الدرس في كتاب الطهارة 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستحب البدء باليمين في الأمور المكرمة مثل الوضوء ولبس الثياب. يكون البدء باليمين في الوضوء وغيره من الأمور التي تعتبر مكرمة.
يتناول تفاصيل الوضوء وأحكامه، مشيرا إلى أهمية الترتيب في غسل الأعضاء وجواز المسح على العمامة. كما يستشهد بأحاديث نبوية توضح كيفية الوضوء الصحيحة.
يشرح أحكام الوضوء ويؤكد على أهمية استيعاب جميع أعضاء الوضوء بالماء، مع بيان بعض السنن والمستحبات المتعلقة بالوضوء مثل الدعاء بعد الوضوء وصلاة ركعتين بعد الوضوء.
بسم الله الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله، والآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المصنف رحمه الله: الحديث الخامس والسبعون، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا توضأتم فابدأوا بميامينكم» أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة، وهو حديث صحيح. حديث عائشة رضي الله عنها تـخبر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعجبه التيمن، يعني الابتداء باليمين، الابتداء باليمين في تنعله، أي في لبسه النعال، فيبدأ باليمنى ثم يلبس اليسرى، فيستحب البدء باليمين في لبس النعال، وعند النزع تبدأ باليسرى ثم اليمنى، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «تكون اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع». قال: وترجله، يعني في ترجيل شعره وتمشيطه، يبدأ بالشق الأيمن ثم بالشق الأيسر، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يفرق شعر رأسه، يفرق شعر رأسه فرقتين، فيبدأ بالأيمن ثم الأيسر. قال: وطهوره، يعني في وضوئه وغسله، يبدأ بالشق الأيمن ثم بالشق الأيسر. قالت: وفي شأنه كله، أي في كل أموره، يبدأ باليمين، يبدأ باليمين، فيؤخذ من هذا العموم الابتداء باليمين في دخول المسجد، في لبس الثياب، تلبس يعني تبدأ بالشق الأيمن، بالشق الأيمن، وقد جاء ذلك في حديث أبي هريرة المذكور بعده في بعض رواياته: «إذا لابستم وإذا توضأتم»، إذا لابستم وإذا توضأتم. أيضا يستحب البدء باليمين عند لبس الثياب، وهكذا في سائر الأمور التي هي من باب المكرمات، ما كان من الأمور المكرمة يبدأ بها باليمين، وما كان من الأمور التي هي غير ذلك فيبدأ بها بالشمال، ولهذا كان الاستنجاء باليد اليسرى، ليس باليمين، لأنها من الأمور الغير مكرمة، فتكون باليسرى. وفي حديث أبي هريرة: «إذا توضأتم فابدأوا بميامينكم»، نعم، فالمقصود من هذين الحديثين هو استحباب البدء باليمين في الوضوء، وذلك في الأعضاء التي لها عضوان، في كل عضو له عضوان في الإنسان، يستحب البدء باليمين قبل اليسرى، كاليدين والقدمين، نعم، فتبدأ أولا باليد اليمنى ثم اليد اليسرى، وهكذا إذا غسلت قدميك تبدأ بالقدم اليمنى ثم القدم اليسرى، فهذا مستحب، ولو أن الإنسان خالف فبدأ باليسرى ثم اليمنى صح وضوؤه، لكن خلاف الأفضل. وفي حديث جابر، قالوا عن جابر رضي الله عنهما: جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابدأوا بما بدأ الله به» أخرجه النسائي، هكذا بلفظ الأمر، وهو عند مسلم بلفظ الخبر، أي نبدأ بما بدأ الله به، وهي الرواية الصحيحة المحفوظة، رواية مسلم، وهذه الرواية التي فيها الأمر شاذة، والرواية الثابتة: نبدأ بما بدأ الله به. وأراد الاستدلال به، يعني بهذه اللفظة، على الأمر بالبدء بما بدأ الله سبحانه وتعالى به في سائر الأمور، ومن ذلك في باب الحج، يعني في الصفة، حين صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فقال: نبدأ بما بدأ الله به، في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فبدأ بذكر الصفا قبل المروة. ورواية العموم فيها الأمر بما بدأ الله به على جهة العموم، سواء كان في الحج أو في غيره. نعم، الواجب هو تتابع الترتيب في أعضاء الوضوء، أن يتوضأ المسلم كما أمر الله سبحانه وتعالى، يعني بغسل الوجه ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل القدمين، هذه الأعضاء يجب الترتيب بينها، فلو خالف بينها متعمدا لم