كتاب الجنائز 1

كتاب الجنائز 1

الدرس في كتاب الجنائز 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحاديث في ذكر الموت والنهي عن تمنيه وحسن الظن عند الاحتضار

يستعرض المقطع ثلاثة أحاديث نبوية تحث على الإكثار من ذكر الموت لهدم اللذات، وتنهي عن تمني الموت للضر مع تعليم الدعاء بتعليق الحياة والموت على ما يختاره الله، وتوصي المحتضر بتحسين ظنه بالله وغلبة الرجاء على الخوف.

علامات حسن الخاتمة وآداب الموت والتلقين المشروع

يبين المقطع التوازن بين الخوف والرجاء كسبيل للنجاة، ويذكر علامات حسن الخاتمة كعرق الجبين، ويؤكد مشروعية تلقين المحتضر "لا إله إلا الله" فقط مع إنكار قراءة سورة يس على الميت، ويوضح آداب الوفاة كغمض البصر والدعاء بالخير.

أحكام النياحة والصبر على المصيبة ودرجات الرضا

يحرم المقطع النياحة وما في معناها من شق الجيوب وضرب الخدود وحلق الشعر ودعاء الجاهلية مستدلاً بالأحاديث، ويوضح أن الواجب الصبر بينما الرضا والشكر درجة مستحبة زائدة، ومن لم يصبر فقد خالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

خاتمة الجلسة والدعاء والطلب من المشاهدين

يختتم المتحدث الجلسة بالاكتفاء بما طرح، ويصلي على النبي محمد، ثم يطلب من المشاهدين الاشتراك في القناة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. أما بعد: قال المصنف رحمه الله: كتاب الجنائز. قال: الحديث التاسع والأربعون بعد الستمئة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكثروا ذكر هادم اللذات: الموت». رواه النسائي، وصححه ابن حبان. كتاب الجنائز: كتاب، كما مر معنا، على وزن «فعال» بمعنى مفعول، كتاب بمعنى مكتوب، أي: هذا مكتوب في ذكر الأحاديث المتعلقة بالجنائز. والجنائز جمع جنازة، ويطلق على الميت، وعلى النعش الذي يحمل به الميت. وقيل: الجنازة بالفتح تِ: الجنازة بالفتح تطلق على الميت، والجنازة بالكسر تطلق على النعش الذي يحمل به الميت. فذكر في أول هذا الكتاب حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكثروا ذكر هادم اللذات: الموت». فالنبي صلى الله عليه وسلم يوصي بالإكثار من ذكر الموت، وسماه النبي عليه الصلاة والسلام «هادم اللذات»، أي: لذات الإنسان التي يرغب فيها ويشتهيها، سواء كان ما يتعلق بلذة المأكل، أو المشرب، أو الملبس، أو المنكح، أو المسكن، أو غير ذلك من اللذات. فالموت يهدمها؛ لأنه يحول بين الإنسان وبينها، وبين تلذذه بها. فأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكر الموت؛ حتى لا يتعلق الإنسان بالدنيا وينسى الآخرة، وينهمك بشهوات هذه الدنيا ولذاتها على حساب آخرته، فيحرص على عمارة دنياه ويخرب آخرته. فإذا ذكر الموت أعانه ذلك على إصلاح الآخرة، وعدم التعلق بالدنيا؛ لأنه يعلم أنه سيموت وسيرحل من هذه الحياة، فيكون مستعداً للقاء الله سبحانه وتعالى بأداء الطاعات، واجتناب المحرمات، والإقبال على الله سبحانه وتعالى بما يحبه جل وعلا ويرضى. فيستحب للمسلم أن يكثر من ذكر الموت؛ لأنه كما سمعتم يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة. قال: الحديث الخمسون بعد الستمئة. عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنياً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيراً لي». متفق عليه. نعم، في هذا الحديث نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يتمنى المسلم الموت. قد يقول قائل: عليه الصلاة والسلام يقول: «أكثروا ذكر هادم اللذات». نقول: نعم، وفرق بين ذكر الموت وتمني الموت. فالمشروع هو ذكر الموت، أن تذكر الموت حتى تستعد لآخرتك. والمنهي عنه هو تمني الموت، أن تقول: اللهم أمتني، اللهم أنهِ حياتي مثلاً، أو انقلني من هذه الدار، ونحو ذلك. هذا منهي عنه. لماذا؟ لأن الإنسان لا يستغني عن حسنة ينتفع بها في الآخرة، أو سيئة يتوب منها. فهو في حال حياته يحتاج إلى الحسنة الواحدة التي ترفع من درجاته يوم القيامة، وتثقل موازينه. فلذلك لا يتمنى الموت، حتى لو نزل به الضر. لضر نزل به: إما مرض أصابه، أو مصيبة ألمت به في نفسه، أو أهله، أو ماله، أو ولده. فلا يحل له أن يتمنى الموت. فإن كان لا بد، إن كان لا بد من قول شيء من ذلك، فيعلق هذا الأمر بالخير الذي يعلمه الله سبحانه وتعالى له، فيقول: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيراً لي». هنا الآن ما تمنى الموت، لكن علق الأمر بالخير الذي يعلمه الله سبحانه وتعالى له. إن كان في حياته خير أبقاه، وإن كان في موته خير له أماته. فهنا علق الأمر بإرادة الله سبحانه وتعالى، وعلم الله سبحانه وتعالى. الإنسان ما يدري، كما سمعتم، قد يتمنى الموت والخير له البقاء، الخير له البقاء ليكمل الحسنات، وليتوب من السيئات، إلى آخر ذلك. فإذا علق الأمر بالله سبحانه وتعالى، فالله يعلم الخير الذي له. فإذا كان الخير له البقاء أبقاه، وإن كان الخير له الموت أماته، سبحانه وتعالى. قال: الحديث الحادي والخمسون بعد ست مئة. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بثلاثة أيام يقول: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل». رواه مسلم. نعم، هذا الحديث يوصي النبي عليه الصلاة والسلام أن يغلب المسلم جانب الرجاء عند الموت. أن يغلب المسلم جانب الرجاء عند الموت، يعني: إذا نزل به الموت، فيحرص أن يحسن الظن بالله، يعني: يغلب جانب الرجاء، أن الله سيغفر له ويرحمه، ويدخله الجنة، ويتجاوز عن سيئاته، إلى آخر ذلك. فترجيح الرجاء في هذا الموضع يعني من أسباب النجاح، من أسباب النجاح أن يغلب جانب الرجاء، ويحسن الظن بالله سبحانه وتعالى. والرجل الذي نزل به الموت، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كيف تجدك؟ قال: يا رسول الله، أخاف ذنوبي وأرجو رحمة الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاجتمع في قلب عبد المثل هذا الموطن إلا أمنه الله ممن يخاف، وأعطاه الله ما يرجو»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. إذن يحسن بالمسلم عند الموت أن يغلب جانب الرجاء. أما في حال الحياة، فإنه ينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء، يجعل ما كما قال أهل العلم: كجناحي الطائر، كجناح الطائر، إذا اختل أحد الجناحين اختل طيرانه. فمن أخل بالرجاء، يعني: بجانب الرجاء، وغلب جانب الخوف، وقع في القنوط. ومن غلب جانب الرجاء على جانب الخوف، وقع في الإرجاء والتساهل في فعل الذنوب والسيئات. لكن يجعل الأمر بين الخوف والرجاء، يعمل الصالحات، ويسارع في فعل الطاعات، وفي المقابل يخاف من ذنوبه وسيئاته، ويخاف أن الله لا يتقبل منه. فبهذا، بإذن الله، ينجو. فإذا جاءه الموت غلب جانب الرجاء، إذا جاءه الموت يغلب جانب الرجاء، ويحسن الظن بالله. فبهذا، هذا من أسباب النجاة. قال: الحديث الثاني والخمسون بعد ست مئة. قالوا: عن المغيرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن يموت بعرق الجبين». رواه الترمذي، وصححه ابن حبان. هذا الحديث فيه ذكر علامة من علامات حسن الخاتمة، أن المؤمن يموت بعرق الجبين، يعني: إذا نزل به الموت يعرق جبينه، ينزل منه العرق. هذه علامة من علامات حسن الخاتمة، إذا حصلت للمؤمن فهي علامة على حسن خاتمته. قال: الحديث الثالث والخمسون بعد الستمئة. وعن أبي سعيد، أبي هريرة رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله». رواه مسلم. لقنوا موتاكم: المراد موتاكم من حضره الموت، من حضره الموت. لأن هذا الوقت وقت تكليف، ما زال إنسان في زمن التكليف. فإذا حضره الموت يلقن، يُنشأ يقال له: قل لا إله إلا الله. لماذا؟ حتى يختم له بها، كما قال نبي صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله ختم له بها، دخل الجنة». ومن قال لا إله إلا الله ختم له بها، دخل الجنة. وقال عليه الصلاة والسلام: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». وجاء عند ابن حبان، من حديث أبي هريرة: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة يوماً من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه». إذن يلقى الميت، أو من حضره الموت، الشهادة، حتى يختم له بها، فتكون خاتمته حسنة، وتكون خاتمته حسنة، ويكون ذلك سبباً من أسباب دخول الجنة. إذن قولوا: لقنوا موتاكم، أي: من حضره الموت. أما إذا مات فلا يلقن، ما الفائدة من التلقين؟ هو لا يسمع، وانتقل من دار التكليف إلى دار الجزاء. فتلقينه بعد الموت هذا من البدع، هذا من البدع، وليس من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: الحديث الرابع والخمسون بعد ستمئة. عن معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقرؤوا على موتاكم يس». رواه أبو داود، وصححه ابن حبان. اقرؤوا على موتاكم: أي من حضره الموت، أي من حضره الموت، كما قيل في الحديث الذي قبله: لقنوا موتاكم، أي من حضره الموت. يس: سورة يس. قالوا: لأنها تخفف على الميت، يعني: نزع الروح، إلى آخره. وهذا الحديث ضعيف، لا يصح. الحديث ضعيف، لا يصح. فهو من طريق أبي عثمان، ليس من نهد، عن أبيه، عن معقل بن يسار، كما عند أبي داود. وأبو عثمان هذا مجهول، وأبوه كذلك مجهول. وأعل الحديث بالانقطاع والاضطراب، أعل بالانقطاع والاضطراب. إن فيه ثلاث علل: الجهالة، والانقطاع، والاضطراب. ولهذا قال الإمام الدارقطني رحمه الله: «ولا يصح في الباب شيء، ولا يصح في هذا الباب شيء»، يعني: في تلقين الميت يس. فهذا الحديث لا يصح. وعلى هذا، فقراءة يس على الأموات يعتبر من البدع والمحدثات، يعتبر من البدع والمحدثات. فما يفعله الناس من قراءة يس على الجنازة قبل الصلاة عليها هذا من البدع، هذا من البدع. قال: الحديث الخامس والخمسون بعد الستمئة. وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة رضي الله عنه، وقد شق بصره، فأغمضه. ثم قال: «إن الروح إذا قُبض تبعه البصر». فضج ناس من أهله، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون». ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وافسح له في قبره، ونور له فيه، واخلفه في عقبه». رواه مسلم. نعم، في هذا الحديث شهد النبي عليه الصلاة والسلام موت أبي سلمة رضي الله عنه، فشق بصره، فأغمضه. يعني: يستحب إذا مات الميت أن تغمض عينيه، لأنه في الغالب أن البصر يتبع الروح، فتصير يعني عيني الرجل مبيضة، هو منظر، يعني فيه شيء من القبح، قد يخاف من ناظر إليه، من اختلاف مظهر الإنسان حال موته. فيه يسن أن تغمض، أن تغمض عينيه. وفي قوله: «إن الروح إذا قُبض تبعه البصر»، فيه أن الروح تخرج من الأعلى، أن تخرج من الأعلى، فالبصر يتبع الروح حتى يرتفع البصر إلى جهة الأعلى. قال: «فضج ناس من أهله»، يعني: بالبكاء. فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون». فيه أن الإنسان إذا مات له الميت يحرص على أنه لا يدعو إلا بخير. ولا سيأتي معنا أنه لا يجوز أن يدعو بالويل والثبور والنياحة، ونحو ذلك من الأمور المحرمة. يدعو بالخير، كما دعا النبي عليه الصلاة والسلام، لأن الملائكة تؤمن، الملائكة تؤمن على ما يقول من حضر الميت. فإن دعا بشيء، يعني: مما يخالف الشرع، أو شيء يستقبح، أو شيء من العذاب، أو نحو ذلك، ربما أمنت الملائكة، فاستجاب الله دعاءه. يعني قد يقول: وإله، وثبور، أو يدعو على نفسه بالموت مثلاً، أو الهلاك، أو شيء من ذلك، فالملائكة تؤمن، فيصيبه ذلك السوء والشر بسبب ذلك. لكن يحرص أن يدعو بالخير، بالمغفرة والرحمة، ودخول الجنة، إلى آخر ذلك من الأدعية الطيبة. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم هنا: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه، واخلفه في عقبه». إذن هذه دعوات طيبة، التي يحسن بالمسلم أن يقولها عند موت الميت، يدعو له بالمغفرة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم ارفع درجته في المهديين، اللهم أفسح له في قبره، يعني: اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ونور له فيه، اجعله منوراً، واخلفه في عقبه، في عقبه يعني: في ذريته، في أهله، وفي أولاده، يعني: اجعل من يخلفه ممن يقوم مقامه بالإحسان إليهم، إلى آخر ذلك. ولهذا أم سلمة، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، قالت: فمن، يعني: خير من أبي سلمة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوصى، أن من أصابته مصيبة فقال: اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها، فقالت ذلك، ثم قالت: نفسي، ومن خير من أبي سلمة؟ قالت: فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم»، تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بعد أبي سلمة. نعم، فالإنسان يدعو على نفسه بالخير، وعلى الميت الآن، ما هو، الرحمة. قال: الحديث السادس والخمسون بعد ستمئة. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة. متفق عليه. نعم، أبو موسى الأشعري، كما جاء في هذا الحديث، أنه أغمي عليه، فوقع رأسه في حجر بعض أزواجه، فضج ناس من أهله، وصاحوا، وكان في حال إغماء، ما استطاع أن يرد عليها. فلما أفاق قال: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن النبي صلى الله عليه وسلم بريء من الصالقة، والحالقة، والشاقة. الصالقة: التي ترفع صوتها بالمصيبة، التي تصيح وترفع صوتها. والحالقة: التي تحلق شعرها. والشاقة: التي تشق ثيابها، التي تشق ثيابها. فالنبي صلى الله عليه وسلم بريء من هؤلاء الأصناف من النساء التي يفعلن ذلك عند المصيبة، ترفع صوتها بالصياح، أو تحلق شعر رأسها إظهاراً للحزن، أو تشق ثيابها. هذه كلها من أعمال الجاهلية، والأعمال المنافية للصبر على القضاء والقدر. والواجب على المسلم عند المصيبة أن يصبر، هذا الواجب. ولا يجوز له أن يتضجر، وأن يفعل شيئاً ينافي ذلك، أن يفعل شيئاً ينافي الصبر. قال: الحديث السابع والخمسون بعد الستمئة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية». متفق عليه. ليس منا: يعني ليس على هدينا وطريقتنا، ليس على هدينا وطريقتنا. من ضرب الخدود: يعني عند المصيبة. وشق الجيوب: الجيب هو الموضع الذي يدخل منه الرأس من الثوب، هذا يسمى الجيب. ودعا بدعوى الجاهلية: مثل: واثبوراه، وهلاكاه، وكذا نحو ذلك من هذه الدعاوى التي كان يفعلها أهل الجاهلية. لأن هذه كلها منافية للصبر، منافية للصبر. ويلحق بها ما كان مثلها في المعنى. يعني: إنسان مثلاً لما أصابته المصيبة، أخذ الكأس ورمى به، هذا يدخل في الأفعال المحرمة، قياساً على شق الجيوب وضرب الخدود، هذا أيضاً لا يجوز. ومثل أيضاً ما ورد في بعض الحديث: نشر الشعر، نشر الشعر، تركه وعدم الاعتناء به، هذا أيضاً من الأعمال المنافية للصبر. ومن ذلك ما يفعله بعض الناس إذا مات له الميت وحزن، ترك لحيته، وأطلق شعر اللحية، وكان من قبل ذلك يحلقها، يتركها أياماً ثم يقوم بحلقها. هذا من نشر الشعر. الواجب هو تركه أصلاً، ولا يجوز أخذ شيء منها، لكنه يفعل ذلك إظهاراً للحزن، إظهاراً للحزن على فراق هذا الميت. وهذا لا يجوز، هذا لا يجوز. الواجب هو ترك اللحية، وعدم أخذ شيء منها، وعدم فعل مثل هذا الأمر. إذا كل ما ينافي الصبر من قول أو فعل فهو داخل في التحريم، فهو داخل في التحريم. ومن ذلك أيضاً النياحة ورفع الصوت، كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري: «والنائحة إذا لم تتب قبل موتها، تُقَام يوم القيامة عليها سربال من قطران، ودرع من جرب». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إثنتان في الناس، من أمور الجاهلية، لا يتركونهن: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت». ونفس الحديث، هذه كل الأعمال منافية للصبر على المصيبة. ثم ما زاد على الصبر فهذا مستحب. ما زاد على الصبر وهو الرضا والشكر، هذا زائد على الصبر. الواجب هو الصبر، والمحرم هو عدم الصبر، الذي هو يعني: التضجر والتسخط. نعم، التسخط، فهذا هو المحرم. ولا يجب الرضا، الرضا مستحب، وليس بواجب. يعني: قد إنسان تصيبه المصيبة، يتألم من ذلك، ولا يرضى بما حصل، لكن يصبر، لا يظهر شيء من تسخط، لا بقول ولا بفعل. هذا هو الواجب، هذا هو الواجب. نعم، لكن درجة الرضا هذه أعلى، والشكر أعلى من ذلك. طيب، نكتفي بهذا القدر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اشتركوا في القناة، شكراً، شكراً.