثلا ألف ريال»، فهذا لا بأس به، وتسمى عقود إجارة. على الصحيح الجواز، وإلا قد ذهب بعض أهل العلم إلى المانع، لكن الأظهر والله أعلى وأعلم الجواز؛ لما تقدم أنها شبيهة كذلك بالمؤاجرة، كما أن الصورة الأولى شبيهة بالمساقاة والمزارعة، الصورة الثانية شبيهة بالمؤاجرة، وكلها مشروعة، ويدل عليها حديث رافع بن خديج عند مسلم. رحم الله الجميع، رضي الله عن صحابة رسول الله، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على