الدرس في مقتطفات من الرياض الناضرة 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المحاضر أن المصائب والابتلاءات في حقيقتها رحمة إلهية وليست نقمة، فهي تدفع العبد للتوبة وتكفر سيئاته وتهذب أخلاقه وترفع درجاته. ويؤكد أن الصبر عليها مع الاحتساب يجلب الفرج واليسر بعد العسر.
يستعرض المقطع أدلة من القرآن والسنة على أن الصبر مفتاح الفرج ونيل الأجر، مستشهداً بقوله تعالى "إن مع العسر يسرا" وحديث ابن عباس. ويوضح أن الصبر يعين على قضاء حوائج الدنيا والآخرة بينما الجزع يضاعف المصيبة ويحرم الثواب.
يفصل المقطع في فضائل الصبر وثمراته من الأجر والثبات وقوة الإيمان، مبيناً أن الجزع لا يرد القدر بل يزيد الحزن والندامة. ويختم بالتأكيد على أن كل خير ينال بالصبر مع الحث على الشكر في السراء والضراء وأن أعظم النعم نعمة الإيمان والعلم.
أعلن المحاضر انتهاء جلسة اليوم مؤكداً أن بقية الحديث ستُستكمل في درس قادم إن شاء الله. وختم الجلسة بالتذكير بأن العلم كله عند الله تعالى.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه «الرياض الناظرة»، في كلامه على فضل الصبر على المكاره والشكر على المحاب: وقد قرأنا شيئا من هذا الفصل، ثم قال رحمه الله تعالى: «ومتى أصابك مكروه في بدنك أو مالك أو حبيبك، فاعلم أن الذي قدره حكيم، لا يفعل شيئا عبثا، ولا يقدر شيئا سدى، وأنه رحيم قد تنوعت رحمته على عبده: يرحمه فيعطيه، ثم يرحمه فيوفقه للشكر، ويرحمه فيبتليه، ثم يرحمه فيوفقه للصبر. فرحمة الله عليك متقدمة على التدابير السارة والضارة، ومتأخرة عنها». ومعنى كلامه هذا: أن المسلم ينبغي أن يسلي نفسه إن نزل به بلاء، أن هذا التقدير من الله عز وجل فيه خير له، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فلعل نزول هذه المصيبة سببا في رجوع صاحبها إلى الله، وتحسن حاله، وهكذا استقامته. فلربما إذا فقد له حبيب رجع وتاب وأناب، وإذا ابتلي في جسده أو في ماله تذكر، وربما أنب نفسه أن هذه المصيبة عقوبة من الله على خلل عنده، من تعامل بربا، أو أكل مال حرام، أو إلى غير ذلك، فتكون هذه المصيبة سببا لرجوعه وتوبته وتذكره وإنابته، وإلى غير ذلك. فكما قال الشيخ رحمه الله: لا يقدر الله شيئا إلا وهو رحمة بذلك العبد، فيرحمه فيعطيه، فالعطاء رحمة، ثم يوفق هذا العبد للشكر، فالشكر رحمة، ثم يبتلى هذا العبد، فالابتلاء رحمة، ثم يلهم هذا المبتلى إلى الصبر، فالصبر رحمة. فلا تظن أن البلاء نقمة من الله وبغض من الله لك، وإنما هو رحمة منه عز وجل لترجع إليه، وكما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، لعلهم يرجعون، أن يتوبون وينوبون إلى الله سبحانه وتعالى. وقوله: «فرحمة الله عليك متقدمة»، يعني عند نزول النعماء، ولذلك قال: «على التدابير السارة والضارة»؛ الضارة لأن نزول هذا البلاء سبب لإصلاح نفسك، ومتأخر عنه، أي بعد حدوثه. ثم قال رحمه الله: «ويرحمه أيضا بأن يجعل ذلك البلاء لذنوبه كفارات، ولمقامه خيرا ورفعة ودرجات». ولذلك صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى العبد على قدر إيمانه، فإن كان في إيمانه صلابة اشتد عليه البلاء». فالبلاء إن صبر صاحبه فهو من أعظم أسباب تكفير السيئات وحط الذنوب والخطيئات. «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من سيئاته». كل هذه المصائب تكفير لك من السيئات، فلا شك أن ذلك من رحمة الله عز وجل بك إن صبرت واحتسبت الأجر من الله سبحانه وتعالى. قال: «ويرحمه بأن يجعل ذلك المكروه منميا لأخلاقه الجميلة، مربيا على الأعمال والأقوال الزكية»، فيبتلى فلا يسب، ولا يتضجر، ولا يتسخط، ولا ينهر، ولا يخدش وجها، ولا يشق ثوبا، فيكسبه هذا البلاء أخلاقا جميلة من التحمل ومن التصبر، وإلى غير ذلك. فمن فوائد البلاء أن يجعل ذلك المكروه منميا لأخلاقه الجميلة، مربيا على الأعمال والأقوال الزكية. قال: «فإذا فهم العبد في التقدير