كتاب البيع 8

الدرس في كتاب البيع 8، ألقاها

أنواع الخيار في البيع وتفاصيل خيار العيب

يشرح هذا الفصل أنواع الخيار في البيع وهي خيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب، مع التركيز على خيار العيب وأحكامه مثل أخذ الأرش عند تلف السلعة. يتناول أيضًا حديث النبي حول خيار العيب في الإبل والغنم المصرورة.

التدليس في البيع وبيع المرابحة

يتناول هذا الفصل موضوع التدليس في البيع وأمثلة عليه مثل بيع سلع معيبة، ثم يشرح بيع المرابحة وكيفية حساب الربح والتعامل مع الأخطاء في الثمن الأصلي للسلعة.

مسائل الخيار في البيع والشراء وأحكامها

يتناول هذا الفصل مسائل الخيار في البيع والشراء مثل حالة زيادة الثمن أو الغلط في الثمن، واختلاف البائع والمشتري في قدر الثمن، ويشرح الأحكام الشرعية في هذه الحالات.

ختام بالصلاة على النبي

يمثل هذا الختام توجيهًا دينيًا شائعًا في نهاية النصوص الدينية، حيث يتضمن الدعاء بالصلاة والسلام والبركة على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له، في كتابه «عمدة الفقه» في كتاب البيع منه، قال في باب الخيار: وقد مضى معنا الكلام على أنواع الخيار. فعند من الجواب على هذا السؤال: كم أنواع الخيار التي مرت معنا؟ نعم، خيار المجلس أولها، خيار المجلس ضابطه أو صورته -يعني أن يجتمع البايع والمشتري، وما دام مجتمعين فإن لأحدهما الخيار- ما مع الخيار؟ أي أن يختار إمضاء البيع أو عدم إمضاء البيع. فخيار المجلس ما دام في المجلس، هذا النوع الأول من أنواع الخيار. النوع الثاني: نعم، خيار الشرط، صورته: أن يشترط أحدهما أو كلاهما في البيع -أي أن ينظر في البيع، وأن له خيار الرد- ويشترط في خيار الشرط أن يكون في ماذا؟ عند من؟ يشترط في خيار الشرط: نعم، أن يكون في مدة معلومة، لا ضرر فيها على أحدهما. طيب النوع الثالث: نعم، خيار العيب، خيار العيب صورته: إذا كان في السلعة عيب، فله خيار الرد أو الإمساك مع أخذ الأرش -أرش العيب. من صور أيضًا من الصور التي ذكرها الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى هنا، وهي داخل في خيار العيب، ذكر رحمه الله تعالى هنا مسائل، وهي من المسائل التي نحتاجها، وهي من المسائل المهمة. فقال رحمه الله: «وإن تلفت السلعة أو أعتق العبد أو تعذر رده، فله أرش العيب». هذه من صور خيار العيب. لو أن إنسانًا اشترى سلعة معيبة، وقبل أن يعلم بالعيب -مثلًا تلفت عليه- أو أنه اشترى عبدًا فأعتقه، أو أنه أهداه لإنسان، أو تعذر رده، فماذا يصنع؟ مثاله: نجعلها صورة حاضرة عندنا، لو أن رجلًا اشترى سيارة من رجل بمليون ريال يمني، أخذ السيارة فتصدق بها -مثلًا- على رجل آخر، أو أهداها لرجل آخر، الرجل الآخر نظر في السيارة فعلم أن فيها عيبًا، فكلم صاحبه، قال: «جزاك الله خير، السيارة طيبة لكن معيبة، هل تعلم بالعيب؟» قال له: «ما أعلم الآن، الصدقة مضت، وصارت السيارة ملك لمن؟» للمتصدق عليه أو للمهدى له. فالآن ماذا يصنع المشتري للسيارة؟ قال العلماء رحمهم الله تعالى: يرجع على البائع بماذا؟ بالأرش، يرجع على البائع بالأرش، لماذا؟ لأنه لا يستطيع إرجاع السلعة؛ لأنها صارت ملكًا لغيره، أو أنها تلفت، فله الرجوع بأخذ الأرش -الرجوع على البائع بأخذ الأرش، أي الفارق بين كونها سليمة وبين كونها معيبة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصر الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك، فهو بخير النظرين، بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر». والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. والحاصل أنه -كما ذكر رحمه الله تعالى- أنه اشترى شاة، أو باقرة، أو إبلًا، وكانت مصرورة -ما معنى مصرورة؟ أي حبس لبنها، جمع لبنها في ضرعها- فلو أن إنسان اشترى من إنسان شاة أو باقرة أو إبلًا مصرّة، بعد أن أخذها فحلبها، فعلم أنها مصرّة -يعني ما معيضًا -كما سمعتم- حبس اللبن في الضرع، فماذا يصنع؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فهو بالخيار بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر». طيب، أولًا: إن رضيها -أي وإن كانت كذلك، أنا لا أريد مجرد اللبن، أريدها -مثلًا- معروفة أنها كثيرة الولد، سأل عنها، قال: «هذه معروفة كثيرة الولد، ولكن قليلة اللبن»، يقول: «يكفيني هذا». أو أنه اشتراها للحم، فيقول: «الأمر سهل، الأمر سهل». فهو بالخيار: إما أن يردها، وإما أن يمسكها. طيب، إن ردها، هذا لا يخلو من حالين: إما أن يردها قبل أن يحلبها، وإما أن يردها بعد أن يحلبها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يردها وصاعًا من تمر». قال العلماء رحمهم الله تعالى: «صاع من تمر، أي مقابل ذلك اللبن الذي حلبه». وقد يقول قائل: «التمر قد يكون أكثر من اللبن، والعكس اللبن قد يكون أكثر من التمر»، فلماذا؟ قال العلماء رحمهم الله تعالى: «بأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بهذا الحكم؛ ليقطع النزاع؛ لأن المسلم إذا قال له: لا، لبن كثير، أخذ صاع التمر، لا شيء مقابل لبن، سيقول له: ماذا؟ هذا حكم النبي، الآخر سيقول: «ما أخرجت إلا لبنًا قليلًا، التمر كثير، صاع»، فيقال له: «ماذا؟ هذا حكم النبي صلى الله عليه وسلم»، فيكون في قطع للنزاعات». إذن هذا الحديث يعد أصلًا في باب خيار العيب. قال رحمه الله تعالى: «فأما إن علم تصريتها قبل حلبها -كيف علم ذلك؟ كما تقدم، كان يخبره عدول بأنها مصراح- قال: ردها ولا شيء معها، أي ليس عليه صاع من تمر، ولا شيء؛ لأنه ما أخذ شيئًا من لبنها». «وكذلك كل مدلس لم يعلم تدليسه -وهذا بعضهم يسميه خيار التدليس، وبعضهم يدرجه في خيار العيب- التدليس مثل: كجارية حمر وجهها -أي عمل في وجهها شيء من الإحمراء حتى تظهر بأنها جميلة، وهي ليست كذلك- أو سود شعرها -يكون شعرها أبيض، فيعمل له صبغة سوداء حتى تظهر بأنها شابة صغيرة- أو جعدهم -أظهر أنهم كانوا يحبون تجعيد الشعر- أو رحًا ضم الماء وأرسله عليها عند عرضها على المشتري -حتى تظهر بأنها جديدة- وكذلك -يعني ويدخل فيه كذلك- يدخل في هذه المعاني -يعني في أمورنا المعاصرة الحديثة- أن يأتي إنسان بمثلًا شيء من الكهربائيات -غسالة، ثلاجة، أو ما شابه ذلك- يعمل عليها ختم شركة عالمية مشهورة، وإنما هي تبع لشركة ضعيفة. هذا تدليس، وهذا فيه خيار العيب، بعد أن يعلم العيب، وبعد أن يقف على التدليس، له الخيار: إما أن يمسك، وإما أن يرد، إما أن يمسك ويأخذ الأرش -الفارق- وإما أن يردها، فهو بالخيار. ويدخل فيه كذلك أيضًا: أن يبيع رجل لرجل بيتًا قديمًا، لكن يعمل له ترميمات، يعمل له ترميمات بحيث يظهر للمشتري أنه جديد، وهو إنما قديم. كذلك سيارة يظهرها بأنها حديثة -يعني في هذه الأيام كذلك- أصحاب السيارات اللي عندنا في البيع والشراء، أشياء عجيبة وغرائب، منها مثلًا: بعضهم -تعرفون العداد حق السيارة، السيارة لها عدادات، المشتري غالبًا ينظر إلى العداد، يكون مشاها مائتي، ثلاثمائة، بعضهم يصفرها، يجعلها صفر، ثم يمشي بها، تكون مشاها ثلاثة آلاف، أربع آلاف، خمسين ألفًا، ثلاثين ألفًا- هذا يعد كذلك من التدليس، وصوره كثيرة ومتنوعة. قال: «وكذلك لو وصف المبيع بصفة يزيد بها في ثمنه، فلم يجدها فيه -قال: كصناعة في العبد، أو كتابة، أو أن الدابة هملاجة، والفهد صيود، أو معلم، أو أن الطير مصوت، ونحو ذلك». هذه كذلك من مسائل التدليس والعيب: أن يصف البائع سلعته بشيء ليس فيها، إغراءً للمشتري -مثل أن يقول في العبد: «هذا العبد كاتب، وخطه من أجمل خطوط»، ويقول: «ليس بكاتب». أو يكون كاتبًا، ولكن خطه رديء. أو يقول: «إن هذه الدابة هملاجة -أي أنها جيدة، مريحة في السير، إذا سارت في الطريق- وهي ليس كذلك، تكون صعبة، مزعجة، نافرة، منفرة». أو يقول: «والفهد صيود، أو معلم -عند الفهد يقول: هذا صيود، أي أنه صياد ماهر، وليس كذلك- أو أنه معلم، وليس بمعلم». أو يقول: «إن الطير مصوت -أي له صوت جميل، له صوت جميل، وليس كذلك- ونحو هذا». هذا كذلك يعد من التدليس في البيع، فيأخذ كذلك حكمه -أي حكم ما تقدم ذكره- من أن المشتري بالخيار. ومنه كذلك اليوم: أن يأتي إنسان -مثلًا- إلى صاحب سلعة معينة، فيصفها بما ليس فيها، أو يزيد في وصفها. يعني بعض -يمكن نحن مجربين في اليمن- عندنا مع كثرة طفي الكهرباء، الناس أكثر ما يشترون المواطير، يقول: «هذا ثلاثة كيلو، هذا يحمل ثلاثة كيلو، وهذا يحمل خمسة كيلو» -كيلوات- لكن كم حقيقة ما يحمل؟ أصحاب الخبرة يقولون: «إذا أخذت الصين، فخذ النصف، ودع النصف» -واضحة- يعني أخذت أصحاب ثلاثة كيلو، يقول: «اشتغل بكيلو ونصف، لا تزيد»، لماذا؟ «لأن قوته إذا زدت على ذلك سيذهب، سيتلف». فهذا في الحقيقة في كذلك هذا المعنى: أن وصفه بما ليس فيه. لكن الناس صاروا -كما يقال- صار العرف معروفًا عند هذا، فهذا الوصف -هذا الوصف- كما يقال: قد يقال بأن العرف -يعني الشرط العرفي- كالشرط اللفظي؛ لما تعرف الناس أن الثلاثة كيلو يأخذ -مثلًا- يحمل كيلو ونصف، اثنين كيلو بزيادة، صار الناس معروفًا، يقول: «خذ ثلاثة كيلو، وشغل فيه كم؟ كيلو ونصف، اثنين كيلو بزيادة». فهذا قد يكون خاصًا عندنا؛ لأن الصناعة تختلف، حسب ما هو معلوم -يعني صناعة صينية، وارد أمريكا -مثلًا- أو أوروبا، في غاية من القوة، بل ووارد الخليج، أما وارد اليمن دونها. فأشهد من هذا أن التجار عندنا في اليمن صار هذا معروفًا عند الناس، فليس فيه -فيما يضل غش- لكن باعتبار ما يسجلون، قد يكون من هذا الباب، يقول: «ثلاثة كيلو، يتحمل ثلاثة كيلو، أو خمسة كيلو»، لكن لما تعرف الناس، وصار عرفًا مشهورًا، فيقال: «لما صار عرفًا مشهورًا، صار معلومًا، فليس فيه تدليس» -والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: «ولو أخبره بثمن المبيع، فزاد عليه، رجع عليه بالزيادة، وحظها من الربح، إن كان مرابحة». هذه مسألة: أولًا ما هو بيع المرابحة؟ بيع المرابحة: أن يشتري، أو أن يأتي المشتري إلى البائع، فيقول البائع: «أنا اشتريت هذه السلعة -مثلًا- بألف ريال، كم تزيدني؟ كم تربحني؟» -واضحة- يسمى بيع مرابحة، لماذا؟ مرابحة؛ لأنه قد أخبره بسعر ماذا؟ بثمنها، بكم اشتراها، ويطلب منه الربح. فيقول له: «أنا أرضى بربح -مثلًا- خمسة بالمئة، أنا أرضى بربح خمسة بالمئة، اشتريتها بألف، كم خمسة بالمئة؟ هيا». خمس الألف كم؟ سيكون مائتين، واضح. فيقول: «أنا أرضى بخمسها»، الرجل يشتري السلعة، ثم يظهر بعد ذلك أن الرجل مشتريها بهذا السلعة، وإنما اشتراها بكم؟ بثمانمئة -مثلًا- فماذا يصنع؟ يقول إمام ابن قدامة رحمه الله: «ولو أخبره بثمن المبيع -قال: فزاد عليه- قال: رجع عليه بالزيادة، وحظها من الربح، إن كان مرابحة». ما معنى هذا؟ يعني يرجع إليه، يقول: «يا أخي، أنت قلت لي: اشتريتها بألف، وفي الحقيقة أنت اشتريتها بثمانمئة، وهذا من اشتريت منه، يقول: بأنك اشتريت منه بثمانمئة»، فيقول: «نعم، ولكن...» فماذا يصنعون؟ الجواب: أن السلعة تكون قيمتها كم؟ ثمانمئة، ويكون الزيادة خمسة بالمئة من ثمانمئة -لمن الألف؟ واضح- يعني أول شيء ماذا يعمل؟ الألف، يقول له: «خذ مئتين» -واضح- هذا من قيمة شرائها، ثم يقول له: «كم خمس الثمانمئة؟» -يا جماعة- يعني تقريبًا مئة وخمسة وسبعين، إن شاء الله، مئة وخمسة وسبعين. طيب، يعني مئة وخمسة وسبعين، كم ستبقى له من المئتين السابقتين؟ خمسة وعشرون ريالًا يردها -واضح- يعني لو جعلنا حتى نحسبها تمامًا، ما يقال: أخطأنا. قال: «ولو أخبره بثمن المبيع -مثل ما قلنا- كأنه يقول: اشتريتها بألف، وأريد منك ربحًا خمسة بالمئة، سيكون كم؟ المجموع ألف ومئتين». قال: «فزاد عليه -أي ظهر أنه زاد عليه- يقول: رجع عليه بالزيادة، وحظها من الربح» -واضح- بالزيادة، أي يرد له المئتين من الألف الزائدة، ومن الربح الذي هو الخمس، أعطاه مئتين، فيرد عليه أربعين، فيكون المجموع الباقي كم؟ بتسعمئة وستين ريالًا. قال: «وإن بان أنه غلط على نفسه -هذه صورة أخرى عكس الأولى- الأولى زاد متعمدًا، الثاني غلط». قال له: «اشتريتها بثمانمئة»، وهو إنما اشتراها بألف، قال له: «اشتريتها بثمانمئة، وأريد منها ربح خمسة بالمئة»، فقال له: «طيب، هذه تسعمئة وستون ريالًا»، ثم نظر، وراجع نفسه، قال: «لا، نظر في الأوراق -مثلًا- قال له: هل اشتريتها بألف؟ ما هو بثمانمئة، بألف». فماذا يصنعان؟ يقول ابن قدامة رحمه الله تعالى: «وإن بان أنه غلط على نفسه، خير المشتري بين رده، وإعطائه ما غلط به -بين رده، وإعطائه ما غلط به» -واضحة- يقال للمشتري: «يا مشتري، إما أن ترد البيع، وتأخذ الثمن -ثمنك، مالك- وإما أن تشتريها مع إضافة المغلوط فيه» -يعني قيمتها ألف، وربحها خمسة بالمئة، سيكون مجموع كم؟ ألف ومئتين- «أنت بالخيار: إما أن تأخذ مالك، وإما أن تكمل ما عليك» -واضح- فيختار هذا أم هذا، وتتم البيعة، أو تلغى البيعة. قال رحمه الله تعالى: «وإن بان أنه مؤجل، ولم يخبره بتأجيله، فله الخيار بين رده وإمساكه». وهذه الصورة كذلك لا تخل من حالين -يعني أولًا نتصور هذه المسألة- يقول: «وإن بان أنه مؤجل -مثلًا- قال له: هذه السلعة بألف ريال، وأريد منها ربحًا -مثلًا- خمسة بالمئة، قاله: نعم، أعطاه- ثم ظهر له أنها بألف ريال مؤجل، آجل، ليس حالًا- وتعرفون الفرق بين ماذا؟ بين السعر العاجل والسعر الآجل، قد يكون سعرها عاجلًا بتسعمائة، أو ثمانمائة، وآجلًا بكم؟ بألف ريال -واضح- يقول: أن لو حصل هذا، فبان أنه صادق، أنه شراها بألف، ولكنها آجل، فماذا يصنع؟ قال: «وإن بان أنه مؤجل، ولم يخبرهم بتأجيله، قال: فله الخيار بين رده وإمساكه -بين أن يرد، وبين أن يمسك» -واضح- هذه الصورة الأولى: أن المشتري له أن يرده، يقول له: «يا أخي، أنت اشتريته آجلًا بهذا السعر، وإنما هو عاجل سعره بتسعمائة ريال -مثلًا- أو ثمانمائة ريال -مثلًا- فهو بالخيار بين أن يرده، وبين أن يمسكه». ثم إمساكه كذلك لا يخلو من حالين: إما أن يمسكه بالسعر الأول -واضح- أو أن يمسكه بعقد جديد، بسعر العاجل، إن رضي -إن رضي البائع- إن رضي البائع. والحالة الثانية: أن يبيعه على أنه اشتراه بألف، لكن يبيعه كذلك آجلًا -واضح- المشتري يشتريه آجلًا، والبائع أيضًا اشتراه آجلًا، بألف -واضح- الصورة، نعيد: يعني البائع اشترى -مثلًا- هذه السلعة بألف ريال آجلًا، فيقول للمشتري: «تشتريها مني بألف ريال، وتربحني منها -مثلًا- خمسة بالمئة، آجلًا إلى بعد -مثلًا- شهر، أو شهرين، على ما يتفقان عليه» -واضح- آجل بآجل -واضح- فهل له أم لا؟ كذلك يعود فيها المسألة نفسها: إن علم صحة، وإن ما علم يعود إلى ماذا؟ إن ما علم -أي أنه أيضًا اشتراها آجلًا بهذا السعر- فهو بالخيار بين الإمساك وبين الرد؛ لأن قوله: «اشتريت وبكذا»، فيها إغراء -واضح- فيها إغراء بأنه اشتراها عاجلًا بهذا السعر، فهو بعد أن يعرف بأنها آجل، أي المشتري هو بالخيار بين الإمساك وبين الرد. قال: «وإن اختلف البيعان في قدر الثمن، تحالفا، ولكل واحد منهما الفسخ، إلا أن يرضى بما قال صاحبه». هذه المسألة الأخيرة من مسائل الخيار، وهي: إن اختلف البيعان في قدر الثمن -يعني المشتري يقول: «أنت قلت لي: قيمته قيمة هذه السلعة ألف ريال»، والبائع يقول: «أنت قلت لي: سأشتريها بألف ومئة ريال» -واضح- فالآن كل منهما مدعي على الآخر، كل منهما مدعي على الآخر، البائع يقول للمشتري: «أنت قلت لي: سأشتريها بألف ومئة ريال»، والمشتري يقول: «بل أنت قلت لي: ستبيعها بألف ريال». الآن كلاهما ماذا؟ مدعيان، وكلاهما منكر قول صاحبه، وأكيد ليس معهما بينة -أما إذا معهما بينة، الأمر واضح- لكن الكلام أنه ليس معهما بينة، فما الحكم هاهنا؟ واضح. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «تحالفا -ما معنى تحالفا؟ أن يحلف كل واحد على إنكار قول صاحبه- تحالفا، ولكل واحد منهما الفسخ -انتهى الأمر- لماذا؟ لأن العبرة في البيع والشراء ماذا؟ بالتراضي، وهل هنا موجود؟ لا. الله جل وعلا قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ واضح، فهذا ما حصل التراضي، فهما بالخيار -ما معنى بالخيار؟ أي إما أن أحدهما يرضى بالقول الآخر، فيقول: «خذها»، وإما أن يتفاسخ. قال: «إلا أن يرضى بما قال صاحبه». طيب إذا ما تفاسخ، ولا رضي أحدهما بقول صاحبه، ما الحكم هاهنا؟ واضح، صورة -يا جماعة- يعني ما قال أحدهما، أو كلاهما، انتهت البيعة، بل كلاهما يقول: «أنا أريد المال، أنا أريد سلعة»، يقول: «لكن بثمن كذا»، والأخر يقول: «لا، بثمن كذا»، ما تفاسخ، ولا رضي أحدهما بقول صاحبه، فما الحل؟ قال العلماء رحمهم الله تعالى: في مثل هذه الحالة، القول قول البائع، لماذا؟ قول البائع؛ لأن الأصل بقاء سلعته تحت قبضته، هذا هو الأصل. ولكن قيل: يتحالف؛ لأن كل واحد منهم مدعي على آخر، ويدل على هذا كذلك ما رواه ابن مسعود -ما جاء في حديث ابن مسعود عند ابن ماجه- بإسناد الحسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اختلف المتبايعان، وليس بينهما بينة، والمبيع قائم بعينه، قال: فالقول ما قال البائع، أو يترادان البيع» -واضح- فالقول قول البائع، أو يترادان البيع -والله أعلم. وصلى الله وسلم وبركة على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على