كتاب المناسك 8

الدرس في كتاب المناسك 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام الحج والعمرة ودم المتعة والقران

يتناول هذا الفصل أحكام دم المتعة والقران في الحج، حيث يجب الهدي على المتمتع والقارن، ويفصل حكم المفرد بالحج. كما يوضح أن الهدي واجب على من أراد الإفاضة من عرفة.

صيام بدل الهدي للمتمتع والقارن وتفاصيله

إذا عجز المتمتع أو القارن عن الهدي، عليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة عند العودة إلى أهله، مع توضيح تفاصيل صيام هذه الأيام ومواعيدها.

أحكام المحصر والوطء في الإحرام والكفارات المترتبة

يشرح هذا الفصل حكم المحصر ووجوب الهدي عليه لتحلله، كما يتناول حكم من وطأ في إحرامه، والكفارات الواجبة على الزوجين في هذه الحالة.

  • 29 جمادى الآخرة 1444هـ - 21/01/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأما دم متعة وقران فيجب الهدي، فإن عدم فصيام ثلاثة أيام والأفضل كون آخرها يوم عرف، وسبعة إذا رجع إلى أهله. طيب الآن دخل في دم المتعة والقران، وقلنا إن هذا ليس مكانه، لكن سيأتي لماذا يجعلون مثل هذا في هذا المكان. وتقدم معنا الفدية في بعض المحرمات في الحلق وتقليم الأظافر وتقصير الرأس، أن فيه فدية صيام أو إطعام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة. لكن قلنا إنه لا دليل على هذا، وإنما الدليل جاء في الحلق، الدليل جاء في الحلق. وأما هذه الأشياء لم يأت فيها دليل على أن فيها فدية، بل كما قلنا جاء ما يدل على العكس، كما جاء في حديث ابن عمر وابن أمية، وكان لابسا قميصا فيه طيب، فلم يأمره النبي عليه الصلاة والسلام بالفدية. وأيضا هناك مسألة أخرى، وهي أن هذه الأشياء تكون الفدية فيها إذا كان معذورا، لأن الله عز وجل قال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، فجعل هذه الكفارة لمن كان معذورا. طيب الذي يفعله متعمدا، هل عليه كفارة؟ الذي يفعل ذلك تعمدا يحلق رأسه مثلا متعمدا، أو يتطيب أو غيره، فالصحيح أنه -وهو قول الظاهرية وجماعة والشوكاني وجماعة منها العلم- على أنه لا دليل على من يتعمد فعل هذه المحظورات أنه عليه فدية، لا دليل. حتى ولو حلق رأسه، لو حلق رأسه متعمدا بغير عذر، فأيضا ليس عليه فدية، لأن الفدية هذه كفارة للنسيان، وأما هذا الذي يتعمد، أو كفارة للمرض وللعذر. وأما هذا الذي يتعمد فهو يرتكب المحظور متعمدا، فهو آثم، والواجب عليه أن يتوب إلى الله جل وعلا. الآن الناس يظنون أن مثلا الإثم عنده أفضل من كفارة، لأن كثيرا من الناس يقيس على أمر الدنيا، فيجعل الإثم أهون عنده من الكفارة، وليس كذلك. فالإثم أعظم المحظور، أو الذنب الذي يكون فيه إثم يكون أعظم من الذي يكون فيه كفارة، لأن الكفارة هذه مخرج فقط، يخرج به من ما حصل، مثل مثلا الكفارات التي تحصل في الأيمان وفي غيرها. فهذا مثلا الذي يحلف كاذبا، هذا ليس عليه كفارة، بل عليه إثم. فبعضهم مثلا ما تقول له: يتوب إلى الله، كذا استسهل هذا ويظن أن التوبة سهلة. المهم أن هذه المحظورات يكون فيها عند الجمهور الفدية، سواء كان فعلها معذورا أو غير معذور. وذهب جماعة منها العلم على أن هذه الفدية إنما تكون على المعذور، وهذا هو ظاهر النصوص. طيب قالوا: وأما دم متعة وقران، لأن الدم أي الذبح والهدي ما يكون إلا في نسك المتعة والقران. أما من كان مفردا بالحج، فهذا ليس عليه هدي، الذي يفرد بالحج ليس عليه هدي، لأن الله عز وجل قال: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، فالهدي إنما يكون على المتمتع وعلى القارن. وأما الذي يحج مفردا، مثلا على مذهب الشافعية يستحبون الإفراد، فالذي يحج مفردا فعليه أو ليس عليه هدي؟ ليس عليه هدي، معنى يسقط عنه الهدي. وإنما الهدي يكون على المتمتع والقارن. قال: وأما دم متعة وقران فيجب الهدي، إذا عجز عنه. لأن الله عز وجل أوجبه، قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة، ذلك لمن لم يكن أهله حاضر المسجد الحرام. لأن الذي يكون في المسجد الحرام، أي في مكة، لا يكون عليه تمتع، وإنما يحج مفردا، لأن على قول كثير من هذا العلم أنه ليس عليه عمرة، إنما عليه زيارة. طيب الآن يجب أولا عليه الهدي إذا كان متمتعا أو قارنا، فإن عدمه، عدم الهدي، ما عنده أو لم يستطع ولم يقدر على شراء الهدي، عنده مال لكنه لا يستطيع شراء الهدي بهذا المال لأنه نفقته مثلا في الطعام والشراب، إذا اشترى الهدي سيكون عليه كثيرا، أو أنه سيذهب عليه المال. فالمهم أنه إن عدم ما يشتري به الهدي أو لم يقدر، أو أنه عدم الهدي ما وجد هدي يشتريه، فهنا عليه أن يصوم، يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. قال: فصيام ثلاثة أيام، من الأفضل كون آخرها يوم عرفة، هذا الأفضل يكون آخرها يوم عرفة، معناه أنه يصوم اليوم السابع والثامن ويوم عرفة. هذا إذا لم يجد الهدي. وإن كان مثلا متأملا أنه سيجد هدي أو أن عنده مال سيشتري به الهدي، ثم أخذ عليه هذا المال أو سرق أو سقط عليه هذا المال، فهو معذور، لا يجب عليه الهدي، لكن عليه أن يصوم. لكن متى يصوم؟ فإن كان وجد سعة في الصيام في العشر الأول من ذي الحجة، في السادس أو السابع، مثل ما يقول الشافعية، عندهم الأفضل السادس والسابع والثامن. والحنابلة يقولون: السابع والسادس والسابع والثامن والتاسع. الشافعية لماذا خرجوا من التاسع؟ قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم ما صامه، وعندهم أنه نهى عنه. لكن ليس هناك نهي، وإنما لم يصومه النبي صلى الله عليه وسلم. وأما الحديث: نهى عن صيام عرفة بعرفة، أو صيام يوم عرفة بعرفة، هذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا إن وجد سعة يصوم السادس والسابع والثامن، فإن لم يجد ووجد صيام السابع والثامن والتاسع، فله أن يصوم ذلك. فإن لم يجد إلا يوم عرفة مثلا، لأن الهدي يكون يوم النحر، فإن كان مثلا عدم المال يوم النحر، يوم العاشر من ذي الحجة، فكيف يفعل؟ يصوم الأيام التي بعده، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهدي، كما جاء في البخاري عن عائشة وابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لمن يصوم ثلاثة أيام التشريق لمن لم يجد الهدي. معنى رخص له، لأن أيام التشريق منهى عن صيامها، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام التشريق. لكن لمن لم يجد الهدي يصومها، لأن الوقت ضيق عليه حتى يصوم ثلاثة أيام في الحج. قال: سبعة إذا رجع إلى أهله، فهل له أن يصومها في الحج؟ يعني إذا وجد ساعة، أنا جالس بعد الحج، جالس، فهل له أن يصوم؟ فعند الشافعية والحنابلة أنه يصوم، له أن يصوم، وأن هذا رخصة. أقصد عند الحنابلة، قالوا: يجوز أن يصوم. وأما عند الشافعية، قالوا: لا، لابد أن يصوم السبعة هذه في بلده، حتى في الطريق، قالوا: لا يصوم في الطريق. لكن الظاهر أنه قول الحنابلة، لأن هذه رخصة، فمن أخذ بها فلا بأس. لكن من صام قبل ذلك فله ذلك. فالمقصود هو الصوم، وليس المقصود أنه يصوم في بلده، وإنما في بلده رخصة أنه يؤخر الصيام إلى بلده. فلهذا لو صام قبل مثلا، صام ثلاثة أيام في الحج، ثم وجد وقتا آخر أيضا يصوم فيه من السبعة، فلا بأس، وصام في الطريق فلا بأس. لكن الأفضل، معنى الذي جاء في القرآن، أنه يصوم سبعة أيام في بلده. قالوا: المحصر إذا لم يجد هديا صام عشرة ثم حل. وهنا إذا كان مثلا، معنى انتهى الآن من دم متعة والقران. قلنا: لأنه يجعلون من لم يستطع الصوم يجعلون له إطعاما، معنى بعض الفقهاء يجعلون له إطعاما، شبهوا بالفدية، شبهوا بالفدية، وهذا ليس صحيحا. طيب قالوا: المحصر إذا لم يجد هديا صام عشرة ثم حل. المحصر الذي منع من الحج، أنا أحرمت من الميقات ثم منع من الحج، إما