كتاب البيع 18

الدرس في كتاب البيع 18، ألقاها

تعريف إحياء الموات وأحكامه

إحياء الموات هو إحياء أرض ليست مملوكة لأحد أو مختصة بمعصوم، ويكون بزراعتها أو السكن فيها أو جعلها محمية أو حضيرة. من أحيا أرضًا ميتة فهي له، ولإحياء الموات أحكام مبنية على الأحاديث النبوية والعرف.

أحكام إحياء الموات والجعالة وضوابطها

يتناول أحكام إحياء الأراضي الموات، مشيرًا إلى شروط ملكيتها وتصرفات الإمام فيها، ثم ينتقل إلى تعريف الجعالة وشروطها وضوابطها الفقهية. الجعالة هي عقد بين شخصين، أحدهما يجعل للآخر مالًا مقابل عمل معين.

تفاصيل الجعالة ووجوب رد الضالة

يشترط في الجعالة أن يكون الجعل غير مقبوض في اليد عند وضعه، وأن يكون العمل المطلوب غير معلوم أو غير موجود عند الجاعل. يجب على من وجد ضالة أو لقطة أن يردها إلى صاحبها إذا كانت تحت يده أو بيده.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له، في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب البيع منه، قال رحمه الله: باب إحياء الموات. إحياء الموات، والموات في اللغة هو ما لا روح له، والمراد به الأرض التي لا قصاص فيها ولا ملك لأحد. وشرعًا عرَّف الفقهاء إحياء الموات بأنه إحياء أرض ليست مختصة ولا مملوكة لمعصوم. هذا معنى إحياء الموات. وصورتها وحقيقتها هو كما ذكر في التعريف، أن يأتي إنسان -والمراد بالإنسان هاهنا المسلم- إلى أرض ليست مختصة بأحد ولا مملوكة لأحد. وما الفرق بين الاختصاص والملك؟ الاختصاص كأن يكون رجل له دار، فما حول داره يكون مختصًا به. والمراد بالملك هو ما يكون مملوكًا لإنسان. والمقصود لو أن إنسانًا أتى على أرض ليست بمختصة لأحد ولا مملوكة لأحد، ليس عليها أثر أحد، أي لا عمل، لا بناء، ولا ما شابه ذلك. بل لو كان عليها بناء مثلًا قديم لأمم قد انقرضت، أو قد عفى عليها الزمن، لا يُدرى منهم، فهو كذلك يتناول هذا المعنى. إحياء الموات هو بأن يحيي ذلك الشخص تلك الأرض بنوع من أنواع الحياة، إما بزراعتها، وإما بالسكن فيها، وإما بجعلها مثلًا محمية، أو جعلها مثلًا حضيرة لأبقاره أو زريبة لأغنامه، إلى غير ذلك. هذا كله يسمى إحياءً لتلك الأرض، إذ أن الأرض بسبب ذلك العمل من ذلك الشخص لا تُسمى مواتًا؛ لأنها حينها تُسمى أرضًا قد أُحييت، أي بعد موتها. والحكم في ذلك أن من أحيا أرضًا ميتة فهي له، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له». وإحياء الأرض الميتة مُرغب فيه شرعًا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له». قال: «ومن زرعها فما يمر عليها من أحد من الدواب أو العوافي فأكل منها إلا وكان له في ذلك أجر»، إلا وكان له في ذلك أجر، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، أي بمعنى أنه إذا زرعها فمر طير فأكل منها، له بذلك أجر. فهذا فيه حث على استحياء الأرض الموات. قال رحمه الله تعالى: «وهي الأرض الداثرة التي لا يعرف لها مالك»، التي لا يعرف لها مالك. أرض قديمة كما ذكر، إما ليس عليها أثر إنسان أصلًا، لا بناء، ولا زرع، ولا شيئًا من ذلك، أو عليها بعض الآثار القديمة المندثرة لأمم قد بادوا، لأمم قد انتهوا، وما شابه ذلك. فهذه أرض موات. فهو يقول رحمه الله تعالى: «وهي الأرض» أي الموات «وهي الأرض الداثرة التي لا يعرف لها مالك». ومفهومه