الدرس في كتاب الإيمان 65، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المقطع الأول حديثًا نبويًا يشرح عقوبة قتل النفس ويحذر من قتل النفس كونه كبيرة من كبائر الذنوب. يُؤكد على تحريم قتل النفس استنادًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
يشرح الحديث النبوي تحريم قتل النفس وأنه من كبائر الذنوب التي توجب دخول النار، ويوضح توجيهات أهل العلم حول الخلود في النار لمرتكبي هذه الكبيرة. يؤكد أن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار إذا كان موحدًا.
يناقش المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحرم قتل النفس ويبين عاقبة من يقتل نفسه، ويشدد على تحريم الانتحار تحت أي مسمى. يعتبر قتل النفس من كبائر الذنوب ويستحق صاحبه العذاب يوم القيامة.
يجب على المسلم أن يقاتل الأعداء بشرط أن يكون القتال موجها ضدهم وليس ضد نفسه، قتل النفس حرام وقد دلت الأحاديث النبوية على ذلك. الإنسان مطالب بالقتال بشجاعة فإن قتل فهو شهيد وإن سلم فهو ناج بإذن الله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين القشيري رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن أبي شيبة، وأبو سعيد الأشج، قالا: حدثنا وكيع وابن إدريس، عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران، عن أبي صالح، وهو ذكوان السمان، عن أبي هريرة، واسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأشهر، مع الاختلاف في اسمه، وأشهر الأقوال أن اسمه عبد الرحمن بن صخر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه، فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا». قال: وحدثني زهير بن حرب، أبو خيثمة، قال: حدثنا جرير، وحدثنا سعيد بن عمرو الأشعثي، قال: حدثنا عبثر، وحدثني يحيى بن حبيب الحارثي، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، عن يونس بن الحارث، قال: حدثنا شعبة، كلهم بهذا الإسناد مثله. وفي رواية شعبة، عن سليمان، قال: سمعت ذكوان. وهذا السند الثاني في تصريح سماع الأعمش من أبي صالح، لأن الأعمش مدلس، مع جلالته، إلا أنه كان يدلس. وهنا في السند الأول روى عن أبي صالح بالعنعنة، فساق الإمام مسلم رحمه الله هذا السند الثاني، وفيه تصريح سماع الأعمش من ذكوان السمان. هذا الحديث يخبر عليه الصلاة والسلام أن عقوبة من قتل نفسه، أن عقوبة من قتل نفسه بأي سبب من أسباب القتل، أنه يعذب بذلك يوم القيامة. وقتل النفس محرم، لا يجوز للإنسان أن يقتل نفسه. والله عز وجل يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾، ويقول جل وعلا: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾. لا يجوز للإنسان أن يلقي بنفسه في مواضع التهلكة والهلاك والموت. وهكذا أيضا لا يجوز له أن يقتل نفسه، وأن يسفك دمه. كما أنه لا يجوز أن يقتل إنسانا معصوما، كذلك أيضا لا يجوز أن يقتل نفسه. فقتل النفس كبيرة من كبائر الذنوب، قتل الإنسان لنفسه كبيرة من كبائر الذنوب. وفي هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه، يتوجأ يعني يطعن بها في بطنه، في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. يعني إذا قتل نفسه بحديدة، بسكين أو بسيف أو بغيرها من أنواع الحديد الحادة، قتل نفسه، فإنه يعذب يوم القيامة بأن يفعل ذلك بنفسه، فحديدته في يده يتوجأ بها، بأن يطعن بها نفسه كما طعن نفسه في الدنيا، فإنه يعذب بذلك في نار جهنم، في طعن نفسه كما طعنها في الدنيا. قال: «ومن شرب سما فقتل نفسه، فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا». من شرب السم، أتى بسم وشربه ومات، هذا السم يتحساه في نار جهنم، يعذب بذلك كما أنه قتل نفسه بشربه في الدنيا، فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. «ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم». إذا صعد إلى مكان مرتفع ورمى بنفسه حتى يموت، فإنه يفعل ذلك في نار جهنم، يتردى في نار جهنم ويعذب بذلك. وهذا الحديث المراد به ذكر هذه الأمثلة، ويلحق بها ما كان مثلها، في الصور التي يقتل الإنسان بها نفسه، أنه يعذب بها يوم القيامة، أنه يعذب بها يوم القيامة، سواء كان ذلك بطعن بحديد، أو بشرب سم، أو رمي نفسه من مكان مرتفع، أو بغير ذلك من أنواع القتل. ويدل كذلك على أن قتل الإنسان لنفسه محرم، وأنه كبير من كبائر الذنوب، أنه كبير من كبائر الذنوب، يوجب على الإنسان دخول النار، ويتوعد فاعل ذلك بهذا الوعيد، أنه يعذب بذلك في نار جهنم. وقوله: «خالدا مخلدا فيها أبدا»، معلوم أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن صاحب الكبيرة تحت مشيئة الله، تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. وإذا عذبه وأدخله النار، فإنه لا يخلد فيها، لا يخلد فيها، بل يخرج منها ويكون مصيره بعد ذلك إلى الجنة، إذا كان من أهل التوحيد. وفي هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خالدا مخلدا فيها أبدا»، وهذا وجهه أهل العلم بتوجيهات، منها: إذا فعل ذلك على جهة الاستحلال، ما علمه بالتحريم، إذا فعل ذلك على جهة الاستحلال، مستحلا لقتل نفسه، وهو يعلم أن ذلك محرم، فيكون بذلك كافر، والكافر يخلد في نار جهنم. والتوجيه الثاني: أن المراد بالخلود طول المكث، يعني يطول مكثه في النار، يطول مكثه في النار. والتوجيه الثالث: أن هذا جزاؤه، أن هذا جزاؤه إذا عقبه الله جل وعلا، فهو يستحق مثل هذا الجزاء، أن يخلد في نار جهنم خلودا أبديا. لكن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار، وإنما إن دخل النار، فيعذب فيها ما شاء الله، ثم يخرج ويكون مصيره إلى الجنة. ويبين ذلك بعض الروايات الأخرى التي فيها ذكر دخول النار من غير ذكر التأبيد، من غير ذكر التأبيد. وكذلك أيضا الأدلة الأخرى الكثيرة الدالة على أن صاحب الكبيرة ليس بكافر، أن صاحب الكبيرة ليس بكافر، كما بقول الله جل وعلا: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾، فالله عز وجل أطلق لفظ الإيمان مع وجود القتل الذي هو كبير من كبائر الذنوب. ولو كان فاعل ذلك كافر، لم يطلق عليه لفظ الإيمان. وهكذا أيضا في الأحاديث الكثيرة الدالة على ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر، ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». وقول عليه الصلاة والسلام: «ما من نبي إلا له دعوة مستجابة قد دعا بها، وأنا خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وهي نائلة بإذن الله من لا يشرك بالله شيئا». والحديث كثيرة في ذكر الشفاعة، وأن الأنبياء يشفعون، والصالحون يشفعون، ويشفع أرحم الراحمين، فيخرج الله عز وجل قبضة من النار، فيخرج أقوام لم يعملوا خيرا قط. الحديث كل هذا يدل على أن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار. قال رحمه الله: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا معاوية بن سلام بن أبي سلام الدمشقي، عن يحيى بن أبي كثير، أن أبا قلابة وعبد الله بن زيد الجرمي، قالا: أخبرنا ثابت بن الضحاك، أنه بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه». هذا الحديث حكاية من الضحاك رضي الله عنه، يخبر أنه بايع النبي عليه الصلاة والسلام تحت الشجرة، تحت الشجرة، أي بيعة الرضوان التي كانت في صلح الحديبية، حين بعث النبي عليه الصلاة والسلام عثمان بن عفان إلى أهل مكة ليتكلم معهم، ثم جاء الخبر بمقتل عثمان، فبايع النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على الموت. وأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾. قال: «من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال». من حلف على يمين بملة غير الإسلام، يعني حلف أنه يهودي أو نصراني أو مجوسي، يقول: أنا يهودي إن فعلت كذا، أو أنا نصراني إن فعلت كذا. قال: «فهو كما قال». وقوله: «بملة غير الإسلام كاذبا»، هل هذا القيد له مفهوم؟ يعني هل يحلف بغير الإسلام صادقا؟ الجواب: لا، ليس له مفهوم. وإنما هذا لبيان الواقع والأمر أنه يحصل على جهة الكذب، أن الحلف بغير الإسلام لا يكون صاحبه إلا كاذبا. فقوله: «من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا»، يعني هذا هو الواقع، أنه كاذب. «فهو كما قال»، هل قوله: «فهو كما قال» يعني يدل على أنه كافر إذا حلف باليهودية أو النصرانية؟ أنه يهودي أو نصراني إن فعل كذا، فيكون كما قال يهوديا أو نصرانيا ويكفر بذلك؟ أم أن المراد من ذلك هو تشنيع هذا الفعل؟ قال: «ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة». من قتل نفسه بشيء، من اسم شرط، وأسماء الشرط من ألفاظ العموم، فيشمل كل من قتل نفسه، سواء كان ذكرا أو أنثى، وسواء كان مسلما أو كافرا. من قتل نفسه بشيء، وشيء نكرة في سياق الشرط وتفيد العموم، أي بأي شيء، بحديدة قتل نفسه، بسم قتل نفسه، بنار، بأي شيء يقتل به نفسه، فإنه يعذب به. ومن قتل نفسه بشيء عذب به، قتل فعل الشرط، وعذب جواب الشرط وجزاؤه، أنه يعذب به يوم القيامة. وهذا يدل على أن قتل الإنسان لنفسه محرم، وكبير من كبائر الذنوب، وذنب عظيم. قال: «وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه». يعني إذا نذر الإنسان أن يتصرف في مال غيره، مثلا إذا قال: إذا أرجع الله جل وعلا مسافري سالما أن أذبح شاة جاري، هذه الشاة ما يملكها، فهو الآن ينذر في شيء ما يملكه، فهنا لا يصح هذا النذر. أو يقول: أن أتصدق بمال فلان، أو أعتق عبد فلان، هو لا يملكه، وهنا لا يصح النذر. وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه، إذا نذر مثل هذا في شيء ما يملكه، فإنه لا يصح النذر، وليس عليه شيء. الشاهد من الحديث قول عليه الصلاة والسلام: «ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة»، أنه إذا قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، فيدل ذلك على حرمة قتل النفس بأي شيء كان، وأن من قتل نفسه عذب به يوم القيامة. وهذا الحديث والذي قبله يدل على تحريم قتل الإنسان لنفسه. ومن ذلك ما يسمى بالعمليات الانتحارية أو الاستشهادية، هذا يعتبر من قتل النفس، يعتبر من قتل النفس، فهو يقتل نفسه ويفجر نفسه، فيكون بذلك قاتلا لنفسه، لا يجوز مثل هذا الفعل. والواجب إذا أراد الإنسان أن يقاتل الأعداء والكفار أن يقاتلهم، يهجم عليهم، فإن قتلوه فالحمد لله، هو شهيد بإذن الله، وإن سلم فالحمد لله الذي سلمه. أما أن يقتل نفسه، فهذا لا يجوز. هذه الأحاديث وغيرها كلها تدل على حرمة ذلك. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.