منع بسبب مثلا عدو، أو بسبب مثلا هذه الأنظمة، مثلا يمنعون مثلا من لم يكن عنده رخصة، أو منع لأجل مرض، أنا أصابه مرض فأسعف إلى المستشفى، فهذا كله إحصار، هذا كله يعتبر إحصار. فمن أحصر فعليه هدي، كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وإن أحصرتم فما استيسر من الهدي. فإذا أحصر الإنسان فإنه يجب عليه أن يهدي لأجل أن يتحلل، أن يتحلل بهذا الهدي، يتحلل بهذا الهدي. قد تقدم معنا أنه لو اشترط لا يجب عليه هدي، مثل ما جاء في البخاري، لما اشتكت أسماء بنت زبير، بنت عم النبي عليه الصلاة والسلام، اشتكت أنها مريضة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «حجي واشترطي أن محلك حيث حبستك»، أن محلك حيث حبستك. معناه: حل التحلل يكون مكان الحبس، فيشترط المريض أو من عنده شيء يرى أنه سيمنع، ما عنده ترخيص مثلا حج أو كذا، فهو يشترط، يقول: اللهم محلي حيث حبستني. فإذا اشترط سقط عنه الهدي، إذا لم يشترط أو ليس هناك له عذر للاشتراط، وجب عليه هدي. قال هنا: صام عشرة أيام إذا لم يجد هديا صام عشرة ثم حل. وهذا قياس، لم يأت نص لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الصائم أو أن المحصر يتحلل من إحرامه بعشرة أيام. إنما هذا في من لم يجد الهدي، من لم يجد الهدي فعليه عشرة أيام. وأما المحصر، لم يدل دليل على ذلك، وإنما القياس، والقياس هنا بعيد. والقياس هنا بعيد، ولهذا ذهب المالكية والحنفية وجماعة من الحنابلة على أنه لا صيام عليه، وإنما بعضهم قال بالفدية، بالفدية، مثل ما جاءت في القران: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. طيب فهنا إذا أحصر، ماذا عليه إذا لم يجد هدي؟ فماذا عليه؟ قالوا: ما عليه شيء. وكما قلنا: الحنابلة والشافعية يقولون: عليه عشرة أيام، يصوم عشرة أيام، ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، أو ثلاثة أيام في مكانه الذي أحصر فيه وسبعة إذا رجع. لكن هذا قياس على الدليل، ليس هناك دليل يدل عليه. وقياس المحصر على المتمتع الذي لم يجد الهدي ليس صحيحا. وإنما يتحلل إذا لم يجد الهدي، يتحلل بعدم، يتحلل بعدم. قال: ويجب بوطء في فرج في الحج بدنة، وفي العمرة شاة. وفي العمرة قال: ويجب بوطء في فرج في الحج، معنى فرج، أي فرج المرأة، وسواء كانت زوجته أو ليست زوجته، ولهذا أطلق هنا: في فرج في الحج، قال: بدنة، وفي العمرة شاة. وإن طاوعته زوجة لزمهما هذا قد تقدم. معنى أنه إذا وطأ زوجته وهو محرم، يجب عليه أربعة أشياء. إيش هذه الأربعة الأشياء؟ أولا: يفسد حجة. والثاني: عليه بعير، عليه دم. والثالث: يكون عليه حجة هذا قبل التحلل الأول، عليه أن يمضي حجة، عليه أن يعيدها السنة التي بعدها إن استطاع. فهذه أربعة أشياء يجب على من جامع وهو محرم قبل التحلل الأول. قبل التحلل الأول، وأما بعده، بعد التحلل الأول، أيضا ذكرنا أنه لا يفسد حجه، لكن يفسد إحرامه، يفسد إحرامه. طيب وهنا ذكر أنه: ويجب وطء في فرج في الحج بدنة، أي بعير كامل، وفي العمرة شاة. إذا كان محرما بعمرة عليه شاة. وبعض العلم أيضا يقول عليه بعير، قالوا: إن طاوعته زوجة لزمهما، أن إذا كانت مطاوعة يلزمها أيضا كذلك كفارة، يلزمها أيضا تذبح بعيرا. وإن كان أكرهها، فبعض العلم يقول: هو قول الشافعي وأحمد، إذا كان أكرهها فهو، فيلزمها أيضا كذلك، لكن يكون عليه الهدي. وفي رواية عند أحمد: أنه ليس عليه شيء إذا أكرهها، ليس عليها شيء. لكن هؤلاء يقولون عليها، ويدفعه هو لأنه هو الذي أفسد حجها. لكن إن كانت مطاوعة له، أنا بدون إكراه وغصب، فهنا يكون يلزمها الكفارة، يلزمها الكفارة. وأما إذا كانت مكرهة أو مغصوبة، أنا نفس الإكراه، فهنا يكون ليس عليها شيء، ليس عليها شيء على الصحيح، لأنها أكرهت، والمكره ليس عليه إثم، فكيف يؤمر بكفارة؟ طيب إن شاء الله تعالى ننتهي بهذا، الله تعالى أعلم.