أنها لو كانت داثرة وعُرِف لها مالك، فإنها لا تُسمَّى مواتًا، ولا يحل لأحد أن يبسط عليها أو أن يحييها بشيء من أنواع الإحياء؛ لأنه والأمر كذلك يكون معتدٍ على حق غيره إلا بإذنه. قال رحمه الله تعالى: «فمن أحياها ملكها» لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له». قال: «وإحياؤها عمارتها بما تتهيأ به لما يُراد منها». قال: «كالتحويط عليها»، أي عمل الحيطان عليها. قال: «وسوق الماء إليها»، أي كان يكون يجري بقرب منها نهر فيحفر ويهيأ الطريق لإجراء ماء ذلك النهر إلى تلك الأرض، فإنه يكون بهذه الحال أحياها؛ لأنه يهيئها للزرع. قال: «أو قلع أحجارها وأشجارها المانع من غرسها وزرعها». هذا كذلك من إعمارها وإحيائها. قال: «وإن حفر فيها بئرًا فوصل إلى الماء، ملك حريمه». ملك حريمه، أي حريم ذلك البئر، أي حول ذلك البئر. وقدِّر ذلك الحريم بقوله: «ملك حريمه»، وهو خمسون ذراعًا من كل جانب إن كانت عادية. وحريم البئر البديء خمسة وعشرون ذراعًا. وهذا مبني على حديث رواه الدارقطني رحمه الله تعالى وغيره، والراجح فيه الإرسال، أي أنه مرسل من مراسيل سعيد بن المسيب رضي الله عنه وأرضاه. لكن عمل الفقهاء على ذلك. فالحاصل من هذا والخلاصة من هذا أن إحياء الموات يكون بأشياء، إما كما ذكر بتسويرها، وإما بالبناء فيها، وإما بحفر بئر فيها، أو توصيل ماء جار إليها، أو بتهيئتها لزراعة، أو ما شابه ذلك من الأشياء. لذا قال من قال من العلماء رحمهم الله تعالى: إن المعتبر في إحياء الموات يرجع في ذلك إلى العرف. فكل ما تعارف عليه الناس بأنه إحياء لذلك الموات، فإنه يكون إحياء؛ لأن الأعراف تختلف. يعني لو أن إنسانًا مثلًا عند قوم، ما كانوا إذا وضعوا مثلًا الحطب أو الأشجار في مكان، تعارفوا على أن هذا المكان لفولان، أو وضعوا مثلًا أحجارًا بعلامات معلومة، أو صفًا معلومًا في تلك الأرض بغرض بنائها فيما بعد، هذا كذلك إذا تعارف ناس على هذا الأمر، يكون بذلك أحيا تلك الأرض، أي بدأ بإحيائها، وضع يده عليها ليهيئها للإحياء، فيكون هو المقدم والمختص بها، هو المقدم على غيره فيها والمختص بها؛ لأنه سبق إلى إحيائها. فالمقصود بالإحياء كما سمعتم: كل ما عده الناس عادة إحياء، سواء كان بعمل سور على تلك الأرض، أو بإجراء ماء، أو بحفر بئر، أو بغير ذلك من الأمور التي تعارف عليها الناس. وإحياء الموات كما ذكر رحمه الله تعالى له أحكام. أولى هذه الأحكام أن الأرض لا يصح ولا يصدق عليها بأنها موات إلا إذا لم تكن ملكًا لأحد ولا مختصة بأحد. الأمر الثاني أنها إذا كانت مختصة، فالعبرة بأن تكون لمعصوم، بمعنى أنه إذا كانت في يدي غير معصوم، فإنها كذلك تدخل في الموات. والمعصوم كما يقول فقهاء رحمهم الله تعالى أربعة: المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن. هذا يسمى معصومًا. وما لم يكن كذلك فليس بمعصوم. ومن ليس بمعصوم فإنه إذا كان حربيًا وهو ليس بمعصوم، فإنه حلال الدم والمال والعرض. فإذا بسط مسلم على أرض كافر حربي، فإنه لا ملك له؛ لأن الأرض لله ولعباد الله الصالحين. إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. وكما جاءت الأحاديث في ذلك أن الأرض لله، وأن الله جل وعلا اختص بها أهل الإيمان، فهم المستحقون، هم المستحقون لما فيها. فالحاصل أن المعتبر