هذه الرحمات، ولحظ هذه الألطاف المتنوعات، لم تتأخر نفسه إن كانت نفسا حرة على الصبر على المكاره، والاحتساب، ورجاء الأجر، والارتقاب، ثم رجاء السلام والفرج من الملك الوهاب». قد تبتلى ويشتد عليك البلاء، فتصبر وتحتسب، ثم بعد ذلك أبشر بالفرج، فإن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. هنا العسر معرفة، واليسر نكرة، وعرف العسر: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾؛ لأن التعريف يدل على الحصر والحد، فهو عسر واحد، وأما التنكير فهو يدل على التعدد، فهو يسر متعدد. ولذلك قال بعض العلماء: «لن يغلب عسر يسرين»، لأن العسر أتى معرفا فهو عسر واحد، وأما اليسر فأتى منكرا فهو يسر متعدد. فلن يغلب عسر يسرين. وهكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرا»، في الحديث المشهور: «احفظ الله يحفظك»، في بعض رواياته. فإذن عاقبة الصابر حميدة: أجر، ثواب، تكفير للسيئات، وتقوية للإيمان، ثم بعد ذلك فرج من الملك الوهاب سبحانه وتعالى. ثم قال رحمه الله: «من استكمل مراتب الصبر والشكر فهو الكامل في كل أحواله، فإن الصبر آلة عظيمة تعين العبد على جميع الأمور الصعبة». قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، أي على جميع أموركم. فمن أعظم ما يستعان به على الأمور الصعبة من المصائب والابتلاءات الصبر. الصبر: أنظر الآن في أحوال الناس، تجد إنسان أموره ميسرة، مع أنك لو نظرت في حالته المادية لرأيتها شديدة، ولكن بسبب صبره يسر الله عز وجل عليه أموره. وذاك الآخر عنده من الأموال، وعنده من كذلك الثرى والغنى، ومع هذا أموره ضيقة وحاله شديدة، لماذا؟ لأنه لم يتحلى بالصبر. فبالصبر تنال ما تريد: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. فبالصبر تنال ما تريد، ويعينك الله عز وجل على قضاء أمورك. وتمعن هذه الآية: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، فهما أكبر عون على قضاء حوائج الإنسان. قال: «فمن شرع في عمل من الأعمال وصبر عليه وثابر، رجي له النجاح، ومن ضعف صبره وثباته لم يتم له فلح». انظر إلى هذه العبارات، مع أنها موزونة، وكما سمى كتابه رحمه الله «الرياض الناظرة»، فهذه الكلمات مع ترتيبها إلا أنها قوية المعنى. فكما ذكر رحمه الله: «من شرع في عمل من الأعمال»، بدأ في عمل من الأعمال، أردت مثلاً أن تهاجر لطلب العلم، فمن صبر وتحمل، يوم يأتيه خبز جاف، ويوم يأتيه أرز ما عليه شيء إلا ربما شيء من الكوسة، ويوم ما يجد ما يأكله، لكنه صبر واجتهد وتحمل، فإنه ينال العلم، فإن العلم لا ينال براحة الجسد. براحة الجسد حتى في أمور الدنيا: لو أردت الاكتساب في أي عمل من الأعمال، إن لم يكن عندك صبر ما تستطيع الاستمرار. يقولون: فلان يتنقل من عمل إلى عمل، لماذا لم يثبت؟ قالوا: ما عنده صبر، ما عنده صبر، يريد في أول وهلة أن يتحصل على المال الكثير، ما عنده صبر، ما يفلح، ما يفلح. فقوله: «فمن شرع في عمل من الأعمال وصبر عليه وثابر رجي له النجاح»، ينجح ليس في عمل الدنيا فحسب، بل عمل الآخرة أعظم. أردت أن تحفظ القرآن، إن شاء الله تنجح في ذلك لكن بالصبر. أردت أن تبني بيتا، تستطيع إن شاء الله وتنجح في ذلك لكن عليك بالصبر، تجد وتجتهد وتعمل وتتحمل، وربما تضحي بأشياء تحبها من أمور هذه الدنيا، تتركها من أجل أن تبني بيتك، هذا من باب الصبر، هذا من باب الصبر. وهكذا: «ومن ضعف صبره وثباته لم يتم له فلح أبدا»، فتجده مشتتاً، وتجده فاشلا، لأنه لم يتحلى بالصبر. قال رحمه الله: «إذا أصيب العبد بمصيبة فلجأ إلى الصبر والاحتساب، خفت وطأتها، وهانت مشقتها، وتم له أجرها، وكان من الفضلاء الكرام. ومن ضعف صبره وحضر جزعه، اشتدت مصيبته، وتضاعفت آلامه القلبية والبدنية، وفاته الثواب، واستحق العقاب، ولا بد أن يعود في آخر أمره فيسلو سلوى البهائم، وذلك من أخلاق اللئام». انظروا إلى هذه العبارات الجميلة اللطيفة: فمن نزلت به المصيبة لا بد أن يصبر في آخر أمره، فيسلو، كما قال: «سلوى البهائم». البهيمة الآن لو قطعت رجلها أو شُجَّ رأسها، تصيح في أول الأمر ثم تهدأ، ما معها إلا الهدوء، وهو معنى الصبر. وهكذا أنت: إذا لم تحتسب الأجر وتصبر في أول الأمر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». فمن صبر في أول أمره فإنه ينال هذه الثمرات العظيمة: للصابرين أجر، وهكذا تهون عليه المصيبة، وهكذا ينال مبتغاه بصبره وتحمله. قال رحمه الله: «بشر الصابرين على مشقة الطاعات، وترك المخالفات، وآلام المصيبات، بتوفية أجرهم بغير حساب». أخذ ذلك من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: «وأنذر الجازعين المتسخطين لأقدار الله بتضاعف المكاره، وفوات الأجر، وحلول الوزر والعقاب». ثم قال: «إن الجزع لا يرد الفائت». لو خسرت تجارة، أو أخذ منك ولد، أو إلى غير ذلك من المصائب، فجزعت على ذلك، هل هذا الجزع يرد لك ذلك المفقود؟ لا والله، ما يرد لك هذا المفقود، فلما الجزع؟ ما فائدته؟ فلذلك قال: «إن الجزع لا يرد الفائت»، ما يرد الشيء الذي قد فات، ولكنه يحزن الصديق، ويسر الشامت. هذا الذي يعني يحدثه الجزع: يحزن الصديق، صديقك إذا رآك حزينا حزن لحزنك، وأما عدوك إذا رآك حزينا فرح وشمت بك. فإذن لا خير في الجزع. قال رحمه الله: «الصبر مؤذن بالقوة والشجاعة والثبات والإيمان، والجزع عنوان الجبن والضعف والهلع والخسران». عبارات جميلة لطيفة: الصبر مؤذن بالقوة، الصبر دليل على قوة إيمان العبد، وعلى شجاعته وثباته وصدق إيمانه، كل هذا دليل على الصبر. وأما الجزع فهو دليل على جبنه وضعفه وهلعه وخسرانه. قال رحمه الله: «ما نال من نال من خير الدنيا والآخرة إلا بالصبر»، كما قال عليه الصلاة والسلام: «وما أعطي أحد عطاء خير وأوسع من الصبر». فما نال من نال من خير الدنيا والآخرة إلا بالصبر، ولا حرم من حرم إلا بفقده. قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. فإذن ما نال من نال من خير الدنيا والآخرة إلا بالصبر، فعليك أن تتحلى به. قال رحمه الله: «بالصبر يرتق العبد إلى أعلى المقامات، وهو مقام الشاكرين، الذين يشكرون الله على السراء والضراء، واليسر والعسر». يشكرون الله في كل أحوالهم: يشكرونه على نعمة العافية والصحة وسلامة الأبدان، ويشكرونه على نعمة الأسماع والأبصار والعقول والبيان، ويشكرونه على تيسير الرزق والأسباب المتنوعة التي بها تكتسب الأرزاق، وخصوصا إذا يسر الله للعبد سببا مريحا لقلبه معينا على الخير، فإن هذه من بركة الرزق وكماله. رزق مبارك: عمل يسير ويسد حاجة الإنسان، فإن هذا الرزق رزق مبارك، فهو من بركة الرزق وكماله. قال: «ويحمدون الله على دفع المكاره والملمات، وكذلك يحمدون الله أبلغ حمد على نعمة الإسلام والإيمان والهداية إلى الخير والتوفيق للإحسان». نعمة الله بالتوفيق للتقوى أجل النعم وأعلاها، أجل النعم أن توفق أخي المسلم إلى تقوى الله، إلى الهداية، إلى الاستقامة، إلى التمسك بالكتاب والسنة، هذه أعظم كرامة، وكذلك أجل نعمة أنعم الله عز وجل بها عليك، فأكثر من حمد الله عز وجل على هذه النعمة. ثم استدل بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. وامتنان الله عز وجل على عباده بهذه النعمة خاصة دليل على جلالتها وعظمتها. فامتنى الله عز وجل على المؤمنين بنعمة الهداية: إرسال الرسول الذي يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فهذه أعظم نعمة امتنى الله عز وجل بها على عباده المؤمنين. قال: «من حصلت له نعمة العلم والإيمان فقد تمت عليه النعمة من جميع الوجوه». هذه أعظم نعمة ينبغي للمسلم أن يسعى إليها وأن يحرص على تحصيلها، وهي نعمة العلم والإيمان. فمن حصلت له نعمة العلم والإيمان فقد تمت عليه النعمة من جميع الوجوه، وقد نال من ربه كل ما يؤمله ويرجوه. طيب، نكتفي هذا اليوم بهذا، والحديث أيضا بقيته نكمله إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.