كتاب الإيمان 62

كتاب الإيمان 62

الدرس في كتاب الإيمان 62، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

خطورة النميمة وحرمتها

النميمة كبيرة من كبائر الذنوب وتحرم نقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد. وردت أحاديث نبوية تشير إلى حرمتها ووعيد مرتكبها بعدم دخول الجنة.

كيفية التعامل مع النمام وحدود النميمة

يتعين عدم تصديق النمام ونصحه وبغضه في الله، مع ضرورة عدم نقل كلامه لتجنب الوقوع في النميمة. لا تعتبر النميمة محرمة إذا كان القصد الإصلاح أو دفع مفسدة.

الفرق بين النميمة والإصلاح

النميمة المحرمة تنطوي على نقل الكلام بقصد الإفساد، بينما الإصلاح ودفع المفسدة ليسا نميمة. يجب النظر إلى نية الناقل وقصده لتحديد الحكم الشرعي.

أهمية النصيحة المباشرة في تجنب النميمة

ينبغي لمن أراد النصيحة أن ينصح الشخص المعني مباشرة لتجنب الشر والفساد. النصيحة المباشرة هي السبيل للصلاح وتجنب الفتنة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين بن يسابوري الكشيري رحمه الله في صحيحه، في كتاب الإيمان: وحدثني شيبان بن فروخ وعبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، قالا: حدثنا مهدي، وهو ابن ميمون، قال: حدثنا واصل الأحدب، عن أبي وائل، وهو شقيق بن سلمة، عن حذيفة وابن اليمان رضي الله عنه، قال: إنه بلغه أن رجلا ينم الحديث، فقال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة نمام». قال: وحدثنا علي بن حجر السعدي وإسحاق بن إبراهيم، وهو الحنظلي، قال إسحاق: أخبرنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: كان رجل ينقل الحديث إلى الأمير، فكنا جلوسا في المسجد، فقال القوم: هذا من الذين ينقلون الحديث إلى الأمير. قال: فجاء حتى جلس إلينا، فقال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة قتات». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، وهو وكيع، عن الأعمش، قال: وحدثنا ابن جابر بن الحارث التميمي، واللفظ له، قال: أخبرنا ابن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: كنا جلوسا مع حذيفة في المسجد، فجاء رجل حتى جلس إلينا، فقيل لحذيفة: إن هذا يرفع إلى السلطان أشياء، فقال حذيفة: إرادة أن يسمعه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة قتات». هذا حديث حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يدخل الجنة نمام»، وفي لفظ: «قتات»، وهو بمعنى النمام. والنميمة، كما قال أهل العلم، هي نقل الكلام أو الحديث من شخص إلى آخر، لقصد الإفساد. نقل الكلام من شخص إلى آخر، أو من قوم إلى آخرين، لقصد الإفساد، فهذه هي النميمة، ويقال لها نميمة، ويقال لصاحبها نمام و«قتات»، الذي ينقل الحديث. فالنميمة كبيرة من كبائر الذنوب، ويدل عليه هذا الحديث، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بعدم دخول الجنة، أو أن النمام لا يدخل الجنة: «لا يدخل الجنة نمام»، وهذا الوعيد بحرمان دخول الجنة على الفعل، يدل على أنه كبيرة من كبائر الذنوب. ومثل ذلك أيضا مما يدل على أنه كبيرة حديث ابن عباس، لما أتى النبي عليه الصلاة والسلام، أو