كتاب الإيمان 67

كتاب الإيمان 67

الدرس في كتاب الإيمان 67، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

خطورة قتل النفس وتحريمها

يروي الحديث قصة رجل قتل نفسه بعد جرح شديد في القتال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه من أهل النار، مما يدل على أن قتل النفس كبيرة من كبائر الذنوب تؤدي إلى دخول النار. كما يؤكد على تحريم قتل النفس وتأكيد حرمة الجنة على من يقتل نفسه.

تأثير الباطن على الخاتمة وأهمية إصلاح القلب

المقطع يحذر من قتل النفس ويبين أهمية صلاح القلب وتأثيره على الخاتمة، حيث يمكن للإنسان أن يظهر عمل أهل الجنة أو النار لكن باطنه يكون على خلاف ذلك، فيختم له بما في باطنه. كما يؤكد على ضرورة إصلاح القلب والتوكل على الله.

أهمية تعليم العلم في المساجد وهدي السلف

كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أصحابه في المسجد، واستمر هذا النهج مع الصحابة والتابعين حتى وصل إلينا العلم، مما يدل على أهمية تعليم العلم في بيوت الله. هذا النهج هو هدي السلف وهدي نبينا عليه الصلاة والسلام، ويتميز بالبركة والخير العظيم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا قتيبة بن سعيد. قال: حدثنا يعقوب، وهو ابن عبد الرحمن القاري، عن أبي حازم، وهو سلمة بن دينار، أبو حازم الراوي عن سهل بن سعد، وسلمة بن دينار وأبو حازم الراوي عن أبي هريرة، فهو سلمان مولى عزة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى والمشركون، فاقتتلوا. فلما مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل لا يدع لهم شاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، لا يدع لهم شاذة - يعني لا يترك لهم أحدا من المشركين إلا اتبعه وقتله - فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد ما أجزأ فلان - يعني ما أحد أبرع في القتال مثل ما فعل هذا الرجل - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنه من أهل النار. فقال رجل من القوم: أنا صاحبه أبدا - أنا صاحبه يعني أصاحبه وأنظر في أمره وأكون معه أو قريبا منه - قال: فخرج معه، كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه - يعني يتابعه إذا مشى مشى معه، وإذا أسرع أسرع، وإذا وقف وقف - قال: فجرح الرجل جرحا شديدا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه - وضع نصل السيف بالأرض يعني الموضع الذي يمسك به السيف، وذبابه يعني موضع الحد من السيف بين ثدييه يعني في صدره، وتحامل على السيف فقتل نفسه - قال: فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أشهد أنك رسول الله. قال: وما ذاك؟ قال: الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه حتى جرح جرحا شديدا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار. هذا الحديث حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، فيه بيان غلط التحريم قتل النفس، وأن قتل الإنسان لنفسه كبيرة من كبائر الذنوب توجب على صاحبها دخول النار. فهذا الرجل قاتل المشركين قتالا شديدا، لكنه في آخر أمره لم يصبر على ما أصابه من الجروح، فاستعجل الموت فقتل نفسه، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه من أهل النار، فدل على أن قاتل نفسه من أهل النار، ومعرض لدخول النار، وإن كان قد عمل قبل ذلك ما عمل من أعمال صالحة. فهذا الحديث فيه علم من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام، الدال على صدق رسالته وصدق نبوته، إذ أنه أخبر بأن فلانا من أهل النار، وذلك قبل أن يحصل منه ما حصل من قتله لنفسه. فلذلك قال هذا الصحابي: أنا صاحبه وألازمه وأنظر في أمره. كيف من أهل النار وهو قاتل المشركين قتالا شديدا؟ والنبي عليه الصلاة والسلام رسول الله، لا يمكن أن يقول ذلك بغير وحي، وأن يكون الأمر على خلاف ذلك، فلازمه حتى رآه حين قتل نفسه. وهذا مراد النبي عليه الصلاة والسلام أنه من أهل النار بسبب ذلك، أنه قتل نفسه. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك قبل أن يحصل منه قتل نفسه، فوقع ذلك بعد أن أخبر عليه الصلاة والسلام، فدل ذلك على صدق رسول الله عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضا فيه أنه لا يجوز للإنسان إذا جرح أو مرض أن يقتل نفسه، بل عليه أن يصبر على الجراح ويتحمل حتى يقضي الله سبحانه وتعالى ما أراد، إما أن يعافى ويشفى، وإما أن يستمر به المرض إلى أن يموت، أما أن يقتل نفسه فلا يجوز، لا يجوز له ذلك. وفيه أيضا إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن الرجل قد يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار. وقوله: فيما يبدو للناس، يعني أن عمله في الظاهر من عمل أهل الجنة، لكنه في الباطن عنده في باطنه وسريرته ما هو خلاف ذلك. ولذلك فإنه يعامل ويؤخذ بما في باطنه وسريرته. فإذا كان الأمر كذلك، أنه يظهر عمل أهل الجنة وهو على خلاف ذلك في باطنه، فإنه يخذل عند موته ولا يوفق، ولا يوفق لعمل صالح. ولهذا في حديث ابن مسعود: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. هذا الحديث يوضح حديث ابن مسعود بأن عمله الذي كان يعمله من عمل أهل الجنة هذا في الظاهر، وفي باطنه ما هو خلاف ذلك. ولهذا قال هنا: فيما يبدو للناس، يعني فيما يظهر للناس، فيما يظهر للناس، لكن في باطنه ماذا؟ ما هو خلاف ذلك؟ ولذلك يختم له بعمل أهل النار، عياذا بالله. وإنما الأعمال بالخواتيم، والعكس: وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة. كيف ذلك؟ يعني يكون عنده شيء من الأعمال التي هي من عمل أهل النار من فسق ومعاصي، وهو في قلبه يريد التوبة والرجوع إلى الله، فيوفق لذلك، فيوفق لذلك قبل الموت، فيتوب ويتوب الله جل وعلا عليه، فيكون من أهل الجنة. قال: فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة. وهذا يدلنا على أهمية تصحيح القلوب والعناية بها. أن المسلم يعتني بقلبه وصلاح قلبه، فإن صلاح الظاهر إنما يكون بصلاح القلب. إذا صلح القلب من شوائب الشرك والتعلق بغير الله وحب الذنوب والمعاصي، فإن تصلح الجوارح ويوافق ظاهره باطنه. وأما إن فسد قلبه، فإن وإن أظهر صلاح الجوارح في الظاهر، فإن ذلك لا ينفعه. إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. فالمسلم يحرص على إصلاح قلبه، وإذا علم الله جل وعلا منه الصدق والإخلاص، فإن الله جل وعلا يوفقه ولا يخذل عبده، ولا يخذل عبده الطائع المقبل عليه المنيب إليه، بل يوفقه ويسدده ويعينه ويختم له بالخير، يختم له بالخير. وفيه أيضا في هذا الحديث أن الإنسان ربما يحكم بما يرى من ظاهر الإنسان أو مما يظهره من أعمال أو أقوال. وهذا هو الأصل: أنه يحكم على الإنسان على ظاهره، ما أظهر من خير فإنه يظن فيه خير، أنه من أهل الخير والصلاح، ومن أظهر السوء والشر فإنه يظن فيه ذلك، أنه من أهل السوء والشر. ومع ذلك لا يجزم لصاحب الخير أنه من أهل الجنة، ولا يجزم لصاحب السوء والشر أنه من أهل النار. لماذا؟ كما علمنا في هذا الحديث: قد يكون آخر أمره على خلاف ذلك، قد يكون آخر أمره على خلاف ذلك. لكن كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة: أنه يرجى للمحسن أن يكون من أهل الجنة، ويخاف على المسيء أن يكون من أهل النار، لكن لا نجزم لأحد بجنة ولا نار إلا من شهد له الكتاب أو السنة. قال رحمه الله: حدثني محمد بن رافع، قال: حدثنا الزبيري، وهو محمد بن عبد الله بن الزبير، قال: حدثنا الشيبان، قال: سمعت الحسن، وهو ابن أبي الحسن البصري، يقول: إن رجلا ممن كان قبلكم خرجت به قرحة، فلما آذته انتزع سهما من كنانته فنكأها، فلم يرقأ الدم حتى مات. قال: ربكم قد حرمت عليه الجنة. ثم مد يده إلى المسجد، فقال: إي والله لقد حدثني بهذا الحديث جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المسجد. قال: وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثني أبي، قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا جندب بن عبد الله البجلي في هذا المسجد، فما نسينا، وما نخشى أن يكون جندب كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خرج برجل ممن كان قبلكم خراج، فذكر نحوه. هذا الحديث حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر خبر هذا الرجل بمن كان قبلنا، أنه أصيب بقرحة، والقرحة يعني بثرة تطلع في الجسم ثم تتقيح، فآذته - يعني تأذى منها - ولم يصبر، نزع سهما من كنانته - الكنانة تكون من أدم تصنع توضع فيها السهام - أخرج منها سهما فنكأها - يعني قرح بها موضع هذه القرحة - فجرح نفسه حتى سال الدم. قال: قال فلم يرقأ الدم حتى مات - يعني نزف منه الدم حتى مات - قال الله جل وعلا: حرمت عليه الجنة. وفي الرواية الأخرى: وفي رواية أخرى - أظنه في صحيح البخاري والله أعلم - أنه قال: قال الله عز وجل: عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة. بادرني بنفسه - يعني استعجل الموت ولقاء ربه قبل أوانه فقتل نفسه - فأخبر الله جل وعلا أن الجنة عليه حرام. قال: قد حرمت عليه الجنة. وهذا يدل على أن قتل النفس كبيرة من كبائر الذنوب، كبيرة من كبائر الذنوب. وقول: حرمت عليه الجنة، هذا يحتمل أن يكون على ظاهره: أن الجنة عليه حرام إذا فعل ذلك على جهة الاستحلال من غير تأويل. وقد يكون المراد: حرمت عليه الجنة، أي دخولها دخولا أوليا، دخولها دخولا أوليا. وعلى كل، فإبقاء الحديث على ظاهره أزجر وأردع للناس أن يتجرأ أحد على قتل نفسه، أن يتجرأ أحد على قتل نفسه، فيكون ذلك زاجرا ومانعا من ذلك. وهو من كلام الحسن ثم رفعه، أخبر أنه سمعه من جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الحديث. ثم ذكر أنه سمع هذا من جندب، فيكون الحديث مرفوعا. قال في آخره: حدثني بهذا الحديث جندب عن رسول الله، فالحسن يروي عن جندب، وجندب يروي عن نبي عليه الصلاة والسلام، فهو مرفوع. وقوله: ثم مد يده إلى المسجد، فقال: إي والله لقد حدثني بهذا الحديث جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المسجد. وفي الرواية الأخرى: قال: حدثنا جندب بن عبد الله البجلي في هذا المسجد، فما نسينا، وما نخشى أن يكون جندب كذب على رسول الله. قوله: فما نسينا - يعني تأكيد على أنه سمع هذا الحديث من جندب، وأنه لم يحصل له نسيان أو خطأ في ذلك - وقوله: في هذا المسجد، فما نسينا. وأيضا: حدثنا جندب، يدل على اهتمام السلف رحمهم الله على طلب العلم والحديث في بيوت الله، طلب العلم والحديث في بيوت الله. فهؤلاء أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يعلمون الناس ويحدثونهم في بيوت الله، فتعلم على أيديهم التابعون حتى صاروا علماء، فعلموا من بعدهم في بيوت الله. وهكذا يتوارث أهل السنة هذا العلم الموروث عن النبي عليه الصلاة والسلام جيلا عن جيل في بيوت الله جل وعلا. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يعلم أصحابه في المسجد، كان يعلم أصحابه في المسجد، يحدثهم ويعلمهم. والصحابة علموا التابعين في بيوت الله، والتابعون علموا أتباع التابعين، وهكذا جيل يعلم جيلا حتى وصل لنا هذا العلم. فهذا يدلنا على أهمية تعليم العلم في بيوت الله، ففيها بركة وفيها خير عظيم. وهذا هو هدي السلف وهدي نبينا عليه الصلاة والسلام: تعليم العلم في المساجد. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.