التعليق على كتاب الداء والدواء 126

التعليق على كتاب الداء والدواء 126

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 126، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

ابتلاء يوسف عليه السلام بعشق امرأة العزيز

يتناول المقطع تحليل ابن القيم في "الداء والدواء" لعشرة عوامل جعلت فتنة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز شديدة، مبيناً قوة الداعي وزوال الموانع. ويختم بتحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الدخول على النساء وقوله: "الحمو الموت".

خطر الخلوة بأقارب الزوج ودروس العفة

يبرز المقطع خطورة التساهل في خلوة أقارب الزوج بالزوجة مستنداً إلى آيات الحجاب وأسباب الفتنة كقرب الوساد وطول السواد. ويستعرض كيف استعاذ يوسف بالله واختار السجن عصمةً لدينه، داعياً الشباب للاستعاذة ومعرفة النفس.

العصمة من الفتن ومجاهدة النفس

يؤكد المقطع ضرورة تعاهد الإيمان ومراقبة الله في الرخاء لتنجو العبد في الشدائد، مستشهداً بفرار يوسف من الفتنة ودعائه. ويحذر من فتنة النساء ووساوس الشيطان، مشيراً إلى أن العشق المحرم داء لا يشفيه إلا علماء القلوب.

خطر العشق الشركي وتقديم محبة المعشوق

يشرح المقطع كيف يبلغ العشق حد الشرك عندما يُقدّم العاشق رضا معشوقه على رضا ربه، مستشهداً بوصية الشافعي لكتمان الوجد. وينبه إلى أن هذا الداء قد يصيب طلبة العلم والدعاة، ولا نجاة إلا بالتوبة الصادقة وإخلاص العبادة لله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا وشفيعنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع "الداء والدواء"، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، وهو يعتبر رسالة عظيمة، ويعتبر كتاباً نافعاً من كتب شيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وابن القيم رحمه الله تعالى في هذه الفصول يتكلم حول علاج هذا الداء، ألا وهو داء العشق. فذكر في هذا الفصل أنه ختم الجواب بفصل يتعلق بعشق الصور، وما فيه من المفاسد القلبية والدينية العاجلة، وهكذا الآجلة. وذكر رحمه الله تعالى أنها مفاسد كثيرة، وكثيرة جداً، أضعاف أضعاف ما يذكره ذاكر. وذكر رحمه الله تعالى أن الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس. حكى هذا المرض، يعني به ماذا؟ يعني به مرض العشق عن طائفتين من الناس. نعم، ما هما؟ تماعني يا أبا موسى، ما هما عن طائفتين من الناس؟ ها، طيب، أحسنت. قلنا: ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن الله عز وجل ذكر هذا المرض عن طائفتين من الناس. الأولى: يا أبا محمد، اللوطية، الذين ماذا؟ ابتلوا بعمل قوم لوط. نعم يا أبا محمد. والفريق الثاني: النساء. أحسنت. إذن: النساء واللوطية. وذكر رحمه الله تعالى أولاً الكلام حول النساء، وكيف أن هذا المرض قد يتمكن لدى الكثير من النساء. وذكر قصة نبي من أنبياء الله عز وجل حصل له ابتلاء شديد في هذا الباب بسبب عشق بعض النساء. فمن هو هذا النبي يا أبا طاهر؟ يوسف عليه الصلاة والسلام، كما ذكر الله عز وجل قصته في تلك السورة العظيمة، وما وقع له في بيت عزيز مصر، ومراودة امرأة العزيز ليوسف عليه الصلاة والسلام، وراودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلقت الأبواب، وقالت: هيت لك. قال: معاذ الله، إنه ربي، أي سيدك. هذا ربي، أو زوجك، هذا يعتبر ربي، يعني سيدي، يعني سيدي، أحسن مثواي، إنه لا يفلح الظالمون. الآيات كما هي في سورة يوسف. وذكر ربنا تبارك وتعالى فيها ما حصل ليوسف عليه الصلاة والسلام من الابتلاء. وذكر رحمه الله تعالى ذكرها هنا، أن الابتلاء الذي ابتلي به يوسف عليه الصلاة والسلام من عشق امرأة العزيز له، ومراودتها له عن نفسه، هذا يعتبر من الابتلاء العظيم الذي لا يستطيع الصبر عليه إلا من صبره الله عز وجل. إلا من صبره الله عز وجل. ولهذا قال الله عن يوسف: ﴿إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾، ﴿وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾. فهذه فتنة عظيمة جداً، أعظم من الفتنة الأولى التي وقعت له في صغر سنه. ما هي الفتنة والابتلاء الذي وقع ليوسف في صغر سنه يا أبا أسامة؟ ما هو الابتلاء الذي وقع ليوسف وهو صغير؟ تمام، الإشارة صحيحة. فعبر الابتلاء من قبل، من مع من؟ مع إخوته. ماذا فعل به إخوته؟ أين وضع؟ في البئر. أحسنت. طفل صغير يا إخوان، يوضع في بئر، يوضع في بئر، هذا ابتلاء شديد. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. ثم كان من إخوته أن باعوا يوسف بثمن بخس، دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين. وهناك نشأ وشب في قصر عزيز مصر. ﴿فَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. هنا وقع له ابتلاء أعظم كما سبق، وهو الابتلاء الذي كان مع امرأة العزيز، ومراودتها له عن نفسه. وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن قوة هذا الابتلاء من حيث ماذا؟ أن موافقة الفعل بحسب قوة الداعي، أي الشيء الذي يدعو إلى الوقوع وفعل هذه الجريمة، وزوال المانع، أي الذي يمنعه من فعلها. قال: وقد كان الداعي هنا في غاية القوة، وذلك من وجوه سبق معنا أن ذكرنا الوجه الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس. قال رحمه الله تعالى في الوجه السابع: قال أنها طلبت وأرادت وراودت وبدلت نفسها وجهدها، فكفته مؤونة الطلب وذل الرغبة إليها، بل كانت هي الراغبة الطالبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه، مع أنها ذات حسن وجمال ومنصب ودلال. الأصل يا إخوان أن الرجل هو الذي يطلب، والرجل هو الذي يذهب ويبحث ويراود ويغازل إلى غير ذلك. هنا امرأة العزيز كفت يوسف هذه المؤونة، فهي التي تعرض نفسها، بل وتلح عليه، بل وتلح عليه. وماذا كان من يوسف عليه الصلاة والسلام؟ الامتناع. قال الثامن: أنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها، بحيث يخشى أن يوسف أنه إن لم يطاوعها آذته، آذته. قال: فاجتمع داعي الرغبة والرهبة. ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾. إذن هي ماذا؟ هي صاحبة السلطان، هي سيدة البيت، وهو مولى عندها في القصر. قال التاسع: أنه أي يوسف لا يخشى أن تنم عليه هي، ولا أحد من جهتها. ومعنى قوله أنه لا يخشى أن تنم عليه، أي أن تقوم هذه امرأة العزيز بماذا؟ بالوشاية به، وتسعى في الإفساد والفتنة، لأنها هي الحريصة على هذا الأمر، وتطلب أن يفعل بها هذه الفعلة. ولا أحد من جهتها كذلك أيضاً يفعل ذلك. لماذا؟ قال: فإنها هي الطالبة والراغبة، وهي ربة البيت الحاكمة على ما فيه. ولأجل هذا قال: ﴿وَقَدْ غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَغَيَّبَتِ الرُّقَبَ﴾. أغلقت الأبواب لكي يأمن ولا يخاف فيطيعها. وهكذا غيبت وأبعدت من كان حول المكان لكي لا يطلع ويكتشف هذا الأمر. قال العاشر: أنه كان في الظاهر مملوكاً لها في الدار، بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها، ولا ينكر عليه، ولا ينكر عليه. قال: فكان الأنس بينه وبينها سابقاً على الطلب. يعني قبل أن تطلب منه هذا الفعل وهذه الجريمة، هو يعتبر من أهل البيت، وتحت سلطانها، ووجوده ودخوله وخروجه هذا ليس من الأمور المستنكرة، ليس من الأمور المستنكرة. قال: وهو من أقوى الدواعي، من أقوى الدواعي. ولهذا يا إخوان، في حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والدخول على النساء». ما معنى «إياكم»؟ هذا اسم فعل الأمر بمعنى: احذروا، احذروا. «إياكم والدخول على النساء». قالوا: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟ من الحمو؟ من الحمو يا أبا جعفر؟ قالوا: أرأيت الحمو؟ ها، أعد الأخت، أقارب الزوجة، ما في مشكلة إذا هم أقارب الزوجة، أخوها وأبوها وابنها وخالها وعمها، هؤلاء محارمها. لكن المشكلة في أقارب من؟ في أقارب الزوج. أحسنت. إذا الحمو هم أقارب الزوج، من إخوانه وأعمامه وأخواله، وهكذا أبناء العم وأبناء الخال وغيرهم وغيرهم. هنا يأتي الإشكال: «أرأيت الحمو؟» قال: «الحمو الموت». إذن الخطر يكمن في ماذا؟ في هؤلاء. ولماذا الخطر يكمن في أقارب الزوج أكثر من غيرهم من الغرباء؟ لأن أقارب الزوج دخولهم وخروجهم قد لا يستغرب. أين يذهب هذا الرجل؟ هذا عمه، خلاص يدخل. هذا خاله، هذا قريبه، الناس ما ستستغرب دخولهم وخروجهم. بخلاف الغريب والرجل البعيد، فيستغرب منه ذلك. ولهذا كم يا إخوان وقع ما وقع من الشر العظيم، ماذا؟ بسبب التساهل في ذلك، بسبب التساهل في ذلك. قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. لماذا يا رب؟ قال: ﴿ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. لاحظوا: مع أن قلوبهم، وهكذا قلوبهم من أطهر القلوب، فهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهن أمهات المؤمنين، أزواجه عليه الصلاة والسلام. قال: وهو من أقوى الدواعي. كما قيل لامرأة شريفة من أشراف العرب: ما حملك على الزنا؟ الزنا يا إخوان في الأشراف قليل، بينما هو في الموالي كثير. العبيد والموالي يكثر فيهم الزنا، يكثر فيهم الزنا. ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾. ﴿احْتَجِبْنَ﴾. لماذا؟ قال: ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾. تعرف أنها شريفة عفيفة محصنة، فلا يتعرض لها السفهاء. قال: كما قيل لامرأة شريفة من أشراف العرب: ما حملك على الزنا؟ قالت: قرب الوساد، قرب الوساد، وطول السواد. عبارة موجزة، لكنها تفي بالمعنى والمقصود. قال: تعني قرب وساد الرجل من وسادي، مخالطة، مخالطة، مخالطة. بعض النساء تعمل مع بعض الرجال في مكتب واحد، في مكتب واحد. وهكذا يدخل الرجل على المرأة في ماذا؟ في البيوت، وهكذا في أماكن العمل، فتقع الفتنة. قال: قرب وساد الرجل من وسادي، وطول السواد بيننا، وطول السواد بيننا. ومعنى طول السواد: يعني كثرة النظر، سواده دائماً في سوادها، ينظر إليها وتنظر إليه. هذا من الدواعي العظيمة للفتنة. قال الحادي عشر: أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال. لاحظ خطورة هذه العبارة. قال: أنها استعانت عليه، أي على يوسف، بمن؟ بأئمة المكر والاحتيال. ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا﴾. وبعد هذا كله ماذا؟ ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾. ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، بدون شعور يا إخوان، بدون شعور. وإلى آخر ما ذكره الله عز وجل. فاستعانت على يوسف بماذا؟ بصواحبها من النساء المعروفات بالمكر والاحتيال. قال: فأرته إياهن، وشكت حالها إليهن. ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾. الآية. قال: وشكت حالها إليهن لتسعين بهن عليه. قال: فاستعان هو بالله عليهن. المرأة استعانت بصواحبها من النساء، ويوسف استعان بالله تبارك وتعالى. قال: فقال: ﴿إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾. بعدها قال الله عز وجل: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾. ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾. قال الثاني عشر: أنها تواعدت بالسجن والصغار. ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾. ماذا اختار يوسف يا إخوان؟ نعم، ماذا اختار؟ السجن. السجن. قال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، ﴿مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾. قال: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه. قال: فاختار سجن. قال: فاختار سجن الدنيا عن سجن الآخرة، واختار سجن جسده على سجن قلبه وأسره في أيديهن ويد الشيطان. وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه ما دام في منزلها وعندها. ما دام في منزلها وعندها. وأنه إذا دخل حيل بينه وبينها. إذا دخل إلى السجن، لاحظوا يا إخوان هذه النقطة وهذه اللطيفة. يوسف فضل السجن لماذا؟ لأنه لو بقي في القصر لبقيت الفتنة، ودواعي هذه الفعلة. بينما لو سجن سيكون بعيداً عن هذه المرأة، وعن مراودتها له. فلهذا فضل السجن على ماذا؟ على القصر، على القصر. قال: وأنه إذا دخل، أي سجن، حيل بينه وبينها. وأن ربه تعالى إن لم يعصمه ويصرف عنه ذلك، صبا إليهن بطبعه. صبا يعني مال، مال إليهن بطبعه، وكان من الجاهلين، وكان من الجاهلين. قال: وهذا من كمال معرفته بربه ونفسه. وهذا من كمال معرفته بربه ونفسه. قال: وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة. انظروا يا إخوان، كم في مثل هذه القصص من الفوائد والعبر. ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. عبرة لأولي الألباب. وقال تعالى في أولها: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾. وقصص القرآن يا إخوان يختلف عن القصص الموجودة في غيره. فقصص القرآن حق، وليس فيها كذب، وليس فيها خيالات ومبالغات، وإنما هي حق. بخلاف القصص الذي يذكر في أخبار العرب، وهكذا أيضاً في أخبار الفرس وغيرهم، كألفي ليلة وليلة وغيرها من القصص التي كانت العرب يتحدثون بها. فيها كذب، وبعضها خيال، وبعضها لم يقع. لكن قصص القرآن هو ماذا؟ صدق وحق. ولهذا فيه من الفوائد والعبر ما لا يوجد في غيره. قال: وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة، على ألف فائدة. قال: لعلنا إن وفق الله أن نفردها في مصنف مستقل. واعتنى العلماء يا إخوان بهذه الفوائد الموجودة والمستنبطة ماذا؟ في سورة يوسف عليه الصلاة والسلام. وممن اهتم بذلك العلامة المفسر الفقيه الأصولي الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، وهكذا أيضاً غيره، وهكذا أيضاً غيره. فاهتموا بذلك، اهتموا بذلك. وهنا يا إخوان في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام من الدروس العظيمة التي يحتاجها الشباب، وهكذا غير الشباب، وهكذا غير الشباب. لكن الشباب هم أكثر، لماذا؟ لأنهم أكثر عرضة للفتن من غيرهم. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة بن عامر: قال عليه الصلاة والسلام: «يعجب ربك من شاب لا صبوة له». ومعنى «لا صبوة له»: أي لا ميل له إلى الهوى. الشباب يغنون ويرقصون، وهذا قد توطن المسجد لحفظ القرآن وأخذ العلم والعبادة والطاعة. الشباب في الأسواق يتتبعون الفتيات ويغازلون الشابات، وهذا قد أقبل على الله عز وجل بالذكر والصلاة وغيرها وغيرها. ولهذا يا إخوان، من أعظم الأمور التي تستفاد من هذا هو ماذا؟ العواصم التي يعتصم بها المسلم من أن يقع في مثل هذه الفتن، في أن يقع في مثل هذه الفتن. فيستعيذ بالله عز وجل. قال: معاذ الله. يوسف لما عرض له هذا الأمر قال: معاذ الله. استعاذ بالله عز وجل. فيتعوذ العبد منا بالله عز وجل. ومعنى يتعوذ: أن يطلب العود، وهو الاحتماء بالله، ويلجأ إلى الله، ويعتصم بالله سبحانه وتعالى، بالله سبحانه وتعالى. كذلكم أيضاً يا إخوان، ماذا مما جاء في هذه الآيات، في هذه القصة، في قول يوسف: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. يعني لو فعل واستجاب لهذه المرأة، وحاشاه، لكان من الظالمين، لكان من الظالمين. والظلم يا إخوان سبب للخسران وعدم الفلاح. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. كذلكم أيضاً، كذلكم أيضاً، ينبغي على المسلم أن يتعاهد إيمانه وتقواه ومراقبته لله عز وجل، بحيث لو عرض له شيء من ذلك، نفعه ما سبق. ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. كان صادقاً، وكان عليه الصلاة والسلام، كان كذلكم أيضاً قلبه متعلق بالله تبارك وتعالى. وهذا يا إخوان مما يدل على أن العبد إذا حقق الإخلاص وأقبل على الله عز وجل في زمن الرخاء، نفعه ذلك في أيام الفتن والشدائد، والشدائد. كذلكم أيضاً، المسلم يبتعد عن مواطن الفتن، عن مواطن الفتن. لاحظوا يوسف لما عرضت له هذه الفتنة ماذا فعل؟ قال: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾. ما بقي يطيل الحديث معها، وإنما هرب وفر من الفتنة، مسابقة، هو يجري وهي تجري خلفه، سبق الباب. انظر. قال: ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾، أي شدت القميص من الخلف، فأحدثت فيه أثراً، أحدثت فيه أثراً. وهنا وقعت المفاجأة، أول ما فتح الباب كان زوجها العزيز، كان عند الباب، كان عند الباب. وهذا يا إخوان يجعل المسلم في يقظة من خطرات الشيطان ووساوسه. الشيطان يقول للشاب: يعني ما في حد سيراك، هذه فرصة لا تعوض، هي التي تطلب. انظر الأبواب مغلقة. يحاول يبعث في قلب الرجل الطمأنينة لكي يقدم على هذه الجريمة. قال: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾، لدى الباب. وكذلكم أيضاً ماذا من الأمور المهمة جداً؟ هو المجاهدة والمدافعة. يجاهد نفسه، ويدافع نفسه أن تقع وتميل إلى هذه المغريات. أحياناً يا إخوان، كمثال: قد شخص يكون معه جوال، جوال يقلب، مثلا موضوع معين يبحث عنه، أو صوتيات قرآنية، يبحث عن مسألة علمية، عن أمر معلومات ثقافية. فبين هذه الملفات يأتي ملف خطير، ملف خطير. هذا الملف فيه امرأة، آه، ماذا؟ متبرجة، عارية. هنا يا إخوان ابتلاء. ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾. هنا ابتلاء، والحكمة من الابتلاء: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾. هنا يا إخوان، بعض الناس ضعيف، يعجب بالمنظر، يضغط عليه، فتنفتح عليه بالوعة، بالوعة يا إخوان، مجاري نتنة، تأتي عليه. بينما لو أعرض وجاهد نفسه، وجاهد نفسه، فسيسلم من الوقوع في مثل هذا. وهكذا أيضاً. وهذا الذي فعله يوسف: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾. لم يستجب، امتنع، وابتعد، واستعان بالله عز وجل. ومن ذلك أيضاً مما يعين على السلامة والنجاح والعصمة: هو أن يدعو ربه تبارك وتعالى أن يسلمه وأن يجنبه. قال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، ﴿مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾. والنتيجة قال الله عز وجل: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾. ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾. فهذه بعض الأمور التي ذكرها، من ذكرها من أهل العلم، حول ما يتعلق بالسلامة والعصمة والنجاح من هذه الفتن. يحتاجها الشباب خاصة، و... ماذا؟ المسلمون جميعاً على وجه العموم. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يعصمنا، وأن يسلمنا، وأن يجنبنا الفتن، ما ظهر منها وما بطن. هنا يقول: هل معنى قول العزيز لامرأته: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ﴾، أنهما كان مؤمنين؟ نعم، هذا الذي يظهر من سياق الآيات، أنهما كان مؤمنين، أنهما كان مؤمنين. وهكذا أيضاً: هل الرجل إذا دعته امرأة ذات منصب بلا جمال، أو العكس: جمال بلا منصب، أو فاقد للأمرين، فقال: إني أخاف الله، فهل يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله؟ فالذي يظهر أن المقصود بـ «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله»، أن من تهيئت له أسباب الجريمة والوقوع في الفاحشة، بأن كانت هي المرأة التي تطلب، والمرأة هي التي ترغب، وهو الذي يعرض ويأبى ويترك خوفاً من الله تبارك وتعالى، يدخل في هذا الباب. ففتنة النساء يا إخوان فتنة عظيمة جداً. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم». الحازم يا إخوان، من إحدى، أي من النساء، مهما كانت المرأة، ولو كانت ذميمة الخلقة، ونصيبها من الجمال قليل، فلازالت الفتنة قائمة، ولازالت الفتنة موجودة. فالشيطان يزينها ويحسنها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان»، جعلها ماذا؟ في أعين من ينظر إليها جميلة وحسنة. لهذا انظروا كم من الناس يذهب ويراود ويتابع من النساء التي عندهن من ذمامة الخلقة الشيء الكثير، الشيء الكثير. من الذي دفعه وحمله؟ هو تزيين الشيطان، تزيين الشيطان. لهذا لا يستهين الشاب، وهكذا المسلم، يقول: والله هذه سوداء، ماذا سأطمع منها؟ فيتساهل، يتحدث معها، ويجلس معها، وإلى غير ذلك. فكما قيل: «لا يأمنن على النساء أخ، أخ، ما في الرجال على النساء أمين، إن الأمين ولو تحفظ ساعة، لا بد أن بنظرة سيخون، لا بد أن بنظرة سيخون». قال رحمه الله تعالى: فصل. قال: والطائفة الثانية الذين حكى الله عنهم العشق هم اللوطية، قبحهم الله، قبحهم الله. قال: كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. ﴿قَالَ إِنَّ هَٰؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾. ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿قَالَ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾. ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قال: فهذه، قال: فهذه عشقت. قال: فهذه عشقت. قال: فحكى سبحانه العشق عن طائفتين، عشق كل منهما ما حرم عليه من الصور، ولم يبالي بما في عشقه من الضرر. قال: وهذا داء أعيى الأطباء دواؤه، وعز عليهم شفاؤه، وهو لعمر الله الداء العضال، والسم القاتل، الذي ما علق بقلب إلا وعز على الورى استنقاذه من إساره، أي من أسره. قال: ولاشتعلت ناره في مهجة عبد إلا وصعب على الخلق تخليصها من ناره وعاره. وقوله ههنا: «وهذا داء أعيى الأطباء دواؤه»، يعني بهذا الداء ماذا؟ يعني بهذا الداء يا فاروق؟ أين فاروق؟ محمام. يعني بهذا الداء يا أخانا أبا معاوية، العرباض. قال: «وهذا داء أعيى الأطباء دواؤه»، أي داء العشق أعيى الأطباء دواؤه. ليس المعنى الأطباء الذين يعالجون الأمراض الجسمية، وإنما المقصود: أطباء القلوب. ومن هم أطباء القلوب يا أبا مريم؟ من هم أطباء القلوب؟ العلماء. العلماء هم أطباء القلوب، ويعالجون هذه الأمراض، كما مر معنا ما ذكره الربيع بن سليمان عن الشافعي رحمه الله تعالى، وهكذا عن غيره. تغدوا، إذا إذا خرجت تدعو إلى الله عز وجل وتعلم، سترى من الأمراض الشيء الكثير. يتصل عليك من يتصل، ويذكر ويشرح لك حالته. بل قد تبتلى ببعض النساء التي يعرضن عليك أحوالهم، والأمراض التي أصابتهم، إلى غير ذلك. أمراض كثيرة، نسأل الله العافية والسلامة. أحياناً لما تسمع من القصص والأحداث التي تذكر، يخاف الإنسان على نفسه، وهكذا يهيله الأمر، كيف يقع هذا من ماذا؟ من بعض الشباب وغيرهم وغيرهم. قال رحمه: فشاهد من هذا أن هذا داء خطير جداً يا إخوان. من ابتلي به، ف... آه، ماذا؟ قل من يسلم. قل من يسلم ويتعافى من هذا المرض، من هذا المرض. ولهذا مر معنا فيما ذكره... آه، البيهقي في مناقب الشافعي، عن الربيع بن سليمان، آه رحمه الله تعالى، أن رجلاً جاء إلى الشافعي برقعة، رقعة فيها كلام، قال فيها: «سل الفتى المكي من آل هاشم، إذا اشتد وجد بمرئ، كيف يصنعوا؟» هذا عشق موجود، إذا اشتد وجد بمرئ، من، كيف يصنع؟ قال الربيع بن سليمان: فكتب الشافعي تحته: «يداوي هواه، ثم يكتم وجده». يداوي، حاول يجاهد نفسه، ثم يكتم وجده، ويصبر في كل الأمور، ويخضع، ويصبر في كل الأمور، ويخضع. قال الربيع بن سليمان: قال فأخذها صاحبها، أي الرقعة، وذهب بها، ثم جاء بعد مدة، وقد كتب تحت البيت الذي أجابه الشافعي به، كتب هذا الرجل: «فكيف يداوي والهوى قاتل الفتى؟ فكيف يداوي والهوى قاتل الفتى؟ وفي كل يوم غصة يتجرع». الغصة هي ما يعترض في الحلق من الطعام أو الشراب، كما قال تعالى: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾، يعني لا هو يخرج ولا هو يدخل. فقال: «وفي كل يوم غصة، أو غصة يتجرع». أجابه الشافعي، كتب له تحته، قال: «فإن هو لم يصبر على ما أصابه، فإن هو لم يصبر على ما أصابه، فليس له شيء سوى الموت أنفع». وهذا يا إخوان يدل على خطورة هذا الأمر، هذا الأمر. قال رحمه الله تعالى: ولا تظن أن هذا لا يقع إلا من السوق والسقف من الناس. هذا قد يقع من الأفاضل، هذا قد يقع فيه الأخيار، من طلبة العلم والدعاة إلى الله عز وجل، قد يقع من يقع في هذا الداء. وهذا يستدعي الحرص على البعد، وعلى السلامة، وعدم الاسترسال، وعدم الاسترسال. قال رحمه الله تعالى: قال: وهو أقسام، وهو أقسام. قال: فإنه تارة يكون كفراً، كمن اتخذ معشوقه نداً، يحبه كما يحب الله. فكيف إذا كانت محبته أعظم من محبة الله في قلبه؟ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾. قال: قال: فهذا عشق، ومنزلته في قلبه أعظم وآثر من أمر الله، بل لعله لا تخطر محبة الله على قلبه لاشتغاله بنده. قال: وهذا كحال محبي الملوك وأبناء الدنيا، الذين قد ملأت الدنيا قلوبهم، وحال خد، وحال خدامهم معهم، وحال عباد الأصنام، وحال محبي المردان والنسوان وغيرهم. المردان جمع ماذا يا شامل؟ المردان جمع ماذا؟ الاسم ينقسم إلى ثلاثة: مفرد ومثنى وجمع. مردان هذا جمع، لكن ما مفرده؟ ما مفرده؟ نعم، حاول، وإلا فعند صاحبك يساعدك. مردان، ما مفرده؟ نعم، عندك مردان الذي خلفك يا يوسف، مفرده؟ ها، ها، ها، نفع صوتك؟ أمرد. أحسنت. مفرده أمرد. ومن هو الأمرد؟ من هو، من هو الأمرد يا أبا الفاروق؟ من هو؟ أحسنت. هو الصبي الذي ليس عليه لحية، ليس عليه لحية. فهذا، هذا أمرد، يسمى أمرد. وأن النسوان جمع ما؟ مفرده ما مفرده يا أبا خالد؟ ليس له مفرد من، من لفظه، ليس له مفرد من لفظه، وإلا فماذا؟ فماذا مفرد من غير لفظه؟ امرأة، ونحو ذلك. قال: وحال محبي المردان والنسوان وغيرهم. ومر معنا لو تذكرون ما ذكره ابن القيم من بعض قصص العشاق، قصص العشاق، كقصة حمام من جابي، وهكذا أيضاً قصة ابن كليب، كما سيأتي في آخر الفصل، ويشير إلى شيء من ذلك. قال: مما لا تخطر محبة الله على قلبه، أو محبة محبوبه من أهل الدنيا، آثر عنده وأعظم من محبة الله. وقوله: «آثر عنده»، يعني مقدمة عنده، وأعظم من محبة الله. قال: وإنما يتبين ذلك ويتضح في أعمالهم لله، وأعمالهم لأندادهم الذين يحبونهم. قال: وهذه المحبة وهذا العشق لا يغفره، فإنه من أعظم الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، وإنما يغفر بالتوبة الماحية، وعبادة الله وحده. قال: وعلامة هذا العشق الشركي الكفري، أن يقدم العاشق رضا معشوقه على رضا ربه. وإذا تعارض، وإذا تعارض عنده حق معشوقه وحظه، وحق ربه وطاعته، قدم حق معشوقه على حق ربه، وآثر رضاه على رضاه، يعني قدم رضا المعشوق على رضا الله عز وجل. نعوذ بالله يا إخوان من هذا الخذلان والخسران. قال: وبدل لمعشوقه أنفس ما يقدر عليه، وبذل لربه إن بذل، أردأ ما عنده، واستفرغ وسعه في مرضاة معشوقه وطاعته والتقرب إليه، وجعل لربه إن أطاعه الفضلة، يعني الزائد، يعني الزائد، الفضلة التي تفضل عن طاعة معشوقه من سائر أوقاته. قال: فتأمل حال أكثر عشاق الدنيا وأبنائها، وعشاق الصور، تجد حالهم مطابقة لذلك أتم مطابقة. ثم ضع حالهم في كفة، وتوحيدهم وإيمانهم في كفة، وزنا، ووزناً يرضي الله ورسوله والمتقين من عباده، تجد إيمانهم وتوحيدهم بالنسبة إلى محبة معشوقهم وطاعته، كأذنى حبة خردل، أو أكثر، أو أقل، على قدر محبة الله وتوحيده، وطابق، وعدل. وهذا يا إخوان من الأمور التي ليست من وحي الخيال، وإنما هي ماذا؟ من الأمور التي وقعت، ووقعت من البعض من الناس، ممن كانوا من العشاق، فكانت مصارعهم وخيمة. مصارع العشاق وخيمة، وصيأت. في تتمة هذا الفصل إن شاء الله عز وجل، أنه يذكر بعض الأمثلة التي، وبعض الحوادث التي وقعت لهؤلاء العشاق، وأنظر بماذا ختم لهم، وكيف كانت العاقبة وخيمة. نسأل الله عز وجل العافية والسلامة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدة، شكراً للمشاهدة.