مر على قبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير»، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، يعني ينم الحديث، ينقله، ينقل حديث الناس، بعضهم إلى بعض، فأخبر أنه كان يعذب في قبره. فالنميمة محرمة، وذلك لما فيها من الإفساد العظيم الذي يفسد به النمام بين الناس، ينقل حديث هذا إلى ذاك، فيأتي إلى شخص ويقول: فلان يقول فيه كذا وكذا، ربما يكون صادقا، ربما يكون كاذبا، ويذهب إلى الآخر ويقول: فلان يقول فيه كذا وكذا، فكل واحد من هؤلاء يشتعل قلبه غيظا وحقدا على الآخر، أو بين طائفتين من الناس. ولذلك ذكر أهل العلم أنه ينبغي لمن نقل إليه أحد حديثا عن أحد من الناس، ربما يكون بينه وبينه صحبة وعلاقة، أن يعامله بأمور، منها ألا يصدقه في خبره، إذا جاء إنسان ينقل إليك خبرا ويقول: فلان يقول فيك كذا وكذا، لا تصدقه؛ لأنه يعتبر فاسقا، يعتبر النمام فاسقا، لا تصدقه فيما أخبر به. والأمر الثاني، كما ذكر الإمام النووي رحمه الله، أن ينهى عن ذلك وينصحه ويقبح له فعله، ينهى لأن هذه نميمة، يقول: لو تتق الله، هذه نميمة، لا يجوز أن تنقل هذا الكلام، وعليك بترك ذلك، وهذا فعل يقبح منك. والأمر الثالث، قال: أن يبغضه في الله تعالى؛ فإنه بغيض عند الله؛ لأن هذا الفعل محرم، وكبير من كبائر الذنوب، والله عز وجل يحب الإيمان والطاعة، ويكره الكفر والمعصية، فيجب بغضه في الله، تبغضه في الله؛ لأن هذا الفعل، كما سمعنا، فعل محرم. ومن تعود على هذا الفعل، فإنه يفسد أكثر مما يصلح، ويكون همه هو نقل الحديث من هنا إلى هناك، من شخص إلى آخر، فتبغضه في الله بسبب ما عنده من هذه المعصية، إلا إذا تاب منها وأقلع عنها، وحسنت سريرته، وحسن خلقه أيضا، فلا بأس حينئذ أن تصاحبه. والأمر الرابع، قال: أن لا يظن بأخيه الغائب السوء، يعني هذا الذي أخبر عنه أنه يتكلم فيه، لا يصدق بذلك، ويحسن به الظن، يحسن بأخيه الظن، وليظن به ظن السوء، وهذا مما يدفع عنه شر هذا النمام. وبعض الناس فيه شيطنة، يجد مثلا يرى اثنين متصاحبين، وهم بينهما صحبة ومحبة، فيقول: سأفرق بينهما، وهذا واقع، يعني ليس شيئا كما يقال بعيدا، بل أخبر بعض إخواننا أنه بينه وبين أخيه صحبة ومحبة، فقال له رجل: سأفرق بينكما، وحاول أن يأتي إلى هذا ويقول له بكلام، ويأتي إلى الآخر، لكن ما أذعن له، ولا سمع له، ما استطاع بحمد الله عز وجل أن يفرق بينهما. فمثل هذا يحصد، يعني يأخذ بعض الناس لضعف في إيمانه، يدخل في قلبه الحسد، يحصد أخويه على ما بينهما من صحبة ومحبة، فيريد أن يفرق بينهما، فيكذب، رجل ما يأتي لهذا، ويكذب يقول: أخوك يقول كذا، وصاحب يقول فيك كذا وكذا، يحاول أن يوجد بينهما فرقة. فلذلك إذا جاء من يخبرك أن فلان يقول فيك كذا وكذا، لا تصدقه، وأحسن الظن بأخيك، قل له: لا، أخي ما يقول هذا أبدا، أنا أعرفه، ما يقول هذا الكلام، وهذا بهذا تكسر هذا النمام، تكسر من شوكته ومن همته في النميمة. ومع الأمور المتقدمة من عدم تصديقه ونصحه وبغضه، قال: خامسا، أن لا يحمله ما حكي له على التجسس والبحث عن ذلك، يعني إذا جاء يخبره بأن فلان يقول كذا وكذا، ما يحمل هذا أن يتجسس على أخيه، لا يقطع هذا الأمر، يجزم بأن أخاه لم يقل ذلك، ولم يصدر منه ذلك، فلا يحاول أن يتجسس عليه، فيدخل في قلبه ماذا؟ الظن، يقع في قلبه الظن عليه، فيتجسس عليه، لا، اقطع هذا الأمر. قال: سادسا، أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، فلا يحكي نميمته عنه، فيقول: فلان حكى كذا، فيصير به نماما، لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، يعني لا ينقل الكلام، ما يقول: فلان قال كذا وكذا، فيقع هو في النميمة، يعني يسد هذا الباب، ويسكت، فلا يتكلم، ولا يذكر ما نقله هذا النمام عن أخيه، حتى لا يقع في النميمة. نعم، هذه الأمور ذكرها الإمام النووي رحمه الله، نقلا من كتاب «إحياء علوم الدين» للغزالي. وهذا الكتاب «إحياء علوم الدين» فيه ضلالات كثيرة، والإمام الغزالي رحمه الله قرأ كتب أهل الكلام من أجل أن يرد عليهم، فتأثر بها، وصار منهم، كما قال الإمام ابن العربي المالكي: «قرأ شيخنا الغزالي كتب أهل الكلام ليرد عليهم، فما استطاع أن يتقيأها»، يعني دخلت في جوفه، وما خرجت، فتأثر بها. وبعض العلماء يسمي هذا الكتاب «إماتة علوم الدين»، فيه يعني أمور عظيمة، وفيها بعض يعني الأمور التي تتعلق بالآداب ونحوها، ينقلها بعض أهل العلم، ويستفيدون منها. ولهذا فمثل هذا الكتاب لا يقرأه إلا عالم أو طالب علم متمكن، حتى يحذر مما فيه من أخطاء ومن ضلالات. والإمام العراقي رحمه الله رأى له تحقيقا على هذا الكتاب، حقق ما فيه من أحاديث. نعم، وعلى كل، ففي كتب أهل السنة، يعني الكتب الصافية النقية، غني عن هذا الكتاب. ومع ذلك إذا أراد أحد أن يقرأه، فكما قلنا: لا بد أن يكون طالب علم متمكن. طيب، هذه الأمور سمعناها، ينبغي فعلها مع النمام. الثاني والثالث قلنا: الأول عدم تصديقه؛ لأنه فاسق. الأمر الثاني: أن ينهى عن ذلك، أن ينهى عن ذلك وينصحه ويقبح له فعله. والأمر الثالث: أن يبغضه في الله؛ لأنه يعتبر بغيضا عند الله. طيب، إذا كان نقل الكلام ليكون لأجل الإفساد، وإنما لأجل الإصلاح، أو دفع مفسدة، أو تحذير من شر، أو نحو ذلك من المقاصد، فهذا لا يعتبر من النميمة المحرمة، لا يعتبر من النميمة المحرمة. مثلا: سمع شخصا يتوعد ويتهدد فلانا من الناس بالقتل، فجاء يخبره حتى يحذر منه، ويكون على حذر من أن يعتدي عليه أو يسفك دمه، فهذا لا يعد من النميمة المحرمة. أو مثلا: يخبر فلانا من الناس أن فلانا يطلبه، ويريد أن يوقع به شرا، طيب، أو أن فلانا مثلا، أو جماعة يريدون أن يفعلوا كذا وكذا من الشر، فيخبر ولي الأمر بما أراد هؤلاء أن يفعلوا من باب دفع شرهم، وكذلك أيضا سد الفتنة التي يريدون أن يوقعوا بها المسلمين، فهذا لا يعد من النميمة المحرمة. ثم بعد ذلك، نية الناقل للخبر وقصده، إنما الأعمال بالنيات، إنما الأعمال بالنيات، فإذا كانت النية كما سمعنا، هو قصد الإفساد، نحو ذلك، هذا المحرم. وإن كان لأجل الإصلاح ودفع المفسدة، فهذا أمر مطلوب، ولا يكون ذلك من نميمة محرمة. وأما ما ذكر في الأثر أن أخبر حذيفة رضي الله عنه أن فلانا ينقل الحديث إلى الأمير، هذا الظاهر أنه مراد بذلك أنه ينقل على جهة النميمة، وعلى جهة التجسس، أو شيء من ذلك، فلهذا أخبر حذيفة رضي الله عنه بفعله، وذكر حذيفة هذا الحديث، ذكر هذا الحديث حتى يسمع، ويعرف حكم هذا الفعل. وفي الرواية الثالثة: حتى يسمعه، فذكر ما سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام في قول: «لا يدخل الجنة قتات». وفيها أيضا من الحكمة في دعوة الداعي، أو في إنكاره للمنكر، قد يقتضي الأمر مثلا أن يتكلم بكلام عام، مع أنه قد يقصد معين، لكن لا يعينه، ما يقول: اسمع يا فلان، النبي صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا، لا يأتي بالحديث، فيسمع الجميع، ويكون هو منهم، ومن ضمنهم أنت. مثلا: تعرف الشخص يفعل شيئا منكرا، فتأتي بأدلة من الكتاب أو من السنة في النهي عن هذا الأمر، لكن ما تعينه، وإنما تأتي بها على جهة العموم، يسمع الجميع، كأنك تخاطب الجميع، تخاطب الجميع، وهذا من الأدب، كما مر معنا في «الأدب المفرد»، أن من خاطب قوما أو تحدث مع قوم، فلا يقابل أحدا من الحاضرين، لا يلتفت إليه، ويقابله بنظره أو بوجهه، فيظن أن الخطاب له. لا يجعل الخطاب للجميع، ثم من كان عنده هذا الأمر سينتبه، سينتبه، ويعرف أنه يعني ممن يتوجه إليه هذا الخطاب، وهذا النهي، فلعله أن ينتبه، أو يحذر، أو يرجع إلى الله، ويتوب، ويكف عما هو واقع فيه، وهذا من حسن الدعوة إلى الله جل وعلا، ومن الحكمة، ومن الأدب، وحسن الإنكار. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، وهذا من هدي عليه الصلاة والسلام، كان إذا خطب الناس، قال: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟»، «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟»، أقوام، ما يخص، ما يقول: فلان وفلان، يأتي بالألفاظ على جهة العموم، «ما بال أقوام»، «ما بال أناس»، ويعرف من كان حاضرا، وحصل منه هذا الأمر، يعرف أنه ممن يقصد بهذا الكلام، فيحصل المقصود من تبليغ من يراد إخباره بهذا الأمر. وأيضا يسمع البقية، فيحذرون من الوقوع في مثل هذا الأمر. إذا كانت المصلحة خفية، فلا ينقل الكلام، يسكت، لا ينقل الكلام، إلا إذا كان هناك أمر ظاهر من حصول مفسدة، أو حصول شر سيقع. أما الادعاءات، يدعي أنه ينقل من أجل الإصلاح، وهو في الحقيقة يريد الإفساد، هذا ما يقبل منه، إنه من عمل بالنيات، إذا كانت نيته أنه يفسد، ويدعي أنه يصلح، وأن هناك أمورا خفية، الإسلام يحكم بالعمل بالظاهر، الإسلام يحكم بالعمل بالظاهر، من أظهر خيرا قرب وأمن، ومن أظهر سوءا أبعد ولم يؤمن. وأما سرائر الناس وخفاياهم، فأمرها إلى الله، أمرها إلى الله. وهذا الباب، الحقيقة، باب خطير، يعني البعض ربما يقع في النميمة باسم النصيحة، وباسم الإصلاح، فيقع في النميمة، ينقل الكلام من هنا إلى هنا، ومن شخص إلى آخر، ويدعي أنه مصلح، هو في الحقيقة مفسد، هو مفسد وليس بمصلح، ونمام. والذي ينبغي إذا كان عنده نصيحة أن ينصح الشخص نفسه، وهذا الذي أخبره بالكلام، ينبغي أن ينصحه، كما مر معنا، يقول له: إذا عندك شيء، اذهب إلى الشخص هذا، وكلمه، ما في الداعي أنك تنقل هذا الكلام، وتتكلم بهذا الكلام، إذا أنت فعلا ناصح، اذهب إليه، وانصحه، ولماذا تتكلم؟ هذا سبب لحصول الشر والفساد. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.