يصح وضوؤه. أما عدم الترتيب بين اليمنى واليسرى، هذا لا يبطل الوضوء، لكن يكون خلاف الأفضل والأكمل. قال: الحديث الثامن والسبعون، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين، أخرجه مسلم. نعم، هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته، الناصية مقدمة الرأس، وعلى العمامة والخفين، يعني النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه وكان لابسا للعمامة، فمسح على الناصية وعلى العمامة، فأكمل باقي المسح على العمامة، في هذا جواز المسح على العمامة إذا كان المتوضئ لابسا لها، لا يلزمه أن ينزعها، فيجوز أن يمسح عليها. قال: الحديث التاسع والسبعون، عن عمر رضي الله عنه، أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ارجع فأحسن وضوءك» فرجع ثم صلى، رواه مسلم. والحديث الثمانون، عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر درهم لم يصبها الماء، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة، رواه أحمد وأبو داود واللفظ له. حديث عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلا توضأ فترك موضعا مثل الظفر على قدمه، فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ارجع فأحسن وضوءك»، فرجع يعني أحسن وضوءه ثم صلى. وفي الحديث الثاني، قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم، والدرهم أكثر من الظفر، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يعيد الوضوء والصلاة. ففي هذين الحديثين بيان أنه لا بد في الوضوء من استيعاب الأعضاء بالغسل، أن الواجب غسل جميع أعضاء الوضوء وعدم ترك شيء منها لا يصل إليه الماء، فإن حصل أن وجد موضع من مواضع الوضوء لم يصبه الماء، فإن كان شيئا يسيرا قدر الظفر فما دون، فعليه إحسان الوضوء، يعني يغسل هذا الموضع الذي لم يصبه الماء، ولا يلزم أن يعيد الوضوء. وأما إذا كان المتروك شيئا كثيرا قدر الدرهم أو أكثر، فيعيد الوضوء، لأن هذا دليل على حصول شيء من التفريط وعدم الإتيان بالوضوء كما أمر الله جل وعلا. قال: الحديث الحادي والثمانون، عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة رضي الله عنهم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويل للأعقاب من النار» متفق عليه. هذا الحديث فيه وجوب غسل القدمين في الوضوء، وأنه يجب استيعاب القدم في غسلها، ولا يترك شيئا لا يصل إليه الماء، كموضع العقبين ونحوه، ينبغي التثبت والتيقن من غسلها بالماء. قال: الحديث الثاني والثمانون، قالوا عن أنس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، متفق عليه. هذا الحديث فيه استحباب الاقتصاد في استعمال الماء في الوضوء والغسل، فالنبي كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، أربعة أمداد إلى خمسة أمداد. قال: الحديث الثالث والثمانون، عن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» أخرجه مسلم والترمذي. هذا الحديث فيه استحباب الدعاء بهذا الذكر بعد الفراغ من الوضوء، ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، وهذا عام سواء كان الوضوء لصلاة فريضة أو صلاة نافلة أو لأجل قراءة قرآن أو لأجل أن يبقى على طهارة، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال: إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، يعني أن هذا العمل من أسباب دخول الجنة. قال: الحديث الرابع والثمانون، عن بريدة رضي الله عنه، قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلالا فقال: «يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي»، قال بلال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها ورأيت أن لله علي ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بهما» رواه الترمذي. هذا حديث فيه استحباب صلاة ركعتين بعد الوضوء، أن المسلم يتوضأ فيستحب له أن يصلي ركعتين، وهذه السنة يستحب فعلها بعد الفراغ من الوضوء، وأنها سبب لنيل هذه الفضيلة العظيمة وهذا الأجر العظيم في دخول الجنة. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.