بأن لا تكون ملكًا ولا مختصة بمعصوم. الأمر الثالث أن الأرض إذا حماها الإمام لمصلحة المسلمين، فهي أرض محمية للمسلمين. كان يكون الإمام احتاجها مثلًا في مصالح المسلمين، كأن تكون عندهم مثلًا خيل أو إبل يهيئها للجهاد في سبيل الله جل وعلا، وليس معهم مكان، فلا بأس أن يحمي مكانًا من الأرض الموات، تكون هذه أو تلك الأرض لمصالح المسلمين العامة. وكذلك كما ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أن الإمام إذا اقتطع لمسلم أرضًا، فهي له. لما رواه أبو داود وغيره من حديث وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتطع له أرضًا بحضرموت. فهذا من هذا، يعني لو أن الحاكم الإمام اقتطع أرضًا لشخص، قال: «هذه أرض من هنا إلى هنا بمسافة معينة لفلان» من الموات، فيكون مالكًا لها بهذا الاعتبار. وكذلك من الأحكام أن من أحيا أرضًا ميتة فهي له إن كان مسلمًا. إن كان مسلمًا، أما غير المسلم فليس له ذلك؛ لأن هذا الحكم خاص بالمسلمين خاصة. لما تقدم أنه «من أحيا أرضًا ميتة فهو له»، فإن زرعها فإنه ما يمر بها من دابة ولا طير إلا أجر عليه. والأجر لا يكون إلا لمسلم. وكذلك الأرض لله، وأرض أهل الإسلام لأهل الإسلام، فليس لغيرهم أن يبسط على شيء منها. ليس لغيرهم أن يبسط على شيء منه ولو كان معصومًا. فهذه جملة من الأحكام متعلقة بإحياء الموات. قال رحمه الله تعالى: باب الجعالة. الجعالة كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: الجيم فيها مثلثة. يعني أنها مثلثة الحركة، أي بالفتح والضم والكسر. يقال: جعالة، وجعالة، وجعالة. هذه مثلثة الجيم. والجعالة أو الجعالة هو الإعطاء، إعطاء شخص لشخص غير معين لعمل يعمله. وهل يشترط أن يكون غير معين؟ قال العلماء: لا يشترط، بل لو عين إنسانًا في عمل وعين له جعلًا، فإنه يصح في الجعل. إلا أن الجعل حينها يكون مختصًا بمن عين. قال رحمه الله تعالى: «وهو أن يقول من رد علي لقطة أو ضالة أو بنى له هذا الحائط فهو له كذا». فمن فعل ذلك استحق الجعل. يعني يعرفه الفقهاء رحمهم الله تعالى: يعرفون الجعل بأنه التزام مكلف بحق لمن عمل له عملًا، التزام مكلف بحق مقابل عمل يطلبه من ذلك العامل، سواء عينه أو لم يعينه. فمعنى التزام: أن يقول إنسان: «من يأتيني بجمل الشارب فله مئة درهم»، «من يأتيني بسيارة مسروقة مثلًا فله ألف درهم». هذا كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: يسمى جعلًا. والفقهاء رحمهم الله تعالى اشترطوا في الجعل شروطًا، منها ما هي متفق عليها، ومنها ما هي مختلف فيها. فمن المتفق عليه أن يكون الجعل في شيء معلوم، أن يكون الجعل في شيء ماذا معلوم، لا يكون في شيء مجهول. ««من يأتيني بالحاجة التي أريدها فله كذا وكذا»، هل يصح مثل هذا الجعل؟ ما يصح؛ لأنه مجهول. أو يكون في شيء لا يستطاع إليه: «من يذهب وسط البحر فيأخذ مثلًا قطعة حديد»، يقول: «من يأتي بها فله ألف درهم». واضحة، جماعة، فهذا لا يكون. فالحاصل أنه يكون في الشيء المعلوم المستطاع، وفي الشيء المعلوم المستطاع. وأن يكون المقابل معلومًا، أن يكون المقابل معلومًا. وهل يشترط أن يكون الزمن معلومًا أو لا؟ اشترط بعض الفقهاء أن لا يكون الزمن معلومًا. اشترط بعض الفقهاء أن لا يكون الزمن معلومًا. ومعنى هذا أنهم جعلوا الأمر: أن يقول ذلك الجاعل مثلًا: «من يرد علي بعيري فله كذا»، لا يقول مثلًا: «خلال أسبوع»، «خلال ثلاثة أيام». قالوا: لماذا؟ قالوا: لأنه إذا حدده بوقت، فربما رجل يتتبع البعير خلال هذه الفترة، فمن يستطيع أن يدركه؟ وإذا أدركه مثلًا يكون مثلًا أدركه في آخر يوم، إذا رجع لا يكفيه البوصول بذلك البعير. لماذا؟ مثلًا قال لهم: «من يأتيني ببعيري خلال ثلاثة أيام فله ألف درهم». الرجل راح يبحث، وجد البعير بعد أو في اليوم الثالث، مسافة ثلاثة أيام مثلًا، أو يوم أو يومين، ما سيرجع إلى من جعل له الجعل إلا وقد ماذا انتهت المدة؟ فهل سيقول له ماذا؟ ليس لك حق. قالوا: لا؛ لأن في ذلك ظلم. ورد بعضهم، قالوا: يجوز، لكن بشرط. قالوا: كأن يكون يحتاج إلى بعيره في سفر في ذلك الوقت، يعني كأن يكون رجل مثلًا يريد أن يحج، تأخر إلى مدة لا تسع إلا إلى الحاج، فيقول: «من أتى ببعيري إلى قبل كذا وكذا، إلى يوم كذا وكذا فله كذا وكذا». لماذا اشترط هذا الشرط؟ حثًا لهم على الإسراع. وكذلك أنه إذا تأخر عن هذه المدة، فإنه لا يحتاج إلى بعيره، لا يحتاج إلى بعيره باعتبار ماذا؟ أنه سيبحث عنهم بهدوء وراحة، فلا يحتاج إلى دفع مقابل، ولا إلى جعل. قالوا: فإذا كان لأجل هذا المعنى، فلا بأس. كذلك قالوا: أن رجلًا مثلًا حاضرة الجمعة، أو قارب وقت الجمعة، وليس عنده ثوب للجمعة، فقال لجماعة من خياطين: «من يصنع لي ثوبًا قبل الجمعة وله مئة درهم». هذا وقت محدود أم لا؟ لكن هل هو لغرض أم لا؟ الجواب: نعم. قالوا: فله ذلك. فله ذلك إذا كان التقييد بوقت لغرض، لمصلحة لا يتحقق ذلك العمل، أو لا تتحقق تلك المصلحة إلا بماذا؟ إلا بذلك التوقيت. قالوا: إذا كان كذلك فلا بأس. إذا كان كذلك فلا بأس. أيضًا مما ذكر في مسائل الجعالة: أنه لا بأس أن يعين، لا بأس أن يعين. كان يقول: «يا زيد، إن تصنع لي ثوبًا أعطيتك ألفًا»، «يا فلان، إن تأتيني ببعيري أعطيتك ألفًا». لا بأس. وفي هذه الحالة يقول فقهاء رحمهم الله تعالى: أنه إذا عين شخصًا، فإن الجعل لا تعم غيره، ولا يستحقها غيره. بمعنى: لو أن غير ذلك المعين ذهب فوجد البعير فأتى به، فقال: «أعطي الجعل»، يقال له: «لا حق لك»، «ولا شرط لك»، «ولا عقد بيني وبينك». بخلاف ما إذا أتى به من عينه، فإنه يكون ملزما بإعطائه ذلك الجعل، بإعطائه ماذا؟ ذلك الجعل. ومما ذكره الفقهاء أيضًا: أن الجعل لابد أن يكون عند وضعه، أي عند إبرام العقد فيه، أن يكون غير مقبوض في اليد لمن جعل له. يعني لو أن مثلًا البعير عند رجل حبسه، يقول: «أنا ما سأعطيه حتى أسمع»، سيجعل جعلًا، ومتى وضع الجعل أنا أستحق ذلك الجعل. فقال الرجل مثلًا: «من وجد بعيري فله ألف درهم». جاء الرجل، قال: «هذا بعيرك». هل يستحق الألف الدرهم؟ الجواب: لا يستحقها؛ لماذا؟ لأن البعير في هذه الحالة كان في يده لقطة معلومة لشخص معين، وجب عليه ردها؛ إذ علم بصاحبها، إذ علم بصاحب ذلك البعير. أو ترك اللقطة. فالحاصل أنه يجب في الجعالة أو الجعالة أن يكون الشيء غير موجود، أو مقبوض في اليد عند ذلك الجعل؛ لماذا؟ لأن صاحبه يضعه لماذا؟ لشيء لا يعلم. يقول: «أين بعيري؟ من سيأتي ببعيري؟» أما إذا علم بأن البعير في يده فلان، فالواجب على ذلك الذي وجد ذلك البعير أن يرده لصاحبه من غير مقابل. هذا هو الواجب. لكن من باب الإحسان يعطيه شيئًا، لا من باب الوجوب، من باب الإحسان يعطيه شيئًا، لا من باب الوجوب. قال رحمه الله تعالى: «باب الجعالة، وهي أن يقول: من رد علي لقطتي»، أي شيء ضاع عليه. فيقول: «من رد علي لقطتي»، أي من وجد لقطتي. مثلًا دراهم من ذهب، أو مثلًا شاه ضاعت عليه، أو ما شابه ذلك. قال: «أو ضالة»، الضالة هي في أشياء ونحوها، أو كذلك بعير، أو ما شابه ذلك. قال: «أو بنى لي هذا الحائط». كذلك يدخل في الجعل كما ذكر: أن يقول: «من يبني لي هذا الحائط وله كذا وكذا». قال: «فمن فعل ذلك استحق الجعل»؛ لأن قوله «من» ما عين المتعاقد. فإذا قال إنسان: «أنا أفعله»، «أنا آتي به»، «أنا كذا»، يقول له: «انطلق». فإذا فعل وعمل ما اتفقا عليه، استحق ذلك الجعل. قال: «فمن فعل ذلك استحق الجعل» لما روى أبو سعيد رضي الله عنه أن قومًا لدغ رجل منهم، فأتوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: «هل فيكم من راق؟» فقالوا: «لا» حتى يجعلوا لنا شيئًا. والصحابة رضي الله عنهم وارضاهم إنما قالوا هذا؛ لأن في الحديث قصة اختصرها الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى، فلم يذكر القصة، وإنما ذكر موطن الشاهد. والقصة أن هؤلاء الصحابة، وفيهم أبو سعيد الخدري رضي الله عنهم وارضاهم، مروا بهؤلاء القوم، فاستقرؤوهم، أي طالبوا منهم الإقراء، أي الضيافة. وهذه عادة العرب أن الطائفة إذا مر إنسان أو بعض الناس بأهل بلد، أنهم يضيفوهم. هذه هي عادة العرب. فاستقرؤوهم، فأبوا أن يقرؤوهم، أي أن يضيفوهم، فانطلقوا فمكثوا فيما كان. فإذا برجل أو بجماعة يقول لهم: «هل منكم من راق؟» لماذا؟ قالوا: لأن سيدنا، أي سيدة تلك القبيلة، وكبيرها لدغ. فقال رجل -وفي بعض الروايات أن القائل هو أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه-: «نعم، لكن لا نرقيكم أو لا نرقي حتى تجعلوا لنا جعلًا»، أي حتى تجعلوا لنا أو قالوا: «حتى تجعلوا لنا شيئًا»، أي جعلًا. فقال: «فجعلوا لهم قطيعًا من الغنم». هذا جعل، هذا هو الجعل مقابل ماذا؟ مقابل الرقية. فهذا دليل الجعل. قال: «فجعل رجل منهم يقرأ بفاتحة الكتاب ويرقي وينفث ويدفف حتى برأ». حتى برأ، فأخذوا الغنم، وسألوا عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، أي عن ذلك الحكم. ما حكم الجعالة مقابل القراءة، أو مقابل الرقية على تلك الهيئة وتلك الصورة؟ فقال: «وما يدريكم أنها رقية؟ خذوا واضربوا لي معكم بسهم». ففي دلالة على ماذا؟ على إقرارهم بذلك، بل من أجل أن تطيب أنفسهم. قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «واضربوا لي بسهم»، أي أن تلك الجعالة التي أخذتموها حلال طيبة، واضربوا لي معكم منها بسهم. قال رحمه الله تعالى: «ولو التقط اللقط قبل أن يبلغه الجعل لم يستحقه». لم يستحقه لما تقدم؛ لأن الواجب في حقه ماذا؟ أنه إذا قبض اللقط أو مسك الضال، بعيرًا كان أو شاة أو بقرة أو أي شيء، عبدًا آبق، الواجب عليه ماذا؟ إرجاعه إلى مالكه. هذا هو الواجب. فلو أنه قبض على تلك اللقط أو تلك الضالة قبل الجعالة، ثم قال صاحب الجعالة: «من وجد لقطة أو ضالة فله كذا وكذا». فقال: «أنا»، فإنه لا يستحقها؛ لما تقدم أن اللقط أو الضالة يجب على من قبضها، وكانت تحت يده أو بيده، أن يردها إلى مالكها. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على