كتاب الحدود من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 8

كتاب الحدود من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 8

الدرس في كتاب الحدود من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أحكام حد السرقة وتدرج القطع واختلاف المذاهب

يشرح تدرج العقوبة في حد السرقة عند الحنابلة بقطع اليد اليمنى ثم الرجل اليسرى ثم الحبس، ويرجح قول الجمهور بقطع اليد اليسرى ثم اليمنى ثم الرجل اليسرى ثم اليمنى ثم التعزير مستدلاً بعموم الآية. كما يذكر شروط القطع من خفية النصاب وربع دينار ويستثني السرقة من الثمر المعلق والكثر في النخل.

قصة النخل وإثبات السرقة وحد قطاع الطريق

يروي قصة عبد سرق نخلاً فحكم مروان بقطع يده، ثم أخبره رافع بن خديج بحديث «لا قطع في ثمر ولا كثر» فاكتفى بالتعزير، ويبين أن السرقة تثبت بشهادة عدلين أو إقرار السارق. ثم ينتقل لشرح حد الحرابة الذين يخرجون على الإمام بغير تأويل لسلب الأموال وإخافة السبيل مستدلاً بآية المائدة.

تفصيل عقوبات المحاربين وفق آية المائدة

يفصل العقوبات حسب الفعل: من قتل وأخذ مال يُقتل ويُصلب، ومن قتل فقط يُقتل دون صلب، ومن أخذ مالاً فقط تُقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ومن أخاف الناس فقط يُنفى. يذكر خلاف العلماء في معنى النفي ويرجح قول المالكية وابن جرير والشنقيطي بجمع النفي والسجن في بلد آخر لأقوى زجر.

خاتمة باب حد الحرابة وترجيح قول الجمهور

يؤكد أن القول الراجح في حد الحرابة هو تفصيل جمهور أهل العلم كما أورده الشيخ في المتن، ويختتم الشرح بهذا الباب مكتفياً بما ذُكر مع الإشارة إلى ترجمة نانسي قنقر. بذلك يُغلق باب الحرابة في هذا الدرس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلوات السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: بعد ما ذكر الشروط، قال: "قطعت يده اليمنى من مفصل الكف". وحُسيمت مفصل الكف هو هذا، هذا المفصل، هذا يتحرك، صح؟ المفصل من هنا تخرج هذه كامل. ومعنى "حُسيمت" يعني: وضعت في الزيت الحار حتى... ما... لكن الآن في الوقت الحديث يمكن يعني تُكوى، ثم يأتي الطبيب يعمل لها شاش أو يعمل لها علاء دواء أو شيء حتى لا تنزف اليد. فكان في القديم إذا قطعت حُسيمت، يعني وضعت في زيت مغلي حتى يعني لا ينزف الدم، ينقطع الدم. لكن الآن في هناك أشياء حديثة يمكن تستخدم لوقف النزيف، لوقف نزيف الدم. نعم. قال: "فإن عاد" يعني: قطعت يده ثم سرق مرة أخرى، سرق مرة أخرى. قال: "قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب". من مفصله، مفصل الكعب يعني من هنا تخرج، من هنا الرجل، تمام. ليس من الساق أو من الرقبة، لأن قال العلماء: إذا أطلقت اليد فالأصل أنها من المفصل، وجاءت السنة تبين ذلك، وعمل السلف، وعمل السلف فقطعوا من المفصل، ليس زيادة عليه. وكذلك حُسمت، حُسمت يعني: كما تقدم، قطع منها خروج الدم ونزيف الدم. قال: "فإن عاد" يعني: سرق مرة ثالثة. قال: "حبس ولا يقطع غير يد ورجل". وهذا القول يعني ليس عليه دليل، وإنما هو التعليل، فقالوا: إذا قطعنا اليدين والرجلين لا تعطلت منفعة الجنس، يعني تعطل جنس اليد، فبأي شيء يأكل، وبأي شيء يشرب، وبأي شيء يأخذ ويعطي؟ لكن لو بقيت واحدة يستطيع أن يستخدمها، ولو بقيت رجل واحدة يستطيع أن يستخدمها. يعني هذا تعليل، وهذا قول الحنابلة، هذا مذهب الحنابلة. وخالفهم جمهور العلماء، جمهور العلماء خالفوا في ذلك، خالفوا في ذلك، فقالوا: أولاً إذا سرق تقطع يده اليسرى، ثم إذا سرق تقطع يده اليمنى، ليس ينتقل إلى الرجل. أولاً إذا سرق المرة الأولى تقطع يده اليسرى، ثم إذا سرق مرة ثانية عند الجمهور تقطع يده اليمنى، ثم إذا سرق مرة ثالثة تقطع رجله اليسرى، ثم إذا سرق مرة رابعة تقطع رجله اليمنى، ثم إذا سرق المرة الخامسة يعزر ويحبس. هذا قول جمهور أهل العلم. وقالوا: لا دليل على أن القطع لا يكون إلا في يد واحدة أو رجل واحدة، فمعنى عموم الآية: طالما أنه سرق، فالله عز وجل يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ﴾. هذا في المرة الأولى. المرة الثانية الأصل أن يعمل بنفس الآية، الأصل أن يعمل بنفس الآية. إذن هل يوجد يد؟ نعم يوجد يد، فتقطع يده الأخرى، تقطع يده الأخرى. ولما قدموا اليسرى على اليمنى؟ قدموا اليسرى على اليمنى لأن الله عز وجل أطلق، قال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ولم يحدد يدًا معينة، فاليد اليسرى هي أخف أو هي أقل انتفاعًا من اليد اليمنى، صح؟ ينتفع بها انتفاعًا يسيرًا، ما هو مثل اليد اليمنى، اليد اليمنى تكون أقوى من اليسرى. فلما أطلق الله عز وجل، فيصدق القطع على أي يد، فنرفق بهذا ونقطع يده اليسرى لعله يتوب. لكن إذا لم يتوب ورجع، إذن نقطع يده اليمنى. فإذا لم يتوب ورجع، إذن معنا أطراف أخرى، لأن هذا لي الطرف وهذا لي الطرف، إذن ما بقي أطراف، الآن في أعلى، إذن ننتقل إلى أطراف الأسفل، أطراف الأسفل الرجلين، فنبدأ أيضًا بالرجل اليسرى لأنها قل انتفاعًا، ثم ننتقل إلى الرجل اليمنى إذا سرق المرة الرابعة. وقول الجمهور هو الأرجح والله أعلم، لعموم الآية. وأما هذا التعليل فيحتاج إلى دليل، تعليل الحنابلة والذي ذكره المؤلف هذا يحتاج إلى دليل. نعم، والله تعالى أعلم. قال: قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾. هذا دليل القطع، ففيه شرط من شروط القطع، وهو الشرط الأول: أن يكون الأخذ فيما فيه خفية، فيما فيه خفية، لأن السارقة الأصل فيها الخفية. وعن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: «لا تقطع يد سارق إلا في ربع دينار فصاعدًا». وهذا أيضًا فيه الشرط الثاني، وهو أن يكون في ربع دينار أو ما يساويه، أو ما يساويه. قالوا: في الحديث «لا قطع في ثمر ولا كثر»، رواه أهل السنن وصححه العلامة الألباني. ومعنى الحديث: لا قطع في ثمر، يعني: من سارق الثمر وهو في الشجرة. الثمر المراد به ما كان في الشجرة. دخل مثلاً إلى حائط وطلع، صعد الشجرة وأخذ الثمر، وأخذ الثمر، هذا لا قطع فيه. لكن لو سرق التمر يعني: بعد أن ييبس، بعد أن يخرج من الشجرة، فهذا فيه قطع إذا توفرت شروط القطع. لكن ما كان في الثمر، ما كان في الشجرة، فهذا لا قطع فيه، فهذا لا قطع فيه. هذا معنى الحديث. وقوله: «ولا كثر»، الكثر كما ذكر: طلع أو قلب النخلة، يعني ما يكون في وسط النخلة مما يلقح به النخيل. نحن نسموه عندنا... شيئاً... عبد الرحمن... ها هذاك الأصفر الذي يأتي في الوسط، وسط النخلة، يسموه "مقراف"، صح؟ يسموه مقراف عندكم أو عندنا هذا... ها عرفتموه الآن، أصفر، ها لون أصفر يأتي هكذا ومغلق من جهتين، يأتي في الوسط، هذا يسمى كثر، يسمى كثر في اللغة العربية، لأنه أيضًا في النخلة يكون في نفس الشجرة مثل الثمر، مثل الثمر. وهذا الحديث فيه قصة، هذه القصة تقول: أن عبدًا في عهد وزمن مروان بن الحكم دخل حائطًا وأخذ صغار النخل من هذا البستان، بستان لرجل آخر، فأخذ هذا الشجر الصغير وزرعه في مزرعة سيده. فجاء الرجل صاحب البستان ووجد يعني نخله الصغير غير موجود في البستان، فبحث عنه فوجده في مزرعة هذا الرجل. فلما تحقق من الرجل، طلع أن هذا العبد سرقه، فرفعوا أمر هذا العبد إلى مروان بن الحكم، فحكم مروان بن الحكم بقطع يد العبد، حكم بقطع يد العبد. فلما سمع هذا السيد بحكم مروان بن الحكم، ذهب عند رافع بن خديج، صحابي من صحابة النبي عليه الصلاة والسلام، وأخبره بهذا الأمر، وهل سمعت شيئًا عن ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال له: نعم، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا قطع في ثمر ولا كثر»، في ثمر ولا كثر. فطلب هذا السيد من رافع بن خديج أن يذهب عند مروان ويحدثه بهذا الحديث حتى لا تقطع يد عبده، حتى لا تقطع يد عبده. فذهب رافع بن خديج وقال لمروان: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا قطع في ثمر ولا كثر». فعزر مروان بن الحكم هذا العبد ولم يقطع يده، حُقوفًا عند حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأخذ الشجر، وهو بمعنى: أخذ الثمر من الشجرة، أو الكثر من الشجرة، فكذلك لا تقطع فيه اليد، لا تقطع فيه اليد، وإنما فيه التعزير لهذا الحديث، لهذا الحديث. طيب، بقيت مسألة: وهي بماذا تثبت السرقة؟ تثبت السرقة بأمرين اثنين: الأمر الأول: بشهادة عدلين، بشهادة عدلين، فلا تثبت السرقة بشهادة رجل واحد، ولا بشهادة النساء أيضًا، لا تثبت بشهادة رجل واحد ولا بشهادة النساء، بل لا بد من اثنين عدلين بالغين مكلفين، أو أكثر. الأمر الثاني الذي تثبت به السرقة: الإقرار، أن يقر السارق على نفسه، أن يقر السارق على نفسه، فبهذا، فبهذا تثبت السرقة ويثبت حكمها، تثبت السرقة ويثبت حكمها. نعم. طيب، هنا الشارح ذكر حد شرب المسكر، والمؤلف ما ذكر هذا، وكأنه لعدم ورود الدليل الصريح في ذلك ونحو ذلك، فنؤجل هذا إلى أن ننتهي مما ذكره المؤلف في باب الجنايات، ثم نرجع إليه إن شاء الله. قال: حد الحرابة. المراد بالحرابة: هم قطاع الطريق، قطاع الطريق. وسُمي قطاع الطريق حرابة، ويقال محاربة، لما فيها من سلب الأموال وإزهاق الأرواح وإخافة الناس وعصيان أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. فقطاع الطريق: وهم قوم خرجوا على الإمام بلا تأويل مطلقًا، سواء كان لهم منعة أم لم يكن لهم منعة. يعني: خرجوا على إمام المسلمين بلا تأويل، لأنهم لو خرجوا بتأويل فهذا حكم آخر سيأتي بعد هذا، وهؤلاء يسمون بـ "البغاة". الذي يخرج على الإمام بتأويل، معنى تأويل: يعني يرى مثلاً أن الإمام ظالم، أو أن الإمام كافر، أو أن الإمام غير مناسب، تأويل، فهذا باغٍ، سيأتي حكمه. لكن هؤلاء ما عندهم تأويل، المهم يريدون