الدرس في كتاب البيع 24، ألقاها
الإجارة عقد على منفعة مباحة معلومة وتكون على عين معينة أو موصوفة في الذمة أو عمل معلوم، وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.
عقد الإجارة لازم عند اتفاق الطرفين وتفرقهما من مجلس العقد، وينفسخ بتلف العين المؤجرة، ويستمر حتى انتهاء مدته في حالة وفاة أو جنون أحد الطرفين.
ينفسخ عقد الإجارة إذا تلفت العين قبل الانتفاع بها أو انقطع نفعها، ويستحق المستأجر أجرة الفترة التي انتفع فيها بالعين.
تم استعراض بعض المسائل المتعلقة بالإجارة وسيتم تأجيل الباقي إلى درس لاحق، واختتم الدرس بالدعاء والشكر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو محمد موفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له، في كتابه «عمدة الفقه» في كتاب البيع منه، قال رحمه الله تعالى: باب الإجارات، أي مدخل في الكلام على أحكام ومسائل الإجارات. والإجارات جمع إجارة، وهي في اللغة بمعنى المجازاة، يقال: آجره الله على عمله إذا جازاه عليه. وشرعًا هي عقدٌ على منفعة مباحة معلومة من عينٍ معينة أو موصوفة في الذمة، مدةً معلومة أو عملٌ معلوم بعوض. وقولهم -أي قول الفقهاء رحمهم الله تعالى- هي عقدٌ، أي أنه عقدٌ بين طرفين، وذكرتها هنا -أي في كتاب البيع- لما فيها من معنى المعاوضة، ذاك بذراهمة والآخر بما أجره على ذلك المستأجر، فهي عقدٌ على منفعة، وهذا على قول الجمهور أن الإجارة عقدٌ على منفعة، أي إنما يتعلق بالمنفعة دون الرقبة، وحكي فيه الاتفاق، فالإجارة في المنافع لا تكون في الرقاب؛ منافعها إنما تكون في البيع لا في باب الإجارات. وقول الفقهاء رحمهم الله تعالى: على منفعةٍ مباحة، فخرج ما كانت تلك المنفعة محرمة كزينة وآلات اللهو والطرب ونحوها، فإن هذه العقود ليست بصحيحة، والإجارة ليست بصحيحة ولا نافذة؛ لأنها محرمة، ومن شرط الإجارة أن تكون في أمرٍ مباح. وقولهم: معلومة، أي لا مجهولة، بمعنى أن تكون الإجارة في شيءٍ معلوم، لا يكون في شيءٍ مجهولٍ يُؤخذ شيئًا فشيئًا. وذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أن الإجارة على ضربين: الضرب الأول أن تكون من عينٍ معينة، كما ذكر في التعريف من عينٍ معينة، كأن يقول: آجرتك هذا البعير، أو موصوفة في الذمة، كأن يقول له: آجرتك بعيري ومن صفته كذا وكذا. هذا كله في الإجارة، وهو الضرب الأول. الضرب الثاني أن تكون المنفعة من عمل معلوم، كأن يحمل له شيئًا إلى موضعٍ آخر، أو أن يبني له جدارًا، أو أن يُصلِح له مثلًا سيارة، هنا يكون على ماذا؟ على عمل، إجارة على عمل. وفي حالة الأولى والثانية تكون على منفعة العين، وكلُّها تدخل في معنى أو في باب الإجارة، فكلُّها داخل في الإجارة. والإجارة مشروعةٌ بالكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب فقوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، ومن السنة أيضًا أحاديث كثيرة، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر استأجر رجلاً من بني الديل -أي الخريت- الذي أراه الطريق. ونقل الإجماع على ذلك غير واحدٍ من الأئمة كابن المنذر وغيره، رحمهم الله تعالى جميعًا. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى وغفر له: باب الإجارات، وهي عقدٌ على المنافع، وهذا كما سمعتم على قول الجمهور، وحكي اتفاقًا. قال: لازمٌ من الطرفين، لا يملك أحدهما فسخه، فمعنى لازم من الطرفين كما ذكر: لا يملك أحدهما فسخها. ومعنى أولاً كون عقد الإجارة لازم يكون لازمًا إذا حصل بين الطرفين القبول الإيجاب والقبول، أو ما كان أو ما يقوم مقامهما مما تعرف عليه الناس، فإذا حصل ذلك وتفرق من ذلك المجلس ولم يشترط أو أحدهما الخيار، فإن العقد حينها يكون ملزمًا، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، فهذا عقد لازم يجب الوفاء به. وهذا القول كذلك على مذهب الجمهور، خلافًا للحنفية، الحنفية يقولون في الإجارة بأنه عقد غير لازم، وفيه نظر لا يخفى؛ إذ يترتب عليه ما يترتب من مفاسد وخلافات وخصومات إلى غير ذلك، جاءت الشريعة المطهرة بسد هذا الباب، إلى جانب ما تقدم من قول الله جل وعلا: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وهذا أمر ونص، ولم يستثنى منه شيء. وقوله رحمه الله تعالى وغفر الله له: لازم من الطرفين، لا يملك أحدهما فسخها، ولا تنفسخ بموته، أي لا يملك أحد الطرفين أن يفسخ الإجارة إلا برضى الآخر، فالأصل أن الإجارة ملزمة لكل الطرفين، ولا تنفسخ إلا برضى كلا الطرفين، فإن مات أحد الطرفين فإنها كذلك لا تنفسخ، يعني مثاله: لو أن إنسانًا أجر دارًا على إنسان، مات المستأجر، هل تسقط الإجارة؟ الجواب: لا، يعني مثلًا رجل استأجر بيته من رجل لمدة سنة، في أثناء سنة توفي المستأجر، هل تسقط الإجارة؟ الجواب: لا، بل يقوم ورثته مقامه، أي يستكملون السنة. والعكس لو أن المؤجر هو الذي توفي في أثناء سنة، فهل تسقط وتفسد وتنفسخ الإجارة؟ الجواب: لا، بل يقوم ورثته كذلك مقامه، ويستمر العقد حتى تنتهي مدته وينقضي أجله. قال رحمه الله تعالى: ولا تنفسخ بموته ولا جنونه، والقول كذلك في الجنون كالقول في الموت، لو جن أحد الطرفين فإن ورثته يقومون مقامه وأولياؤه يقومون مقامه؛ لأنه عقد لازم. قال رحمه الله تعالى: وتنفسخ -أي الإجارة- بتلف العين المعقود عليها، أي أن الإجارة الأصل فيها أنها ملزمة، إلا أن تتلف العين المعقود عليها، مثلًا يتعاقدان على دار، يؤجر أحدهما للآخر دارًا لمدة عام، فينهدم ذلك الدار، فهل تبقى الإجارة؟ الجواب: لا، لماذا؟ لانتفاء المنفعة؛ لأن الإجارة عقد على ماذا؟ على المنفعة، فإذا انتفت المنفعة سقط معها حكمها؛ لأنها مناط الحكم. والعلماء رحمهم الله تعالى ذكروا أن العين المعقود عليها إذا تلفت لها أحوال ثلاثة، ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن العين المستأجرة إذا فسدت لها أحوال ثلاثة: الحالة الأولى أن تتلف قبل القبض، مثاله: رجل يؤجر من رجل دابة، يؤجر منه حمار ليحمل له أثقال إلى المكان الفلاني، يقول: متى؟ يقول: غدًا إن شاء الله أسلمك الحمار، يأتي في اليوم الثاني يقول: الحمار قد مات، واضحة، هنا تلفت العين المستأجرة، هنا تنفسخ الإجارة بإجماع، لا خلاف بين العلماء في ذلك؛ لأن المستأجر ما قبض العين الذي يريد الانتفاع بها. الحالة الثانية: أن يقبضها فتتلف عقب القبض قبل أن ينتفع بها، أن يقبضها فتتلف تلك العين المستأجرة المراد بها الانتفاع قبل الانتفاع بها، مثال: أن يتعاقد مثلًا ليلًا، يقول له: أجر لي هذه الدابة أو هذه السيارة على أن أحمل عليها غدًا الشيء الفلاني من المكان الفلاني إلى المكان الفلاني، فيتعاقدان، فيقول: غدًا آتي، يقول: خذ هذه السيارة، خليها عندك في البيت، وغدًا أنقل بها ما أردت أن تنقل من أغراضه، أو يقول له: خذ هذه الدابة، وغدًا الصباح اعمل بها ما اتفقنا عليه، فيأخذها إلى بيته، فيصبح الصبح فإذا بها قد تلفت، واضحة، هنا هل العقد -عقد الإجارة- قائم أو ينفسخ؟ الجواب: أنه ينفسخ، لماذا؟ لأن العين تلفت قبل الانتفاع بها؛ لأن المقصد من الإجارة الانتفاع بالمنفعة من العين، لا مجرد قبض تلك العين. وهذا القول عليه عامة العلماء، خلافًا لأبي ثور، وحكم العلماء رحمهم الله تعالى أنه شذ في هذه المسألة، فقال بأن الإجارة قائمة، وقوله كما ذكر بأنه شذ؛ وذلك لأن الإجارة إنما هي عقد على المنفعة، ولم تحصل تلك المنفعة، وإنما تلفت قبل انتفاع بها. الحالة الثالثة: أن يحصل العقد ويتم القبض ويحصل النفع من تلك العين المنتفع بها زمنًا ثم تتلف، يعني مثاله: يسافر منه دابة لنقل الأغراض لمدة شهر، بعد أسبوع أو أسبوعين ماتت هذه الدابة، فهل يلزمه أن يمضي أن يدفع له أجرة الشهر؟ الجواب: ماذا؟ الجواب: أنه لا يلزمه ذلك، فماذا يصنع؟ قال علماء رحمهم الله تعالى: في هذه الحالة يدفع له أجرة ما انتفع به في مدة الانتفاع من تلك الإجارة، وما لم ينتفع به فلا، أي تنفسخ الإجارة في الفترة والزمن الذي لم ينتفع منها أو لم ينتفع بها بذلك المستأجر، وتكون قائمة، ويعطى المؤجر أجرته في الفترة التي كانت الإجارة قائمة. قال رحمه الله تعالى: وتنفسخ بتلف العين المعقود عليها أو انقطاع نفعها، انقطاع نفعها، قال العلماء رحمهم الله تعالى: معناه أن العين لم تتلف، ولكن منفعتها التي لأجلها أجرها لا تكون قائمة أو تكون ناقصة، مثاله: أن يستأجر دابة لحمل منفعة، يأتي إليه عند أو بعد العقد، يقول له: سلم لي الداب، يقول: الداب مريضة، واضحة، الداب مريضة الآن، هل يستطيع ذلك المستأجر أن ينتفع بتلك الداب المستأجرة وهي مريضة؟ الجواب: ماذا؟ لا يستطيع، والإجارة -عقد الإجارة- إنما قام على ماذا؟ إنما قام على المنفعة، فإذا انقطع نفعها كذلك انفسخ العقد. قال رحمه الله تعالى: وللمستأجر فسخها بالعيب قديمًا كان أو حديثًا، قوله رحمه الله تعالى: وللمستأجر فسخها بالعيب، المستأجر الذي أجر منفعة تلك العين، فالعيب إذا وجد بتلك العين، وجد بها عيبًا، سواء كان ماذا؟ ذلك العيب قديمًا أو طرأ عليه ذلك العيب، لا يستطيع معه أن يستوفي منفعته، فحينها له أن يفسخ العقد، يعني مثال العيب القديم: كأن يدخل إلى البيت أن يدخل إلى البيت فيستأجر، فإذا به يفاجأ أن السقف يكاد أن ينهار، واضحة، هنا له أن يفسخ العقد أم لا؟ الجواب: نعم؛ لأنه وجد فيه عيبًا قديمًا. أو عيبًا جديدًا، ما هو العيب الجديد؟ كان يكون مثلًا سكن في البيت والبيت كان على السلامة، ومرت أيام مثلًا أكل في السقف الأرض، فصار البيت على خطر، السقف يكاد أن يسقط، هل له أن يفسخ أو ليس له أن يفسخ؟ الجواب: كذلك له أن يفسخ؛ لماذا؟ لأن المنفعة التي لأجلها يستأجر تلك الدار قد انتفت؛ لأنه لا يستطيع أن يسكن وهو يرى أن البيت معرض لسقوط بين الوقت والآخر. فهذه بعض المسائل المتعلقة بالإجارة، وما بقي نؤجله بإذن الله تبارك وتعالى إلى درس لاحق. إلى هنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا.