كتاب الإيمان 63

كتاب الإيمان 63

الدرس في كتاب الإيمان 63، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح حديث النبي عن الثلاثة الذين لا يكلمهم الله

شرح الحديث النبوي الذي يذكر ثلاثة أنواع من الناس لا يكلمهم الله يوم القيامة، وتناول تفسير عدم كلام الله لهم وتفاصيل العقوبة.

عقوبة المسبل إزاره والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب

تناول تفاصيل حول حكم إسبال الإزار وهل هو محرم مطلقا أم مقيد بالخيلاء، وعقوبة كل من المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب.

تحريم الإسبال والمنان والحلف الكاذب في التجارة وتطبيقاتها

يتناول تحريم إسبال الإزار وجزاء المسبل، ويحذر من المنان بالصدقة وعقوبته، ويشير إلى تحريم الحلف الكاذب في التجارة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم، الحجاج أبو الحسين القشيري رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن المثنى، وابن بشار، قالوا: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن خرشة بن الحر، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات. قال أبو ذر: خاب وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: «المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». وحدثني أبو بكر بن خلاد الباهلي، قال: حدثنا يحيى، وهو القطان، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا سليمان الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحر، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئا إلا منه، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره». وحدثنيه بشر بن خالد، قال: حدثنا محمد، يعني ابن جعفر، عن شعبة، قال: سمعت سليمان بهذا الإسناد، وقال: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». هذا الحديث حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». لا يكلمهم الله يوم القيامة، وذلك أن الله جل وعلا يكلم عباده المؤمنين كلام رحمة ورضا، وكلام يسرهم، ويدخل عليهم الفرح. وأخبر في هذا الحديث عليه الصلاة والسلام أن الله لا يكلم هؤلاء الثلاثة، أي لا يكلمهم كلاما يفرحهم، ويدخل عليهم السرور، لا يكلمهم كلام رضا. وإن كلمهم فكلام توبيخ وتقريع. والله جل وعلا يتكلم متى شاء جل وعلا، والكلام من صفات الله الذاتية والفعلية، الذاتية لتعلقها بالذات، والفعلية لتعلقها بالمشيئة. كما قال الله جل وعلا: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾، وقال جل وعلا: ﴿وكلمه ربه﴾. والله جل وعلا يتكلم بكلام له صوت وحروف، كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة. قال: «لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم»، يعني يعرض عنهم، ولا ينظر إليهم نظر أي رحمة ورضا. وإن نظر إليهم فنظر توبيخ وغضب وشخط. «ولا يزكيهم»، يعني يطهرهم من دنس الذنوب. «ولهم عذاب أليم»، فوق ذلك وزيادة على ما ذكر، لهم عذاب أليم، أي يؤلم ويوجع. فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، يعني ثلاث مرات يكررها عليه الصلاة والسلام. قال أبو ذر: خاب وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: «المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». المسبل يعني مسبل ثيابه وإزاره، أن يجعل الإزار تحت الكعبين، زائدا على ما تحت الكعب، هذا يسمى إسبال. وفي الرواية الأخرى: «المسبل إزاره». والمسبل إزاره خص الإزار لأنه هو الغالب الذي كان يلبسه الناس، كانوا يلبسون الأزر، وما يلبس من السرة إلى الركبة وتحت الركبة يسمى إزارا. فكان غالب ما يلبسونه من الثياب الأزر، فلهذا خص الإزار، وإلا الحكم عام في الإزار والقميص. لأن الشرع لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق. وقد جاء في بيان ذلك أو تنصيص على ذلك حديث الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، رواه السنن. فالإسبال للإزار كبيرة من كبائر الذنوب، كبيرة من كبائر الذنوب، كما في هذا الحديث: «لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». وذكر من هؤلاء الثلاثة المسبل، المسبل إزاره. وفي الحديث الآخر: «ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار»، يعني ما زاد على تحت الكعبين، ما طال من الإزار يعذب صاحبه في النار. وهل هذا خاص أو مقيد بما إذا فعله على جهة الخيلاء؟ فيكون محرما، وكبيرا من كبائر الذنوب. أو أن هذا عام، ولو كان بغير الخيلاء؟ من أهل العلم من قال: قوله «المسبل إزاره» هذا يحمل على من فعله خيلاء، على من فعله خيلاء. واستدلوا بقصة أبي بكر رضي الله عنه، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن إزاري استرخى»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنك لست ممن يفعله خيلاء». قالوا: فدل هذا على أن التحريم إنما إذا كان على جهة الخيلاء. وأما إن كان على غير جهة الخيلاء فليس بمحرم. ومن أهل العلم من قال: بل هو على إطلاقه، سواء كان خيلاء أو غير خيلاء، فهو محرم، وكبير من كبائر الذنوب. هذا هو الصحيح، لعموم هذا الحديث: «المسبل إزاره»، ما قال: «المسبل إزاره أو خيلاء». وفي الحديث الآخر: «ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار»، هذا أيضا مطلق وعام في كل إسبال للإزار تحت الكعبين. وأما ما ورد في عقوبة من أسبل إزاره وخيلاء، يقال: هذا حكم آخر، حكم آخر. فإذا فعل ذلك على جهة الخيلاء، كان له العقوبة الزائدة في ذلك، من أن الله عز وجل لا يكلمه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم، كما في هذا الحديث. وجاء في الحديث الآخر: «ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار»، هذا سواء كان على جهة الخيلاء أو على غير جهة الخيلاء. وأما قصة أبي بكر، فيقال: أولا أبو بكر لا يتعمد إسبال الإزار، إنما يسترخي إزاره من غير قصد. والأمر الثاني أن النبي عليه الصلاة والسلام شهد له بأنه لا يفعل ذلك خيلاء. ومن له شهادة كشهادة أبي بكر بأنه لا يفعل خيلاء، حتى يقول: أنا أسفل إزاري ولا أفعل خيلاء، هل عندك تزكية من النبي عليه الصلاة والسلام كأبي بكر؟ الجواب: لا. إذن لا يجوز لك أن تسفل إزارك. قال: «المسبل، والمنان». والواجب على المسلم أن يرفع إزاره فوق الكعبين، وأن يرفع إزاره فوق الكعبين. والمستحب أن يكون إلى أنصاف الساقين، كما في حديث ابن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: «إزار المسلم المؤمن إلى أنصاف الساقين، فإن أبى فإلى الكعبين»، يعني فوق الكعبين. وما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار، يعني كون الإزار يكون رافعا على الكعبين هذا واجب، وكونه إلى أنصاف الساقين هذا مستحب، وما أسفل الكعبين فحرام محرم. قال: «والمنان». المنان كما في الرواية الأخرى: «الذي لا يعطي شيئا إلا منه»، الذي إذا أنفق أو أعطى يمن بعطائه وإنفاقه: أنا فعلت، وأنا دفعت، وأنا أعطيت. هذا الفعل من كبائر الذنوب. والله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾. حال المنان كحال الذي يعطي ويدفع وينفق رياء أمام الناس، حتى يرونه ويثنون عليه ويمدحونه. والذي يعطي لأجل الله وإخلاصا في عمله، وإرادة لما عند الله من الثواب، ما يمن في عطائه، إنما يقول: ﴿إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾. هذا هو حال المخلص الصادق. أما أن يمن بعطائه فهذا الأمر محرم، والعقوبة كما سمعنا: «لا يكلمه الله يوم القيامة، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم». قال: «والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». المنفق سلعته بالحلف الكاذب، يريد أن ينفق البضاعة التي معه، فيحلف كاذبا أنه اشتراها بكذا وكذا. يقول: «والله اشتريتها بألف ريال»، «اشتراها بستمائة»، يحلف: «والله اشتريتها بألف ريال». ماذا سيكون حال المشتري؟ يصدقه، ويحسن به الظن، فيقول: ما سيحلف كذبا رجل مسلم، فيعطيه زيادة على الألف، وهو كاذب، اشتراها بأقل من ذلك، من أجل أن ينفق السلعة حلف كذبا. هذا الفعل كبير من كبائر الذنوب، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب إذا حلف كاذبا أنفق هذه السلعة، فصدقه صاحبه، فأخذ هذه السلعة وهو كاذب في ذلك. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.