كتاب المناسك 9

الدرس في كتاب المناسك 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام تكرار المحظور في الإحرام وفدية الأذى

يناقش هذا الفصل حكم تكرار المحظور في الإحرام، حيث يبين أن تكرار المحظور من نفس الجنس لا يوجب إلا فدية واحدة إذا لم يفد المحرم في كل مرة، مع استثناء الصيد. كما يتطرق إلى أحكام الفدية في الحج مثل فدية الأذى واللبس.

نية الخروج من الإحرام وسقوط الفدية

هذا الفصل يوضح أن نية الخروج من الإحرام لا تنفع ولا تخرج المحرم من إحرامه، كما يناقش شروط سقوط الفدية بالنسيان والجهل في بعض المحظورات مع وجود خلاف بين الفقهاء حول التفريق بين أنواع المحظورات.

أحكام الأضحية والإبل والبقر

يناقش هذا الفصل أحكام الأضحية، خاصة ما يتعلق بالإبل والبقر، حيث يبين أن البقرة تجزئ عن سبعة أشخاص في الأضحية عند جمهور العلماء، قياساً على الهدي.

  • 29 جمادى الآخرة 1444هـ - 21/01/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، ومن كرر محظورا من جنس ولم يفد فدى مرة، بخلاف صيد. الآن هذا الفصل تابع للفدية، فيقول المؤلف رحمه الله: ومن كرر محظورا من جنس واحد، أو من جنس، أنا من جنس واحد، مثلا لباس أو حلق، مثلا لبس قميصه في اليوم الأول من الإحرام، ثم لبسه في اليوم الثاني، يعني كرر المحظور، أو تطيب، أنا على قول جمهور، أنا التطيب محرم، معنى المحظورات، ولا خلاف في هذا، معنى لا أقصد على الفدية، أقصد معنى أن أقول: جمهور على الفدية في اللباس والطيب. أما في شعر، في حلق الرأس، فهذا كما قلنا لا خلاف فيه، لأن الآية قد نصت بذلك، والحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، إذا تطيب في أول يوم، ثم تطيب في ثاني يوم، فهذا يفدي فدية واحدة، يفدي فدية واحدة. ومن كرر محظورا من جنس ولم يفد فدى مرة. الآن إذا كرر هذا المحظور الذي هو نفس المحظور، كرره، سيكون له حالتان: الحالة الأولى أنه لم يكفر، لم يفدي فعل المحظور، لكنه لم يفدي، وكرر المحظور ولم يفدي، فهنا يفدي مرة واحدة، لأنه من جنس واحد. مثل الأيمان، مثل الأيمان، مثل كذلك الحدود، مثلا لو زنى إنسان بامرأة، ثم زنى بها، ثم زنى بها أيضا مرة ثالثة، ولم يقم عليه الحد، ثم اعترف مثلا أنه زنى بها ثلاث مرات أو أربع مرات، فهنا يقام عليه حد واحد، يقام عليه حد واحد. كذلك في الأيمان، إذا حلف على شيء واحد، مثلا حلف أن لا يفعل كذا، ثم فعل، وحلف، وحلف أيضا لا يفعل، وفعل، لكنه لم يكفر، فيكفر كفارة واحدة، يكفر كفارة واحدة، لأن الحلف على شيء واحد. وهكذا، وأخذ هذا على معنى: علل هذا بأنه لم يفعل شيئا إلا شيئا واحدا، واليمين تكررت، أو أيضا الفدية نفسها، فلهذا يفدي فدية واحدة. طيب، والحالة الثانية: إذا فدى، فعل مثلا تطيب وفدى، أو حلق رأسه وفدى، قصر مثلا، ثم قصر مرة أخرى، وهو في حرام، فإنه يفدي مرة أخرى، يفدي مرة أخرى. مثل اليمين كذلك، إذا حلف على شيء، ثم كفر، ثم حلف عليه، فإنه أيضا يكفر. وكذلك أيضا في الحدود، إذا مثلا سرق، سرق الرجل، أو زنى، أو كذا، ثم أقيم عليه الحد، ثم فعل ذلك مرة أخرى، أيضا يقام عليه الحد مرة أخرى. وهكذا، فالآن عندنا من كرر محظورا له حالتان: الحال الأولى أن لا يفدي، كرر محظورا من جنس واحد، أن لا يفدي، فهو يفدي مرة واحدة. وإن فدى، وإن فدى في كل مرة، فإنه في كل مرة، معنى كل ما فعل فدى. قال: ومن فعل، قال: بخلاف صيد، خلاف الصيد، الصيد ليس في هذا الحكم، الصيد ليس في هذا الحكم، بل كل ما صاد صيدا، فإنه يفدي، معنى يعطي الجزاء، لأن الله عز وجل رتب على كل صيد جزاء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، جزاء مثل ما قتل من النعم. فرتب على كل صيد جزاء، فلهذا فالصيد هنا يخرج من هذه القاعدة، يخرج من هذه القاعدة. فإذا صاد شيئا، ثم صاد شيئا أيضا، هنا يعطي جزاء على كليهما، على الأول والثاني، على كل واحد جزاء. وهذا يدل عليه نص الآية، ولهذا استثناه المؤلف هنا. وهذا قول أكثر العلماء في هذه المسألة. معنا قول جمهور، قالوا: من فعل محظورا من أجناس، فدى لكل مرة. قالوا: من فعل محظورا من أجناس، فدى لكل مرة، رفض إحرامه أو لا، يعني إذا فعل هذا المحظور ليس من جنس واحد، وإنما من أجناس، مثلا لبس قميصا، وتطيبا، وأيضا حلق رأسه، فكل واحد من هذا جنس، فإنه يفدي على هذه الثلاثة الأشياء، يفدي على هذه الثلاثة الأشياء. أو صاد صيدا من صيد البر، فإنه يفدي على كل واحد من هذه الأشياء التي فعلها، لأنها ليست من جنس واحد، وإنما من أجناس. هذه معناها: الحالة الثالثة، الحالة الأولى أن يكون من جنس واحد، له حالتان: إما أن يفدي في كل واحد، فتكون عليه الفدية في كل واحد، وإما أنه لا يفدي، فيتكرر ولم يفدي، فيفدي عليهما فدية واحدة. وأما إن كان من أجناس، فكل جنس له فدية. قال: رفض إحرامه أو لا، كيف رفض إحرامه؟ رفض إحرامه، أي نوى الخروج من الإحرام، نوى الخروج من الإحرام، معناها: لما رأى أن عنده كثير من الفديات، مثلا يريد أن يتخلص من هذه الفديات، كيف يفعل؟ بعضهم يقول: أنا سأنوي عدم الإحرام، خلاص ينتفي ما عليه، لا هذا ما يصلح. الحج والعمرة ليس فيهما نية خروج، حتى ولو نوى، بخلاف العبادات الأخرى، العبادات الأخرى: الوضوء والصلاة والصيام، لو نوى الخروج، نية غير مترددة، بطل الفعل، بطل الصلاة، بطل الصيام، لو نوى نية عزم عزم على النية، فهذا قول عامة أهل العلم: على أنه إذا عزم على النية الخروج، ليس فيها تردد، فإنه يبطل ذلك العمل إذا كانت صلاة أو صيام. لكن الحج لا، الحج حتى لو نوى الخروج ما يخرج، لأنه يجب عليه أن يتم الحج، قد تقدم معنى أن الحاج إذا وطئ فسد حجه، مع فساد حجه إلا أنه يتمه، إلا أنه يتمه. ومعنى ذلك أن الحج والعمرة لا ينقطعان أبدا، ليس هناك شيء يقطعهما، ليس مثل الصلاة والصيام، فلهذا لا تنفع نيته، لا تنفع نية عدم إحرامه أو قطع إحرامه. فلهذا قال المؤلف رحمه الله: رفض إحرامه أو لا، حتى لو قال: أنا خلاص ما أريد أحرم، أريد جدة، أنا قد أحرم من الميقات، مثلا أحرم من ميقات السيل، ثم لما مشى استراح، أو لبس قميصا، أو تعطر، أنا فعلت شيئا من المحظورات، فهو الآن يريد أن يخرج، يخرج نفسه من المحظورات أو من الفدية، يقول: خلاص سأذهب إلى جدة وما سأحرم، هذا ما ينفع. إذا دخل في الإحرام خلاص ثبت الإحرام عليه. طيب، قال: ويسقط بنسيان فدية لبس وطيب وتغطية رأس دون وطء وصيد وتقليم وحلاق. الآن هذه مشكلة، الآن فرق بين ما يسقط بالنسيان والجهل وما لا يسقط. فقال: ويسقط بنسيان فدية لبس وطيب وتغطية رأس دون وطء وصيد وتقليم وحلاق. لماذا فرق؟ يقولون بالتفريق، وهو قول الشافعي وأحمد: على أن هذه الأشياء الثلاثة التي هي اللبس والطيب وتغطية الرأس، هذه الأشياء يحصل فيها النسيان والسهو. وأما الوطء والصيد وتقليم الأظافر والحلق، فهذه يقولون أنها مترتبة عليها الجزاء، ولو نسي، ولو جهل، مترتبة عليها الجزاء، ولو جهل. لكن هذا ليس عليه دليل، مثل هذا التفريق لا دليل عليه، بل الصيد قد جاء أنه متعمدا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾، أن الله عز وجل نص على التعمد: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. وهذه تجد أحيانا أن الفقهاء، تجد أنهم يغفلون عن بعض الفقهاء، ينظر إلى علة، وقد ينسى الحكم الدليل. ولهذا نبه الشيخ الإسلام على هذه المسألة، وأن هذا خطأ من كثير من الفقهاء، حصل كيف الله عز وجل يقول: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾، وهم لا يعذرون بالنسيان والجهل. صحيح هم استدلوا ببعض الأدلة، مثل حديث الصعب بن جثامة، وحديث قتادة وغيره، لكن هذه ليست فيها دليل، لأنه لا يعرف هل هم يعرفون أو لا يعرفون. ممكن حديث الصعب بن جثامة فيه شيء أنه ما كان يعرف، لكن ليست صراحة، ليست صراحة مثل صراحة الآية. الصعب بن جثامة جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وحشى حمارا وحشيا، قال: هذا لك ولأصحابك، فرده النبي عليه الصلاة والسلام، فلما وجد في نفسه، رأى أنه وجد في نفسه، قال: «إنا لم نرده عليك إلا لأنك حرم»، فهذا الحديث فيه احتمال أن الصعب لم يكن يعرف هذا الحكم، لكن ليس صريحا، بخلاف الآية، الآية فيها صراحة: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. فلهذا في رواية عن الإمام محمد، وكذلك هو قول شيخ الإسلام، ورجحه أيضا المحققون: شيخ السعدي، والشيخ العثيمين، على أنه لا فرق، لا فرق بين هذه المحظورات بالنسيان، وبين هذا، بل كلها تسقط بالنسيان والجهل، كلها تسقط بالنسيان والجهل. أيضا استدلوا في الطيب، وقاسوا اللباس والتغطية على الطيب، استدلوا بحديث «يعلى بن أمية»، قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالفدية، لماذا؟ قالوا: لأنه جاهل. فقالوا: الطيب يجهل، واللبس يدخل فيه، وتغطية الرأس، لكن هذا الدليل صحيح، والاستدلال به صحيح، لكن التفريق بين هذه الأشياء غير صحيح. فلهذا المذهب الصحيح في هذه المسألة: أنه لا فرق، فمن فعل محظورا ناسيا أو جاهلا، فإنه لا شيء عليه، فإنه يعذر ولا شيء عليه. فلهذا المحظور لا يكون محظورا فيه الفدية إلا إذا كان أولا عن علم، وثانيا عن ذكر، أن يذكر هذا الأمر، ليس نسيانا. قال: وكل هدي أو إطعام فلمساكين الحرم. أي هدي، سواء كان هدي تمتع، أو هدي إحصار، أو هدي غيرها، من هدي أو فدية أو إطعام، فكله لمساكين الحرم. وهذا الحكم لا يدل عليه دليل صريح، إنما جاء في الهدي الذي لم يجد الهدي: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، هدي يبلغ الكعبة، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صيام، ليذوق وبال أمره. فما جاء به النص، أنه يطعم المساكين، مساكين الحرم، مثل هدي، هذا لا شك فيه، يقال به، على أنه يطعم مساكين الحرم. وأما ما لا نص فيه، فإنه عام، فإنه يكون عاما، هذا قول المالكية، ورواية عن أحمد، وهو صحيح. بل جاء في الحديبية، أين قسموا اللحم؟ هل قسموه داخل الحرم، على ذبح في الحديبية؟ لكن هل دخلوا الحرم؟ ما دخلوا الحرم، فلهذا يدل على أنهم قسموا هذا اللحم في الحديبية، أو رجعوا به إلى المدينة. فلهذا هدي الإحصار لم يذكر الله عز وجل أنه يعطى مساكين الحرم، لم يذكر الله عز وجل: ﴿فَإِنْ حُصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، فقط أطلقه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، لم يقل: هديا بالغا الكعبة، مثل ما قال في هدي التمتع والقرآن. طيب، قال: وفدية الأذى واللبس ونحوهما، ودم الإحصار حيث وجد سببه. يعني إذا وجد السبب، ليس كل إحصار، يعني يريد ليس كل أذى، في فدية، وإنما إذا وجد سببه، مثلا لو تعذى الإنسان من رأسه، أو من شعر رأسه كثير، أو قمل، هل معنى ذلك أنه يفدي لأجل الأذى؟ لا، إذا حلق إذا وجد السبب وهو الحلق. وكذلك اللبس، ودم الإحصار حيث وجد سببه، أيضا دم الإحصار. يقول بعض العلماء: إنما الإحصار إذا كان من عدو، إذا كان من عدو، أما إذا كان غير عدو، فإنه لا يكون إحصارا، لا يكون فيه فدية، وإنما ينتظر حتى يذهب ذلك الإحصار، مثلا يكون من مرض. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير: «اشترطي أن محلك حيث حبستك»، اشترطي أن محلك حيث حبستك. فلهذا قال بعض العلماء: إذا كان غير الإحصار إحصار العدو، فإنه لا بأس أن الإنسان ينتظر، مثلا لو مرض، أصابه مرض في بطنه، أو في كذا، فإنه يذهب إلى المستشفى ويتعالج، فإن عولج يرجع إلى إحرامه، أنا ما ينتقل الإحرام، يبقى الإحرام. فإذا أدرك أيام الحج، ذهب مع الناس. وكذلك أيضا إذا منع من دخول مكة، مثل مثلا ما يحصل الآن من الحدود، وكذا إذا منع من دخول مكة، ثم أدخل، فإن كان دخوله قبل انتهاء الحج، فإنه يحج، ويكون إحرامه صحيحا، يكون إحرامه صحيحا. فهذا مقصود المؤلف: حيث وجد سببه. قال: ويجزي الصوم بكل مكان. معنى إذا صام الفدية، صوم الفدية يجزي في كل مكان، ليس مثل صوم من لم يجز الهدي، من لم يجز الهدي لابد أن يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع. لكن صيام الفدية يصوم في أي مكان، حتى لو أخره إلى بلده، معنى ما عنده ليست مشكلة، يفدي بأي شيء؟ بالصيام، مثلا يكون في بلده. معنى هو مخير بالصيام والإطعام والفدية أو النسك، ففدية من صيام، قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾، ففدية من صيام، أو صدقة، أو نسك، هذه ثلاثة الأشياء مخير فيها. قال: والدم شاة أو سبع بدنة، وتجزئ عنها بقرة. فعنى الذي يذبحه في الفدية شاة، أو سبع أبل، سبع بدنة، البدنة البعير يذبح، سبعه يشترك في سبع, هذا جائز، أو شاة واحدة. قال: وتجزئ عنها بقرة. والبقرة مختلفة، هل تجزئ في السبع أو لا؟ والصحيح: أنه تجزئ عند جمهور العلماء، لأنها مثل الهدي، فالهدي يجزئ فيه سبعة في البقرة، فكذلك أيضا هنا. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى.