الدرس في كتاب البيع 1، ألقاها
يتناول هذا الفصل تعريف البيع وأحكامه، حيث يُعرَّف البيع على أنه معاوضة المال بالمال، ويُشرح معنى هذا التعريف وتطبيقاته. كما يُبيّن أن الأصل في البيع الحل، مستندًا إلى القرآن والسنة النبوية.
يناقش هذا الفصل أسباب النهي الشرعي في البيوع، ويبين أن الأسباب المعتبرة للنهي تنحصر في أربعة أمور: تحريم عين المبيع، الربا، الغرر، والشروط التي تؤدي إلى الربا أو الغرر. كما يوضح أن النهي إذا عاد إلى ذات العقد أو شرطه فإنه يقتضي الفساد.
ذكر الإمام ابن قدامة في كتابه 'المغني' أن العقود تنقسم إلى أربعة أقسام، وبيّن مدى ثبوت الخيار في كل قسم منها، مع ذكر أمثلة على كل قسم وتفصيل أحكامها.
يتضمن هذا الفصل دعاءً إلى الله تعالى أن يفقهنا في الدين ويعلمنا العلم النافع، ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موافق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له، في كتابه "عمدة الفقه"، في كتاب البيع. قوله رحمه الله تعالى: كتاب البيع. قال: كما مر معنا مرارًا أن الكتاب مادته مأخوذة من الكاف والتا والبا، أي من الكتب، وهو في اللغة بمعنى الجمع، ومنه سميت الجماعة وللطائفة من الجيش بأنها كتيبة؛ لأنها مجموعة. وكذلك العلماء رحمهم الله تعالى في كتب العلم سموا الكتب كتبًا مراعاة لهذا المعنى، إذ أن الكتاب يجمع فيه مسائل، وقد تكون هذه المسائل من نوع واحد، وقد تكون من صنوف متفرقة. وقوله رحمه الله تعالى: كتاب البيع، أي كتاب مُصنَّف في مسائل البيع. والبيع كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى: أنه باعتبار معناه اللغوي يقال: بعت الشيء بمعنى بعته، وبمعنى شريته. ويقال: شريت الشيء بمعنى شريته وبعته. وأكثر الاستعمال: بعته إذا أزلت الملك فيه بالمعاوضة، واشتريته إذا تملكته بها. والقاعدة في هذا الباب كما قال بعض العلماء رحمهم الله تعالى: أن ما دخل عليه الفعل فهو المثمن، وما دخلت عليه الباء فهو الثمن. فتقول: اشتريته بكذا، أي المبيع بكذا، أي بثمن كذا. فهو يطلق على هذه المعاني. وأمور البيع أو كتاب البيع تحته مسائل كثيرة، وهو كما هو معلوم من أمور المعاملات؛ لأن كتب الفقه يقسمها الفقهاء إلى قسمين: إلى كتب عبادات، وإلى كتب معاملات. فيقال: كتب العبادات، وهي مسائل الطهارة والصلاة والصيام والحج والزكاة، وهذه تسمى مسائل عبادات. ومسائل أخرى تسمى مسائل معاملات، مثل البيوع ومسائل النكاح والطلاق وما شابه ذلك. والإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى ابتدأ بكتاب البيوع في باب المعاملات، أي في الكلام على مسائل المعاملات؛ لأن حاجته ماسة وعامة، فلا يستغني إنسان عن البيع والشراء. لذا قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في تعريفه: كتاب البيع. قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾. وقوله: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ دليل على أن الأصل في البيع الحل. وهذه قاعدة الأصل في البيع الحل، وهذا الأصل مأخوذ من قول الله جل وعلا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾. وفي أدلة أخرى من الكتاب والسنة، منها أيضًا قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». وفي أحاديث أخرى سيئة ذكرها بإذن الله تبارك وتعالى في ثنايا الكتاب. والبيع حلال مشروع بإجماع الأمة، وحاجة الناس إلى البيع والشراء من الأمور الضرورية؛ إذ أن الإنسان يحتاج إلى أن يتملك من الأشياء التي هي في يد غيره، وليستطيع أن يتوصل إليها إلا ببدل، وهذا هو حقيقة البيع. لذا قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: والبيع معاوضة المال بالمال، معاوضة تعطي مالاً وتأخذ مالاً. وقوله: المال بالمال، يدخل فيه النقد بالنقد، ويدخل فيه العرض بالعرض، ويدخل فيه العرض بالنقد، فكل ذلك يسمى مالاً. فلو أن إنسانًا مثلاً أراد دراهم، وعنده دنانير ذهبية، أراد دراهم في مقابل الدنانير، فمبادلة المال بالمال تسمى بيعًا. وقد يكون عرض بعرض، كأن يبيع أو يبدل إنسان لإنسان، أن يعطي إنسان لإنسان مثلاً بيتًا له في مقابل أرض للآخر، هل يسمى بيعًا؟ نعم، يسمى بيعًا، وهو مبادلة مال بمال، لكن هل هو من قبل النقد؟ لا، ولكنه من قبل العرض بالعرض. وقد يكون عرض بثمن بمال، وهذا هو الأكثر في معاملات الناس، أي أن يشتري السلعة في مقابل مال. أن يشتري السلعة يعني سواء كانت من حاجات أرز أو من الخضروات من الأسماك من اللحوم مقابل نقد، هل يسمى بيعًا؟ نعم، يسمى بيعًا، وهو مبادلة مال بمال. زاد الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في التعريف في كتابه "المغني": قال مبادلة مال بمال تملكًا وتمليكًا، تملكًا يتملكه المشتري، وتمليكًا يملكه البائع، فيحصل حقيقة ومقصد البيع. لأن حقيقة البيع والمقصد من البيع ما هو؟ التملك والتملك. إذ لو لم يحصل ذلك لما سمي بيعًا. إذا لم يحصل ذلك لم يسم بيعًا. لو أن إنسان باع الإنسان بيته بشرط أن لا يتملكه، هل هذا يسمى بيعًا؟ لا، لا يسمى بيعًا، فلابد من هذا القيد: تملكًا وتمليكًا. وقبل الدخول في مسائل البيع، وهي كثيرة، وكذلك لها فروع كثيرة، أحب أن أقرأ أو أن أذكر بعض القواعد التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في هذا الباب، وهي قواعد وكذلك تُعتبر أصول وفوائد في باب البيوع، وكذلك هي في العقود عامة. أولها: أن كل معاملة وجدت بين اثنين فلا يخلو أن تكون عينًا بعين أو عينًا بذمة أو ذمة بذمة. وكل واحد من هذه الثلاث إما نسيئة وإما ناجز. وكل واحد من هذه أيضًا إما ناجز من الطرفين وإما نسيئة من الطرفين وإما ناجز من الطرف الواحد نسيئة من الطرف الآخر. فتكون أنواع البيوع تسعة. فأما أن تكون نسيئة من الطرفين فلا يجوز بالإجماع، لا في العين ولا في الذمة؛ لأنه الدين بالدين المنهي عنه، أي داخل في بيع دين بدين. قالوا: أسماء هذه البيوع منها ما يكون من قبل صفة العقد وحال العقد، ومنها ما يكون من قبل صفة العين المبيعة. وذلك أنها كانت عينًا بعين، وأنها إذا كانت عينًا بعين فلا تخلو أن تكون ثمنًا بثمن أو ثمنًا بمثمن. فإن كانت ثمنًا بثمن سمي صرفًا. وإن كانت ثمنًا بمثمن سمي بيعًا مطلقًا. بمثمن أي له ثمن، يعني كانت تشتري بدراهم مثلاً أرزًا دقيقًا سمكًا بيتًا أرضًا. قال: وكذلك مثمنًا بمثمن على الشروط التي تقال بعد. مثمن بمثمن كما تقدم معنا: بيت مثلاً بأرض، أو أن تشتري مثلاً سمكًا بشاة وما شابه ذلك. قال: وإن كان عينًا بذمة سمي سلمًا. وإن كان عينًا بذمة سمي سلمًا، أي تشتري شيئًا فتدفع الثمن، وأما العين فإنها ماذا في الذمة؟ هل يسمى سلمًا؟ كما سيأتي معنا بإذن الله. قال: وإن كان على الخيار سمي بيع الخيار. وإن كان على المرابحة سمي بيع مرابحة. وإن كان على المزايدة سمي بيع مزايدة. هذه أسماء لأنواع من البيوع باعتبار سبب تسميتها بتلك الأسماء. فتارةً يرجع السبب إلى العقد، وتارةً إلى الحال، وتارة إلى الثمن، وتارة إلى المثمن، وتارة إلى العين، إلى غير ذلك مما ذكر. الأمر الثاني أو القاعدة الثانية: أن الأسباب المعتبرة التي من قبلها ورد النهي الشرعي في البيوع هي أسباب الفساد العامة، وتنحصر في أربعة أمور. أولها: تحريم عين المبيع. والثاني: الربا. تحريم عين المبيع يكون الشيء المبيع عينه محرمة، مثل بيع الخنزير. عينه محرمة. والثاني: الربا محرم باعتبار الوصف. والثالث: الغرر، بيع الغرر أي بيع الجهالة. سيأتي الكلام عليها بإذن الله جل وعلا. والرابع: الشروط التي تأول إلى أحد هذين أو لمجموعهما. الشروط التي تأول إلى الربا أو تأول إلى بيع الغرر. تأول إلى الربا مثل القاعدة المشهورة عند الفقهاء: كل دين جرى نفعًا فهو ربا. قال: الشروط التي أليت إلى هذين أو لمجموعهما؟ أي رجل يقول: سأعطيك دينًا لكن بشرط أن تجعلني أن تزرع بأرضك. أصل الدين ما حكمه؟ أصل الدين مباح، لكن الشرط جعله ماذا؟ جعله محرمًا. الشرط يعود إلى ماذا؟ إلى الربا. واضح، فهو محرم باعتبار شرطه لا باعتبار حقيقته. وهكذا لو قال إنسان مثلاً لإنسان: سأشتري من ملكك مثلاً، لكن على أن يكون مثلاً ما في بطن ناقة كذا. واضح، الجماعة الشرط استرطى عليه أن يكون ما في بطن ناقته ماذا؟ لا، قد يكون في بطن ناقته ناقة، قد تكون ثنتان، وقد تكون ماذا؟ لا شيء. فهو باعتبار الدين ماذا؟ مباح، لكن باعتبار الشرط محرم؛ لأنه يؤدي إلى ماذا؟ إلى الجهالة والغرر. لذا قيل: الرابع من البيع المنهي عنه: الشروط التي تأول إلى أحد هذين أو لمجموعهما، إما إلى الربا وإما إلى الغرر وإما إليهما. قال: وهذه الأربعة هي بالحقيقة أصول الفساد. وذلك أن المنهي عنه إنما تعلق بالبيع من جهة ما هو بيع، لا لأمر خارج. وأما التي ورد النهي فيها لأسباب خارج، فمنها الغش، ومنها الضرر، ومنها لمكان الوقت المستحق بما هو أهم منهم. ومنها لأنها محرمة البيع. هذه تعلق النهي فيها لمجهة ما هو بيع، ولكن لأمر خارج. ماذا نستفيد من هذا الأمر؟ نستفيد من هذا الأمر: أن ما كان من الأقسام الأربعة الأولى فإن العقد فيها لا يصح بأي وجه من الوجه. واضح، الجماعة العقد لا يصح فيها بوجه من الوجه، ولو اتفق ولو تراضى ولو أسقط الشرط. لماذا؟ لأن تلك البيوع النهي فيها إما أنه عائد إلى ذاتها وإما أنه عائد إلى شرطها. والنهي إذا عاد إلى ذاته المنهي عنه أو إلى شرطه فإنه يقتضي الفساد. واضح، الجماعة يقتضي الفساد، فيكون البيع والعقد فاسدًا لا يصح بحال. بخلاف ما كان النهي فيها لأمر خارج. ما كان النهي فيها لأمر خارج قد يصحح العقد باعتباره أخرى. يعني مثاله: البيع المنهي عنه لأجل الغش. مثاله: لو أن إنسانًا اشترى مصرّة ما. مع المصرّة. مصرّة التي صرّت لبنها مثل بقرة إبل أو مصرّة ما. مكث عنده أياما وجدها أنها مصرّة. ما حكم البيع؟ ما حكم العقد؟ واضح، الجماعة العقد منهي عنه باعتبار الوصف، باعتبار الوصف. لكن هل الوصف عاد إلى ذات الشيء أو إلى أمر خارج؟ إلى أمر خارج. لذا كما سيأتي معنا: أن بعض أهل العلم ذهب إلى أن مثل هذه البيوع صاحبها بالخيار. ما معنى بالخيار؟ أي بين أن يأخذ الأرش أرش النقص، وبين أن يرد المبيع. واضح، الجماعة. يعني مثال ذلك بصورة أوضح قد تكون: لو أن إنسان في أيام من هذه اشترى سيارة من إنسان على أنها سالمة من العيوب. اشتراها. مكث فيها أياما فإذا بها معيبة. الحكم الشرعي: أن هذه السيارة كم قيمتها على حالها جديدة؟ قالوا: هذه الجديدة على إذا كانت ما فيها شيء قيمتها مثلاً اثنين مليون ريال يمني. فلما رؤي العيب فيها كم قيمتها مع العيب؟ قالوا: قيمتها بهذا العيب مليون وخمسمائة ألف. واضح، الجماعة. فالآن صاحبها المشتري بالخيار. إذا اشتراها باثنين مليون مثلاً هو بالخيار بين أن يرجع إلى صاحب السيارة الذي باع عليه السيارة، يقول له: أعطيني أرش النقص كم؟ خمسمائة ألف. أو يقول له: خذ سيارتك وعطيني مالي. واضح، فكون الأمر بالخيار يدل على أن العقد ليس بفاسد. ليس بفاسد. واضح، إذ أن إمضاء العقد عائد لمن؟ إلى ذات الشخص. فهو إما أن يمضيه مع أخذه العوض عوض النقص، وإما أن يرد ماذا؟ السلعة. فهو بالخيار. فالحاصل من هذا: أننا نستفيد أن ما كان النهي فيه عائدًا إلى ذات العقد أو إلى شرط العقد فإن العقد فيه ماذا؟ فاسد. ليس فيه خيار. وما كان لأمر خارج يدخل فيه ماذا؟ خيار المسمى عند الفقهاء بخيار العيب. طيب، طيب. مسألة أو فائدة ها هنا ذكرها الإمام الحافظ ابن حجر، الإمام الحافظ ابن رجل الحنبلي رحمه الله تعالى وغفر له. وهي أن جميع البيوع المحرمة تدخل فيها مسمى الربا؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. قال: فما كان حرامًا فليس بيعًا، بل هو من الربا. وقد ذكر أن هذا معنى ما نقل عن طائفة من السلف في ذلك. أي أن طائفة من السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله ذكروا في أنواع من البيوع المحرمة سمّوها ربا. هل لأنها من باب الربا المعروف عند الفقهاء؟ الجواب: لا. ولكن لأن عندهم قاعدة وهي: أن كل بيع محرم فهو ربا. من أين مأخوذة هذه القاعدة؟ من قول الله جل وعلا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. طيب، هناك قاعدة أخرى: وهي أن الحيلة على المحرم أن الحيلة على المحرم لا تزيد المحرم إلا حرمة؛ لأنها مخادعة لله سبحانه وتعالى ولعباده. والله لا تخفى عليه خافية. وإنما الأعمال بالنيات. وهناك قاعدة أخرى وتحتها فروع كثيرة. هذه القاعدة ذكرها الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه "المغني". فقال: العقود على أربعة أضرب. العقود على أربعة أضرب. أحدها: عقد لازم يقصد منه العوض، وهو البيع وما في معناه. قال: وهو على نوعان. أحدهما: يثبت فيه الخياران: خيار المجلس وخيار الشرط. وهو البيع الذي فيما لا يشترط فيه القبض في المجلس. والصلح بمعنى البيع. الهبة بعوض على إحدى الروايتين. أي في مذهب أحمد. والإجارة في الذمة نحو أن يقول: استأجرتك لطحن لهذا الثوم. ونحوه. فهذا يثبت فيه الخيار؛ لأن الخيار ورد في البيع، وهذا في معناه. قال: فأما الإجارة المعينة فإن كانت مدتها من حين العقد دخلها خيار المجلس دون خيار الشرط؛ لأن دخوله يفضي إلى فوت بعض المنافع المعقود عليها أو إلى استيفائها في مدة الخيار. وكلاهما لا يجوز. قال رحمه الله: وأما الشفعة فلا خيار فيها؛ لأن المشتري يؤخذ منه المبيع قهرًا. والشفيع مستقل بانتزاع المبيع من غير إذن من غير رضاء صاحبه. فأشبه فسخ البيع بالرد بالعيب. قال: ويحتمل أن يثبت للشفيع خيار المجلس؛ لأنه قبل المبيع بثمنه. فأشبه المشتري. النوع الثاني: ما يشترط فيه القبض في المجلس، كالصرف والسلم وبيع الربا بجنسه. فلا يدخل خيار الشرط؛ لأن موضوعها على أن لا يبقى علقة بعد التفرق. أي لابد من المقابضة. بدليل اشتراط القبض. وثبوت الخيار يبقي بينهما علقة. ويثبت فيها خيار المجلس في الصحيح من المذهب؛ لعموم الخبر. ولأن موضوعه للنظر في الحظ في المعاوضة. وهذا موجود فيها. وعنه: لا يثبت فيها الخيار إلحاقًا بخيار الشرط. أي: مسألة ماذا؟ ما يكون من أنواع البيوع الربوية. هل يدخل فيها الخيار أو خيار المجلس؟ بما لو أن إنسان وإنسان. هذا عنده دراهم. وهذا عنده دنانير. باع أحدهم الدنانير بالدراهم. ما دام في المجلس هل لهما خيار المجلس أم لا؟ بعضهم قال: ليس له خيار. والبعض الآخر قال: لهما ماذا؟ خيار. وهذا والأظهر أنهما ما دام في المجلس فإن لهما خيار المجلس. وقد جاء ما يدل على هذا في أحاديث عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. الضرب الثاني: لازم لا يقصد به العوض. أي من العقود ما هو لازم لكن لا يقصد به العوض. قال: كالنكاح والخلع. فلا يثبت فيهما خيار؛ لأن الخيار إنما يثبت لمعرفة الحظ في كون العوض جائزًا لما يذهب من ماله. والعوض ها هنا ليس هو المقصود. وكذلك الوقف والهبة. أي لا يدخلها ماذا؟ لا يدخلها الخيار. قال: ولأن في ثبوت الخيار في النكاح ضررًا. الضرب الثالث: لازم من أحد طرفيه دون الآخر. أي الضرب الثالث من العقود ما يكون لازمًا من أحد طرفيه دون الآخر. يكون لازم لأحدهما دون الآخر. قال: كالراهن لازم في حق الراهن. جائز في حق المرتهن. أو في حق ماذا؟ المرتهن. راهن وآخر ماذا؟ مرتهن. صاحب الراهن يعني أعطى إنسانًا دينًا. قال له: أريد ماذا؟ راهنًا عليه. أن يعطيه ماذا؟ إذا اتفق على الرهن وجب عليه تسليمه الرهن. الآخر له أن يملك أن يقبض هو. له أن ماذا؟ أن يرده. الأمر إليه. قال: فلا يثبت فيه الخيار؛ لأن المرتهن يستغني بالجواز في حقه عن ثبوت خيار آخر. والراهن يستغني بثبوت الخيار له إلى أن يقبض. أي قبل القبض له الخيار. وأما بعد القبض فلا. فإذا قبض ما أراده سواء كان مالاً أو سلعة ثبت الرهن. وليس له الخيار. وكذلك الضامن والكفيل لا خيار لهما؛ لأنهما دخلا متطوعين راضيين بالغبن. وكذلك المكاتب. الضرب الرابع: عقد جائز من الطرفين. كالشركة. الشركة عقد جائز. ليس من العقود اللازمة. ما معنى عقد جائز؟ أي لا يلزم استمراره. ولكن يلزم بماذا؟ بحسب العقد. يعني مثل شركة اتفقوا على أن تكون الشركة لمدة شهر شهرين سنة سنتين. ليس لازم مدى الحياة. بل بحسب ماذا؟ ما يتعاقدان عليه. قال: عقد جائز من الطرفين كالشركة والمضاربة والجعالة والوكالة والوديعة والوصية. فهذه لا يثبت فيها الخيار استغناء بجوازها والتمكن من فسخها بأصل وضعها. يعني كذلك من الأمثلة: لو أن إنسان قال لإنسان: هذه مال ضارب به. أعطاه مالاً. فقال: أو ضارب به. أي اعمل به. شركة مال مضاربة مثلاً بالنصف. بعد يوم أو يومين. قال: يا أخي أريد المال. بدأ لي أن لا أعمل في هذا العمل. هل له ذلك أم لا؟ الجواب: له ذلك. ما لم يحصل ضرر على مضارب الآخر. يعني لو أنه مثلاً بدأ قد شغل المال فلا يضر حتى تنتهي تلك المعاملة. لماذا؟ لأن عقد الشركة من عقود الجائزة. ليست ملزمة لأحد الطرفين. بل لكل واحد منهما أن يتراجع. مثلاً الآخر الذي أعطي المال حاول أن يعمل يوم الأول يوم الثاني يوم الثالثة. الأمور صعبة. هل له أن يرد المال؟ يقول: يا هو يا أخي ما استطعت أن أعمل. خذ مالك. الجواب ماذا؟ نعم. له أن يقول: خذ مالك. ما استطعت ماذا؟ أن أضارب به. وليس للآخر أن يقول له: بل يلزمك أن تعمل. لماذا؟ لأن عقد الشركة عقد إيش؟ عقد جائز. ليس بواجب. ليس بلازم. وذكر كذلك ضربًا خامسًا. ذكر ضرب خامس وهو ما كان مترددًا به الجواز واللزوم. قال: كالمساقاة والمزارعة. والظاهر أيضًا أنهم جائزان. فلا يدخلهم الخيار. والضرب السادس: لازم يستقل به أحد المتعاقدين. كالحوالة والأخذ بالشفعة. فلا خيار فيهما؛ لأن من لا يعتبر رضاه لا خيار له. وإذا لم يثبت في أحد طرفيه لم يثبت في الآخر كسائر العقود. ويحتمل أن يثبت الخيار للمحيل والشفيع؛ لأنها معاوضة يقصد فيها العوض. فأشبه سائر البيوع. فالحاصل: أن هذه مجموعة أو مقدمات لكتاب البيوع. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يفقهنا في ديننا وأن يعلمنا العلم النافع وأن يرزقنا العمل الصالح. إنه قريب مجيب. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.