الدرس في كتاب الصلاة 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
معاوية بن أبي سفيان صحابي جليل وكاتب وحي للنبي، وأحد أمراء بني أمية، وله فضل كبير في غزو البحر في سبيل الله. كان أول من غزا البحر في خلافة عثمان بن عفان.
أهل السنة يثنون على معاوية ويرضون عنه لكونه من فقهاء الصحابة، وقد شهد له عبد الله بن عباس بالفقه. كما روى معاوية حديثا عن النبي حول فضل المؤذنين.
المؤذنون لهم فضل عظيم يوم القيامة، ويختلف العلماء حول ما إذا كان الأذان أو الإمامة أفضل، مع ميل إلى أن الإمامة أفضل لاختيار الله تعالى الأنبياء والأئمة الصالحين.
الإمامة لها أحكام وفضائل وتتطلب حفظ كتاب الله والفقه في كتاب الله وسنة رسوله، وجمع بين الإمامة والأذان فضيلتان عظيمتان.
الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إماما مصر بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا عبدة، عن طلحة بن يحيى، عن عمه، وهو عيسى بن طلحة بن عبيد الله، قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان، فجاءه المؤذن. معاوية بن أبي سفيان، رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي جليل، ممن أسلم عام الفتح، وهو أحد كتاب الوحي للنبي، عليه الصلاة والسلام. وهو كذلك أفضل أمراء بني أمية. وكذلك أيضا النبي، عليه الصلاة والسلام، أخبر بشيء من فضائله. ومن ذلك ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أم حرام، حين قال: «يغزو جيش من أمتي البحر، أو قال: يركب ثبج هذا البحر من أمتي، أو أول من يركب ثبج هذا البحر، غزاة في سبيل الله». فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأنه مغفور لهم. وكان أول من غزا في البحر هو معاوية، رضي الله عنه، في خلافة عثمان، رضي الله تعالى عنه. وجاء في لفظ في السنن: «أول من يغزو من أمتي البحر فقد أوجب». ومن هذا اللفظ، وكما قال عليه الصلاة والسلام، وكان أول من غزا في البحر، ومعاوية، رضي الله تعالى عنه، فهو صحابي جليل، رضي الله تعالى عنه. قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان، وأبو سفيان صخر بن حرب أيضا، رضي الله عنه، أسلم عام الفتح، وحسن إسلامه. قال: فجاءه المؤذن، ونُعْتَ معاوية، رضي الله عنه، بخال المؤمنين. لقب بخال المؤمنين لأنه أخو زوج النبي عليه الصلاة والسلام، أم حبيبة بنت أبي سفيان، فهي أم المؤمنين، ومعاوية، رضي الله عنه، أخوها. يلقب بخال المؤمنين، وهذا بيان فضله وعظيم منزلته. وعلى هذا عقيدة أهل السنة والجماعة في الثناء عليه والترضي عنه، رضي الله تعالى عنه، خلافا للشيعة والروافض الذين يطعنون في معاوية ويلعنونه، بل ويكفرونه، لما وقع بينه وبين علي، رضي الله تعالى عنه، من وقائع وحروب. وتلك الوقائع حصلت عن اجتهاد منهم، رضي الله تعالى عنهم، فالمصيب له أجران، والمخطئ له أجر، وخطأه مغفور له. قال: فجاءه المؤذن يدعوه إلى الصلاة، فقال معاوية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة». قال: وحدثنيه إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا أبو عامر، قال: حدثنا سفيان، عن طلحة بن يحيى، عن عيسى بن طلحة، قال: سمعت معاوية يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. هذا الحديث حديث معاوية، رضي الله عنه، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة». قال عيسى بن طلحة: كنت عند معاوية بن أبي سفيان، فجاءه المؤذن يدعوه إلى الصلاة. ومعاوية، رضي الله عنه، يعد من فقهاء الصحابة. وهذا أيضا من فضائله، رضي الله تعالى عنه. وشهد له بذلك عبد الله بن عباس، حبر هذه الأمة، كما في صحيح البخاري. أخبر ابن عباس بأن معاوية يوتر بركعة، فقال ابن عباس: إنه فقيه. هكذا يشهد له هذا الحبر العالم الفقيه بأن معاوية، رضي الله عنه، فقيه. ولهذا جمع أهل العلم فتاوى معاوية، رضي الله عنه، من ضمن فتاوى الصحابة، رضي الله تعالى عنهم. هنا جاء عيسى بن طلحة يخبره بما كان عنده، فجاءه المؤذن يدعوه إلى الصلاة، لأن معاوية كان الأمير، وهو إمام الناس في الصلاة. فقال معاوية: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة». قال: هذا أراد به أن يبشر هذا المؤذن بفضل ما هو عليه من الأذان وإعلام ورفع كلمات الأذان العظيمة، بأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة». قال أهل العلم في تفسير هذا الحديث: أطول الناس أعناقا يوم القيامة، منهم من قال: المراد بذلك أنهم أكثر الناس تشوفا إلى رحمة الله، لما لهم من فضل عظيم من رفعهم للأذان. لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن المؤذن لا يسمع مدى صوته جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه. وهذه لا شك أنها فضيلة عظيمة. وقيل: أن المراد بقوله أكثر الناس أو أطول الناس أعناقا، كثرة ما يرونه من الثواب. وقيل: أنهم سادة ورؤساء، أطول الناس أعناقا، أي أنهم سادة ورؤساء. ولهذا العرب تصف السادة بطول العنق. وقيل: أكثر أطول الناس أعناقا، أي أكثر أتباعا. وقيل: أطول الناس أعناقا، أكثر الناس أعمالا. ولا شك أن حمل الحديث على ظاهره هذا هو الأولى. أطول الناس أعناقا يوم القيامة، وهو على ظاهره أن أعناقا تكون طويلة، قد يكون ذلك تشوفا إلى ما لهم من الأجر والثواب، أو لغير ذلك من المعاني، فالله أعلم. لكن يثبت اللفظ على ظاهره، هذا أولى ما يحمل عليه الحديث، ويكون لهم في ذلك فضيلة. فالمهم أن هذا الحديث فيه فضيلة للمؤذنين، أنهم أطول الناس أعناقا يوم القيامة. وهل الأفضل الأذان أو الإمامة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، منهم من قال: الأذان أفضل، ومنهم من قال: الإمامة أفضل. والأظهر أن الإمامة أفضل، وذلك لأن الله عز وجل اختار هذا النبي عليه الصلاة والسلام، فكان النبي صلى الله عليه وسلم هو الإمام إمام الناس. وهكذا كان بعده خير هذه الأمة، هو أبو بكر، رضي الله عنه، وبعد أبي بكر خير الأمة، عمر، رضي الله عنه، فكانوا الأئمة الذين يصلون بالناس. وكذلك لما في الإمامة من أحكام وفضائل، وأنه لا يتشرف لها أو يكون من أهلها إلا من كان أهلا للإمامة، بحفظ كتاب الله جل وعلا، والفقه في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وإن اجتمع الأمران، فهما أكبر. يعني إذا اجتمع في الشخص أن يكون مؤذنا وإماما، فقد جمع بين فضيلتين عظيمتين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.