الدرس في كتاب الخصومة 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث هذا الفصل عن شروط قبول الشهادة في الإسلام، حيث يشترط أن يكون الشاهد عادلا ولا تقبل شهادة القاذف أو البدوي على صاحب قرية. كما يحذر من شهادة الزور التي تعتبر من أكبر الكبائر.
يناقش هذا الفصل حكم تعارض البينات في الخصومات، حيث قسم المدعى عليه أو تراضيا، وقد اختلف العلماء في هذه الحالة بين تقسيم الحق بينهما أو إرجاع اليمين إلى المدعى عليه.
يتناول هذا الفصل أحكام الإقرار وآثاره، حيث يعتبر الإقرار سيد الأدلة ويلزم صاحبه إذا كان عاقلا بالغا غير هازل، ولا يكون بمحال عقلا أو عادة.
يفسر هذا الفصل قول النبي صلى الله عليه وسلم "لعلك غمزت، لعلك قبلت" ليس من باب الإقرار بل من باب الاستفهام، ويتم التطرق إلى هذا الموضوع لاحقا.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: والقاذف أيضا ممن لا تقبل شهادته، القاذف بنص كتاب الله جل وعلا، قال الله عز وجل: ﴿ولا تقبل لهم شهادة أبدا﴾، فلهذا فالقاذف إذا قذف من لا يستحق القذف، فهذا يعتبر أنه شهادته باطلة إذا شهد، لا تقبل شهادته. وشهادة البدوي على صاحب قرية أيضا لا تقبل، شهادة البدوي على صاحب قرية إذا كان إنسان من أهل بادية وشهد على رجل من أهل قرية، لا تقبل هذه الشهادة. وقد جاء في حديث أبي هريرة عند أبي داود مرفوعا «أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا تجوز شهادة البدوي على صاحب قرية»، وهذا الحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني في «الأرواء»، لكن استنكره جماعة من العلم، فالإمام الذهبي رحمه الله في «الملخص» أو في «التلخيص على المستدرك» قال: «منكر على نظافة سنده»، قال: «منكر على نظافة سنده». والذين صححوا قالوا: إن البدوي لا تقبل شهادته على الحضري لأن البدوي عنده جفاف الدين، وأيضا غالبا البدو لا يضبطون الشهادة. وحمل بعض العلم هذا الحديث على الأغلبية، على أن البدو غالبا لا تعرف عدالتهم، غالبا لا تعرف عدالتهم. وأما من عرفت عدالته من البدو، ولو كان من البدو لكن عرف أنه رجل ثقة ورجل مستقيم، فالصحيح أنها تقبل شهادته، هذا على صحة الحديث، فيحمل هذا الحديث على هذا، على أن من كان ثقة وعدلا فهو تقبل شهادته. وإنما هذا يحمل على الأغلب، يحمل على الأغلب أن البدو غالبا لا يعرفون وتكون فيهم جهالة أيضا. قال أيضا: «وتجوز شهادة من يشهد على تقرير فعله أو قوله إذا انتفت التهمة»، هذه المسألة ذكرها هنا المؤلف رحمه الله، قال: «ولا بدوي على صاحب قرية وتجوز شهادة من يشهد على تقرير فعله أو قوله إذا انتفت التهمة». وهذه المسألة عند كثير من العلم أنه ليس هناك ما يمنع من الأدلة على ذلك. والمراد بالمسألة: من يشهد على تقرير ما فعله، مثلا يشهد أنه قال لفلان كذا وكذا، أو يشهد على فعله مثل خبر المرضعة، فإنها شهدت على أنها أرضعت خلان هذا الرجل وزوجته، فهذه شهدت على تقرير فعلي. وأيضا مثلا لو أن إنسانا حصلت خصومة مثلا بين شخصين، فقال هذا الشخص: قد أعطيتك أو أعطيتك مالا أخذته منك دين، وقال هذا الرجل: لا أعطيتني شيئا، فجاء شاهد وقال: قد سلمته لك، أنا سلمته لك، فهذا شهد على تقرير فعلي. وهكذا فهذا الصحيح أنه تقبل شهادته إذا انتفت التهمة، إذا كان لم يتهم هذا الشاهد بشيء من الكذب وغيره، فتقبل شهادته إذا كان عدلا. وقال: «وشهادة الزور من أكبر الكبائر»، لحديث أنس بن مالك في الصحيحين وغيرهما، قال: «ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكبائر أو سئل عن الكبائر، فقال: الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين»، وقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟»، في حديث أبي بكرة «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان متكئا فجلس، وقال: «وقول الزور وشهادة الزور»، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. فهذه يدل على أن شهادة الزور كبيرة من كبائر الذنوب، بل من أكبر الكبائر. والمراد بشهادة الزور: أن يشهد على كذب، أن يشهد على كذب، معنى يشهد على شيء لم يره ولم يسمع به، فيشهد على أن فلان فعل كذا أو أعطى كذا، وهو لم يشهد ذلك ولم يسمع أيضا شيئا من ذلك، فيشهد على زور. وشهادة الزور كبيرة من كبائر الذنوب. قالوا: إذا تعارضت البينتان ولم يوجد وجه ترجيح، قسم المدعي. المدعي هنا عندي: المدعي هو الذي يدعي شيئا على شخص آخر، فهذا المدعي يقسم إذا تعارضت البينتان، يعني يجعل المدعي هو الذي يقسم ويأخذ هذا الحق الذي تخاصم عليه. معنى أقصد قسم المدعي: أن يقسم بينهما، المدعي معنى المدعي الذي الدعي أنه مثلا شخص داع على شخص بمئة ألف، هذا المدعي، والمدعى به هو المال، هذا يعني عندنا مدع ومدعى به ومدعى عليه، المدعى به هذا المال أو الشيء الذي ادعاه المدعي، فهذا المدعي يقسم إذا كانت تعارضت البينتان، هذا جاء ببينه وهذا جاء ببينه، هذا عنده شهود وهذا عنده شهود، هذا يقول: أعطيتك مئة ألف، وهذا يقول: أعطيتني خمسين، أو كل واحد يدعي أن هذا المال ماله، فهذا أو هذا البيت بيته، فهذا جاء له بشهود على أن هذا البيت بيته، وذاك جاء بشهود على أن البيت بيته، فتعارضت البينات. البينات هنا يقسم المدعى عليه، يعطى هذا نصف وهذا نصف، أو على حسب الدعوى. وقد جاء في ذلك حديث «بموسى»، لكن الصحيح فيه الإرسال، «أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم بينهما نصفين». وجاء من حديث «أبي هريرة» أيضا كذلك. وأكثر العلم رجح فيه الإرسال، أي الحديث نفسه، حديث «أبي هريرة»، نفس حديث «بموسى»، والصحيح فيه الإرسال من طريقي «تميم بن طرفة»، «تميم بن طرفة» وهو تابعي، فلهذا لم يصح هذا الحديث. لكن الحكم قد قال به كثير من العلم: أنه يقسم بينهما إذا تعارضت البينتان. وبعض العلم يقول: يرجع اليمين إلى المدعى عليه إذا تعارضت البينتان، يرجع اليمين إلى المدعى عليه. ولكن احيانا ليس هناك مدعي، كلاهما يكون مدعيا، هذا يدعي أن هذا مثلا السيارة له، وهذا يدعي أن السيارة له، كلاهما يدعي، كلاهما جاء بشهود على أن هذه السيارة له، فكيف يفعل؟ إما أنه يعطى أحدهما السيارة ويدفع لصاحبه نصف المال، وإما أنه يتراضون فيما بينهم، أن يكون صلح فيما بينهم. أنا الآن القاضي كيف يحكم؟ هذا عنده بينة وهذا عنده بينة، هذا يقول: هذه السيارة حقي، وجاء بشهود يقولون: هذا نعم، هذا سيارة فلان. وقد يكون عندهم حق، لكن اشتبهت عليهم السيارة، أن السيارة نفس السيارة التي لفلان. وهذا يقول: هذه سيارة حقي، مثلا سرقت سيارة هذا وهذا، ثم وجدت أحدهما، وهي متشابهتان، فهذا يثبت أنه حقه بشهود، وهذا يثبت أنه حقه بشهود، فكيف يفعلان؟ معنى: تسلم إليهما جميعا، فيتراضيا، إما أحدهما يأخذها ويعطي صاحبه نصف القيمة، وأما إن كان شيء مما يقسم فيقسم بينهما نصفين. قالوا: إذا لم يكن للمدعي بينة، فليس له إلا يمين صاحبه، ولو كان فاجرا. وهذا قد تقدم، ولحديث «الأشعث بن قيس» في الصحيحين، عندما كانت بينه وبين صاحب له خصومة في بئر، فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «شاهدك أو يمينه»، إما أن تأتي بشاهدين -أي صاحب المدعي- أو تحلف أنت المدعي. فقلت: قال «الأشعث» فقلت للنبي صلى الله عليه وسلم: «إنه إذن يحلف ولا يبالي»، أنه رجل فاجر، فقال: «من حلف على يمين يقطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان». أنا يقول: إنه ما دام أنه فاجر لا يبالي على ما حلف، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «ليس لك منه إلا ذلك»، لأن هذه الأحكام وإن كانت أحكام ظاهرة فهي أيضا أحكام باطنة، أي ترجع إلى الله عز وجل. فالذي يدعي أن هذا الشيء له ويحلف وهو يحلف بعظيم. ولهذا من سنة الله عز وجل فيمن يحلف يمينا زورا وكذبا: أنه يلقى عقوبة، يلقى عقوبة، وغالبا أنه يموت. ولهذا القصة التي ذكرها «ابن عباس» في القسامة -كما سيأتي إن شاء الله في القسامة- فكل الذين حلفوا ماتوا، منهم خمسون رجلا، كلهم ماتوا إلا اثنين. والاثنان هؤلاء الذين لم يحلفا، فأحدهما عفا عنه «أبو طالب» أنه لا يحلف، والثاني افتدى بيمينه ببعيرين، افتدى بيمينه ببعيرين. فلهذا هؤلاء الاثنين هم الذين بقوا، وأما كل الخمسين أو ثمانية وأربعين كلهم ماتوا، معنى ما دار عليهم الحول إلا وماتوا. وهذا يدل على عظم اليمين. قالوا: من أقر بشيء لزمه. وتقدم أن الإقرار سيد الأدلة، وأنه المقدم في الأدلة، فمن أقر بشيء لزمه، ما دام أن إقراره عن صحة، عن إقراره ليس عن جنون أو ليس عن اضطرار أو إكراه، فإن كان مكرها على هذا الإقرار أو كذلك به جنون، فهذا لا يلزمه. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال «لماعز»: «أبيك جنون؟» قال: لا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: «استنكه»، استنكه معنى: شم رائحة فمه، معنى لعله سكران، أنا يأتي بهذا الكلام وهو سكران، فقال: لا يا رسول الله، وإنما قال: «أنكتها»، لا تكني، أنا أني فعلت هذا الفعل. فلهذا فالإقرار يؤخذ به أو يؤخذ به شخص. قال: «ومن أقر بشيء لزمه»، وكذلك هذا الإقرار قال: «أنه لا يكون من هازل»، فقال هنا المؤلف رحمه الله: «أن أقر بشيء عاقلا، بالغا، غير هازل، ولا بمحال عقلا أو عادة، لزمه»، أقر به كائنا ما كان، ويكفي مرة واحدة، من غير فرق بين موجبات الحدود وغيرها، كما سيأتي -أي في الحدود- فإذا أقر وهو هازل، فإقراره لا يلزم، لأنه لم إذا كان عرف أنه هازل، وأيضا لأنه إقرار ليس بصحيح. أيضا كذلك إذا أقر بما يحيله العقل أو العادة، هذا يدل على أنه كذب، معناه أنه مثلا يقول شيء غير معقول، أنا مثلا يقول: جاءني هواء أخذني فوق، ثم جئت وسقطت مثلا فوق هذا الشخص ومات، فلما قيل له: من قتل هذا؟ يقول: أنا جئت فوقه، لكن أخذني الهواء بعيدا جدا ثم سقطت فوق هذا الرجل، فهل هذا معقول؟ هذا غير معقول، أو يذكر شيء من هذا القبيل. وأما أنه لا يكرر الإقرار، فهذا مسألة خلاف بين العلم، لأن بعض العلم يقول: أنه يكرر أربع مرات، يقال له: افعل كذا، لعلك فعلت كذا، معناه يقال له: هل فعلت هذا الفعل؟ يقول: نعم، يقال له: هل فعلت هذا الفعل؟ يكرر عليه، سواء كان في سياق واحد أو في غيره من السياقات. طيب فهذا سيأتي إن شاء الله في الإقرار بالزنا، لأن بعض العلم أخذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم «الماعز»: «أن من فعلا فاعترف، فإنه يقر عليه أربع مرات». وجاء في حديث «أبي هريرة»: أنه أقر «ماعزا» أربع مرات. لكن فيه خلاف أي الحديث، لكن قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لعلك غمزت، لعلك قبلت» وغيره من هذا. وهذا ليس باب الإقرار أو تكرار الإقرار، هذا ليس من باب تكرار الإقرار، وإنما هذا من باب الاستفهام فقط، هذا من باب الاستفهام. وسيأتي إن شاء الله الكلام على ذلك. طيب إن شاء الله نكتفي بهذا والله أعلم.