الأموال، يريدون يعني... الفساد في الأرض، يريدون الفساد في الأرض من غير تأويل. فهؤلاء هم قطاع الطريق، سواء كان لهم منعة أم لم يكن لهم منعة. لهم منعة يعني: منهم عصابة مسلحة مثلاً يقاومون من أتى لزجرهم، هذا يكون لهم منعة. وليس لهم منعة: أفراد، أفراد، يعني متفرقون. نعم. فهؤلاء يسلبون أموال الناس ويسفكون دماءهم ويهتكون أعراضهم، سواء كان في العراء يعني: في الصحاري أو الطرق، أو في البنيان، يقفزون البيوت أو يقفزون المصانع أو المعامل أو الدكاكين أو نحو ذلك، فهذا يدخل في قطاع الطريق، يدخل في قطاع الطريق، لأن فيه سلبًا لأموال الناس، وكذلك ربما سفك لدمائهم. فهذا القاطع للطريق ربما إذا اعترضه أحد قتله، إذا اعترضه أحد قتله، أو إذا شعر أن أحدًا سيفضحه لربما قتله. فهذا يسمون قطاع الطريق. والأصل في حكمهم ما جاء في الآية، آية سورة... أيش؟ من سورة وردت: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. سورة أيش؟ آه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، سورة المائدة، صح، سورة المائدة. نعم. في قول الله عز وجل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ إلى آخر الآيات، ومنها: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ * إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية. فالأصل في حد الحرابة هذه الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ إلى آخرها. لذلك قال: وهم الذين يخرجون على الناس ويقطعون الطريق عليهم بنهب أو قتل، يعني: مجرمون، مجرمون يصطادون على أموال الناس ويعترضون للناس في طريقهم. أحد مسافر أوقفوه وأخذوا ما بحوزته، وأحد مار في الطريق أوقفوه، وربما قتلوه، وربما أخافوه، ونهبوا ما معهم. هؤلاء هم يسمون قطاع الطريق. فحدهم حد الحرابة الوارد في هذه الآية. فقال: فمن قتل وأخذ مالاً قُتل وصلب، قُتل وصلب. يعني: من ثبت عنه أنه بسبب قطعه للطريق قتل وأخذ مال، فهذا يُقتل ويُصلب. وما معنى يُقتل ويُصلب؟ يعني: يؤتى بخشبة، طيب، أو مما بمعناها، ويوضع في عرض هذه الخشبة خشبة أخرى، أخرى معترضة عليها، فتوضع يده في هذه الخشبة، واليد الأخرى في هذه الخشبة، وباقي جسده في الخشبة المستقيمة، ثم يربط، يُصلب بمعنى: يربط، يربط في هذه الخشبة، ويُقتل، ويُقتل. واختلف العلماء: هل يُصلب قبل القتل أو بعده؟ هل يُصلب قبل القتل أو بعده؟ فقيل: يُقتل ثم يُصلب، أولاً يُقتل ثم يُصلب. وقيل: بل يُصلب قبل القتل ثم يُقتل، ثم يُقتل. وهذا هو الأقرب، يعني: يُصلب في هذه الشجرة أو في هذه الخشبة أو في هذا العمود، ها، ثم يُقتل، ويوضع هكذا للعبرة. لماذا يُصلب؟ حتى يراه الناس فيعتبرون، يقولون: هذا قاطع طريق قد قُتل، فهذا جزاؤه، فيكون زجرًا لغيره. وكم هي المدة التي يبقى فيها هذا المصلوب في هذا العمود وهو ميت؟ قيل: حتى يشتهر أمره، لأن المقصود يحصل به، يعني: يعني خلاص إذا الناس رأوه واشتهر أمره، فلان مصلوب، فيأتي الناس ينظرون، كل من مر نظر إليه، كل من مر نظر إليه، يوم أو يومين، فهذا يكفي، ثم يُفك ويُدفن، يُفك ويُدفن، يُصلى عليه، وما هو كافر، يُصلى عليه، يُكفن ويُدفن، ويُدفن. فهذا هو معنى: فمن قتل وأخذ مالاً قُتل وصلب. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾، فيجمع بين القتل والصلب. متى يجمع بينهما؟ إذا كان هذا القاطع للطريق قتل وأخذ المال، جمع بين الأمرين، قتل وأخذ المال، فهنا يجمع له في العقوبة وفي الحد بين القتل والصلب، بين القتل والصلب. قال: ومن قتل يعني: ولم يأخذ مالاً، حَتَم قتله ولم يُصلب، يكون في حقه القتل فقط، قتل. وأراد أخذ المال لكنه هرب، أحد الناس الآخرين بالمال، منهم اثنان أو ثلاثة، قتل واحد، فأخذوا مال هذا المقتول وهربوا، فلم يستطع أخذ المال، ثم مُسك به، طيب، أو قتل شخصًا ثم مباشرة جاءوا وأخذوه قبل أن يأخذ المال، فهنا يُقتل. وقوله: "حَتَم قتله"، بمعنى أنه لا يجوز في مثل هذا... ماذا؟ الإعفاء عنه، لا يجوز الإعفاء عنه من قبل أولياء الدم، لأنهم قالوا: قتل المحارب هذا الحد فيه حق لله، حق لله سبحانه وتعالى، فلا يجوز العفو عنه، لا يجوز العفو عنه، ولا يجوز إسقاطه، لأن ضرر هذه الجريمة ضرر عام للمجتمع بأسره، ليس للمقتول فقط، وإنما هو للمجتمع بأسره. فمثلاً: لو قاطع طريق قتل شخصًا، ثم ذهب أولياء القاتل إلى أولياء المقتول، قال لهم: خلاص هذا صاحبنا أخطأ وبنعطيكم ما تريدون، اعفوا عنه، فجاء أولياء الدم إلى القاضي وقالوا: خلاص نحن عفونا عنه. لا، ما ينفع هذا، لا بد أن يُقتل هذا المحارب، لأن حد الحراب حق لله، ليس فيه القصاص، بخلاف من قتل عمدًا من غير محاربة، فهنا لأولياء الدم أن يعفوا عنه كما مر معنا. طيب. لكن المحارب هذا الذي يقطع الناس في طريقهم ويقتل الناس ويخوف الناس، فهذا حده حق لله عز وجل، فلا يكون فيه العفو، لا يكون فيه العفو. هذا معنى قوله: "حَتَم قتله"، يعني: توجب قتله، يجب قتله، ولا يجوز الإعفاء عنه، لا يجوز العفو عنه. قال: ومن أخذ مالاً ولم يُقتل، قُطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، كما مر معنا في هذه الآية. أخذ مالاً فقط، ما قتل، وهو محارب، ليس سارق، محارب يقطع الناس ويأخذ أموالهم، أخذ مالاً ثم بحث عنه فمسك، وأقر بسرقة هذا المال بالتقطع، فهنا تُقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، لقوله عز وجل: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ﴾، فهنا تُقطع يده اليمنى ورجله اليسرى. هذا متى؟ إذا لم... إذا لم يقتل، أخذ مالاً فقط ولم يقتل. واضح هذا الآن. قال: ومن أخاف الناس ولم يقتل ولم يأخذ مالاً، نُفي من الأرض. بمعنى: أنه يقطع الناس، يخوف الناس، والناس يهربون منه، ثم مُسك، فهنا لا يُقتل لأنه ما قتل أحدًا، ولا كذلك يُصلب لأنه كذلك ما أخذ مالاً مع القتل، ولا كذلك تُقطع يده ورجله لأنه لم يأخذ مالاً، وإنما يخوف الناس، فهذا يُنفى، فهذا يُنفى. وما معنى النفي؟ اختلف العلماء في كيفية النفي، فذهب الحنابلة والظاهرية: أن المراد بالنفي أنه لا يترك يأوى إلى بلد، يعني: يعني يجعل في... يعني صحراء أو في مكان خالي من الناس، هذا معنى يُنفى، هذا عند الحنابلة أو الظاهرية. وذهب الشافعية والحنفية: أن النفي هو السجن، يُسجن، أو يُنفى من الأرض يعني: يُسجن. وذهب مالك، واختاره ابن جرير والشنقيطي: أنه يُنفى إلى بلد آخر ويُسجن فيه، ولا يزال يكون منفيًا حتى تظهر توبته. إيش الفرق إذن بين قول الشافعية والحنفية وقول المالكية وابن جرير والشنقيطي؟ الفرق: أن الشافعية والحنفية يرون سجنه في بلده، سرق هنا مثلاً في الشحر، يُرمى به في سجن الشحر، واضح؟ يعني إذا تقطع مثلاً وأخاف الناس في الشحر، فيُسجن في الشحر. لكن على قول المالكية وابن جرير والشنقيطي: سرق في الشحر، يذهب به مثلاً إلى بلد آخر ويُسجن فيها، يذهب به إلى عدن، إلى أبين، إلى المهرة، إلى أي بلد أخرى، ويُسجن في هذه البلد، لا يترك هكذا أنه سيتعرض للناس مرة أخرى، وما في هناك كذلك تعزير له وزجر له ومنع له، إذا ترك فإذن يُنفى ويُسجن، يجمع بين الأمرين. وهذا هو الأقرب والله تعالى أعلم، لأنه أقوى في الزجر والتعزير، أقوى في الزجر والتعزير. نعم. هذا ما عليه جمهور أهل العلم، هذا ما عليه جمهور أهل العلم، وهو التفصيل، الآية بهذا التفصيل، بهذا التفصيل. وذهب بعض أهل العلم وهم المالكية: أن من فعل شيئًا من هذه الأمور في الحرابة، قتل أو أخذ مال أو خوف الناس، فهنا يكون على التخيير، يعني: أن الإمام يخير بين القتل أو الصلب أو النفي، قالوا: لأن "أو" تقتضي التخيير، فقوله: ﴿أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، قالوا: "أو" في اللغة العربية تفيد أيش؟ تفيد التخيير، قالوا: للإمام يتخير أيش يفعل، هذا قاطع الطريق، إذا رأى الإمام قتله قتل، إذا رأى الإمام صلبه صلب، بغض النظر: قتل أم لم يقتل، أخذ مال أم لم يأخذ، المهم أنه يقطع الناس، تمام، فهنا الإمام له أن يختار. لكن هذا القول غير صحيح، الصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو التفصيل الذي ذكره الشيخ في هذا المتن، في هذا المتن، والله تعالى أعلم. هذا خلاصة ما يذكر في حد الحرابة، وفيه نكتفي إن شاء الله إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر