كتاب البيع 23

الدرس في كتاب البيع 23، ألقاها

تعريف الوديعة وأحكامها العامة

الوديعة هي المال المودع عند شخص ليحفظه بلا عوض، وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع حيث أمر الله تعالى بأداء الأمانات إلى أهلها.

أحكام الوديعة ومسؤولية المودع إليه

الوديعة أمانة عند المودع إليه ولا ضمان عليه إلا إذا تعدى أو تصرف فيها بغير حق، وإذا ادعى تلفها بعد الاستلام لا يقبل منه.

حكم العارية وأحكامها ومسؤولية المستعير

العارية هي الشيء الذي يؤذن لصاحبه بالانتفاع به وهي أمانة، وتضمن بأمور ثلاثة: التعدي، التفريط، والاشتراط.

ترجيح اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية في أحكام العارية

المقطع يشير إلى اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وترجيح العلامة ابن عثيمين له في مسائل متعلقة بالعارية وأحكامها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو محمد موفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له، في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب البيع منه: قال رحمه الله تعالى: باب الوديعة، أي باب ذكر أحكام الوديعة وما يلزم المودع. والوديعة على وزن فعيلة بمعنى مفعولة، يقال: أوْدَعْتُ زيدًا مالًا، دفعته إليه ليكون عنده وديعة، وجمعها ودائع، واشتقاقها من الدعة وهي الراحة. أو أخذته منه وديعة، فيكون الفعل من الأضداد، لكن الفعل في الدفع أشهر. واستودعته مالًا، دفعته له وديعة يحفظه. والوديعة شرعًا اسمٌ للمال المودع لمن يحفظه بلا عوض، فهو مالٌ يودع لمن يحفظه، وهو كذلك بلا عوض. هذا يسمى وديعة. والأصل في الوديعة، أي في مشروعية الوديعة، الكتاب والسنّة والإجماع. فأما الكتاب، فقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. ومن السنة حديث أبي هريرة الذي رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن بطرقه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَدِّي الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ». وأما الإجماع، فنقله غير واحد من الأئمة، حتى قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه "المغني": أجمع علماء كل عصر على جواز الإيداع والاستيداع، وذكر أن الحكمة من ذلك بأن العبرة تقتضيها، فإن بالناس إليها حاجة، فإنه يتعذر على جميعهم حفظ أموالهم بأنفسهم، ويحتاجون إلى من يحفظ لهم. والوديعة، كما يقول علماء رحمهم الله تعالى، إيداع الوديعة، وتُحْفَظ الوديعة عند المودع، هذه قالوا من القرب والعبادات، وذلك لأن فيها قضاء لحاجة أخيه المسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ»، وقال صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ». فهي كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى من القرب المندوب إليها باتفاق العلماء. قال رحمه الله تعالى: وهي أمانة، لقول الله جل وعلا كما تقدم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، ولما تقدم كذلك من حديث أبي هريرة وغيره، ونقل كذلك غير واحد الاتفاق على أنها أمانة. ومعنى أنها أمانة، كما مر معنا مرارًا، أن المودع أمين، وإذا كانت يده على الوديعة يد أمين، فإنه يكون مقبولًا فيما يدعيه مما يغلب على الظن تصديقه في مثله. قال رحمه الله تعالى: وهي أمانة لا ضمان عليه فيها إلا أن يتعدى. لماذا؟ لأن يده على الوديعة يد أمين، والأصل في يد الأمين أنها لا ضمان عليها إذا لم يتعد. قال رحمه الله تعالى: وإن لم يحفظها في حرز مثلها، أو مثل الحرز الذي أمر بإحرازها فيه، أو تصرف فيها لنفسه، أو خلطها بما لا يتميز منه، أو أخرجها لينفقها ثم ردها، أو كسر ختم كيسها، أو جحدها، أو امتنع من ردها عند طلبها مع إمكانه، ضمنها. قال رحمه الله تعالى: وإن قال أوْدَعْتَنِي ثم ادعى تلفها أو ردها لم يقبل منه. لماذا؟ لأنه مكذب لإنكاره الأول، معترف على نفسه بالكذب المناف للأمانة. قال: وإن قال ما أوْدَعْتَنِي ثم ادعى ردها أو تلفها قبل منه. وهذه أيضًا يقول: وإن قال ما لك عندي شيء، ثم ادعى ردها أو تلفها، نعم، على هذا الكلام يكون ماذا؟ يقول الكلام أنه يقول ما عندي شيء، أي شيء، أي الآن لك، لماذا؟ لأن الشيء التي جعلته عندي قد تلف أو قد رديته لك. فمثل هذا يقبل منه. لماذا؟ لأنه ما زال أمينًا، وما هناك كذب. إنسان يأتي إلى إنسان يقول له: أعطيني وديعتي، يقول: ما عندي لك شيء، قد أعطيتك ها، أو قد تلفت، وصادق في هذا الكلام. قال رحمه الله تعالى: والعارية مضمونة وإن لم يتعد فيها المستعير. هذه مسألة أخرى، وهي مسألة العواري. والعلماء رحمهم الله تعالى يعقدون لها بابًا مستقلًا، لكن ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى هذه المسألة هاهنا استطرادًا، وهي مناسبة لباب الوديعة من أي وجه. قال العلماء رحمهم الله تعالى: أن المودع إذا ترك وديعته للمودع لحفظها، قالوا: فهو بين أمرين: بين أن يطلب منه أن يحفظها، والحالة كذلك، تكون ما لا تكون وديعة، والحالة الثانية: أن يقول له: لا بأس بأن تستخدمها وأن تنتفع بها. قال: إن آذن له بالانتفاع بذلك الشيء، فإنها تكون عارية. وإن ما آذن له بالانتفاع بذلك الشيء، تكون وديعة. إذن الفرق بين الوديعة والعارية: أن الوديعة لا يأذن له باستخدامها ولا بالانتفاع بها، بل يطلب منه الحفظ. وأما العارية، فإنه يأذن له بأن ينتفع بها وأن يستخدمها. بقي الآن ما حكم العارية؟ لو أن إنسان جعل عند إنسان عارية فتلفت تلك العارية، ما حكمها؟ يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: والعارية مضمونة، ما معنى أنها مضمونة؟ أي ليست بأمانة، أي إذا تلفت بتعد أو بغير تعد، فإن المستعير يضمن. والصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: أن العارية الأصل فيها أنها من باب الأمانات، وهذا القول والذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغفر له. والعارية، قالوا: لا تضمن إلا بأمور ثلاثة: الأول أن يتعد، الثاني أن يفرط، الثالث أن يشترط. قال: ما معنى أن يشترط؟ أن يقول لهم: يا فلان، عارية مضمونة، فإذا قال: نعم، فإنه يجب عليه الوفاء. واضح جماعة. ما معنى يجب عليه الوفاء؟ يجب عليه أن يؤدي تلك الأمانة وذلك الحق، وإن تلف ضمن، لأنه اشترط عليه ورضي بذلك الشرط. والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم كذلك في أحاديث كثيرة بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشروط يجب أن توفى، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ». فخلاصة القول: بأن العارية على القول الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى أنها أمانة، وتكون مضمونة بأمور ثلاثة: إما بتعد، وإما بتفريط، وإما باشتراط. وهذا كما سمعتم هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو ترجيح العلامة ابن عثيمين المعاصرين. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على