الدرس في كتاب الصلاة 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
عندما يُنادى للصلاة بالأذان والإقامة، يهرب الشيطان بعيدًا، ثم يعود لوسوسة المصلي أثناء الصلاة. هذا يدل على تأثير الأذان في طرد الشيطان.
الشيطان يوسوس للمصلي أثناء الصلاة بأمور الدنيا، مما يسبب له التشويش وعدم التركيز، ويؤدي إلى عدم معرفته لعدد الركعات التي صلاها. هذا يستدعي التعوذ بالله من الشيطان.
النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى التعوذ بالله من الشيطان عند الشعور بوسوسته أثناء الصلاة. الأذان له فضل كبير في طرد الشياطين وإبعادهم، ويُعد وسيلة مهمة في الإسلام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج بن حسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، وعثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر. أبو سفيان: طلحة بن نافع، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء». قال سليمان: فسألته عن الروحاء، فقال: هي من المدينة ستة وثلاثون ميلا. وقوله: قال سليمان، أي للأعمش، سليمان: مهران، والمسؤول هو أبو سفيان، شيخه طلحة بن نافع. قال رحمه الله: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، بهذا الإسناد. أبو بكر بن أبي شيبة، وقال قبل في السند الأول: عثمان بن أبي شيبة، عثمان بن أبي شيبة أخ لأبي بكر بن أبي شيبة. أبو بكر: شموما عبد الله بن محمد بن إبراهيم، وهذا عثمان بن محمد بن إبراهيم. نعم، وكلاهما من مشايخ الإمام مسلم، وأيضا من مشايخ البخاري. قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد، وزهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، واللفظ لقتيبة، قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة أحال له ضراط حتى لا يسمع صوته»، أي صوت الأذان، فإذا سكت رجع فوسوس، فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع فوسوس. قال: حدثني عبد الحميد بن بيان الواسطي، قال: حدثنا خالد -يعني ابن عبد الله- عن سهيل، وابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله حصاص». الحصاص يطلق في اللغة العربية ويراد به شدة الركض وسرعته، ويطلق أيضا على الضراط، يقال للضراط أيضا حصاص، ولعل كلا المعنيين مراد في هذا الموضع. أدبر وله حصاص، يعني سرعة في الركض مع الضراط، كما في الأحاديث الأخرى وروايات أخرى. قال: حدثني أمية -أمية ابن بسطام- قال: حدثنا يزيد -يعني ابن زريع- قال: حدثنا روح، عن سهيل، قال: قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة، قال: ومعي غلام لنا أو صاحب لنا، فناداه مناد من حائط باسمه، فقال: وأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئا، فذكرت ذلك لأبي، فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتا فنادي بالصلاة. فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولا وله حصاص». قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا المغيرة -يعني الحزام- عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. الأعرج: عبد الرحمن بن هرمز، وأبو الزناد: عبد الله المذكوان، قال: عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التأذين أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر». ثوب بالصلاة يعني أقيمت الصلاة، معنى أقيمت الصلاة: الثثويب، يعني الإقامة، وأصل هذه الكلمة التثويب، من ثاب إذا رجع. ومقيم الصلاة هو راجع إلى الدعاء إليها، كأن المؤذن حين أذن ودعا الناس إلى الصلاة، ثم أقام ثوب إلى الصلاة، دعا إليها مرة أخرى، دعا إلى إقامتها مرة أخرى. قال: فإذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول له: أذكر كذا واذكر كذا لما لم يكن يذكر من قبل، حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى. أو قال: قال: وحدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق -أو من همام صنعاني- قال: حدثنا معمر، ومن راشد، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، غير أنه قال: «حتى يظل الرجل إن يجري كيف صلى»، يعني ما يدري كيف صلى، لأن الشيطان وسوس له في الصلاة حتى أصبح لا يدري كم صلى من الركعات. هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن المؤذن إذا سمع النداء، إذا أذن بالأذان، إذا سمع الأذان أدبر، هرب حتى لا يسمع الأذان، بل ليس كذلك فقط، وله ضراط. في الرواية الأخرى: «وله حصاص»، يخرج هذا الصوت حتى لا يسمع الأذان، لماذا؟ لأن الأذان يؤذيه، الأذان يؤذيه، وهو قد تكبر على الله جل وعلا حين أمره بالسجود لآدم، وتكبر عن الاستجابة لله سبحانه وتعالى، ولهذا يتأذى من سماع الأذان الذي فيه النداء إلى الصلاة، فيه النداء إلى الصلاة والركوع والسجود لله جل وعلا. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن المسلم إذا قرأ السجدة -الآية فيها السجدة- فسجد، بكى الشيطان، بكى الشيطان، ويقول: أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت، فلي النار. وأمرت بالسجود فعصيت، فلي النار. وهكذا إذا سمع الأذان فإنه يدبر ويهرب حتى لا يسمع الأذان. إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب، يعني ابتعد، فإذا انتهى المؤذن من الأذان رجع، رجع حتى ينتظر إقامة الصلاة، لأجل أن يوسوس للإنسان بصلاته ويؤذيه في أداء هذه العبادة. فإذا ثوب -قيمة الصلاة- أقام المؤذن الصلاة، هرب مرة أخرى، وله ضراط، حتى لا يسمع ألفاظ الإقامة. فإذا انتهى المؤذن من إقامة الصلاة رجع، ويبدأ حينئذ في الوسوسة، حتى يخطر بين المرء في صلاته، حتى يظل المرء لا يدري كم صلى. يخطر بين المرء ونفسه، يوسوس له، ويذكره بأشياء قد نسيها، يذكره بكذا وكذا من الأمور التي نسيها من أمور الدنيا، حتى يختلط على المصلي كم صلى بصلاته، هل صلى ركعتين أو صلى ثلاث أو صلى أربع. اذكر كذا واذكر كذا من أمور الدنيا، حتى يشغله لما لم يكن يذكر من قبل، يعني قبل أن يدخل في الصلاة، ما كان يذكر هذه الأشياء، ما كان يذكرها، فإذا دخل إلى الصلاة ذكره بها الشيطان، حتى لا يحضر قلبه في الصلاة، يبقى فقط جثة، والقلب في خارج الصلاة، يذكره بما نسيه في داخل الصلاة: اذكر كذا واذكر كذا واذكر كذا. قال: حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى، بسبب وسوسة الشيطان، بسبب وسوسة الشيطان، ما يدري كم صلى، ركعتين صلى ثلاث. وهذا يدلنا على عظم عداوة الشيطان، ولهذا الله عز وجل أخبر بذلك: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، فهو عدو للإنسان والمسلم، لا يريد أن يؤدي هذه العبادة كما يحب الله جل وعلا بخشوع وحضور قلب وتدبر. فيأتي وسوس له، وهذا الشيطان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم يقال له: «لا أخنزب» في حديث عثمان بن أبي العاص، لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم -أو عثمان أبي العاص- قال: «إن الشيطان يقتل لي بصلاة»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أحسسته فذاك شيطان»، يقال له: «لا أخنزب»، فإذا شعرت فتعوذ بالله من الشيطان، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فهو هذا الذي وسوس للإنسان في صلاته حتى لا يحضر قلبه في الصلاة، ولهذا المسلم يحرص إذا دخل في الصلاة أن يسد أبواب التفكير، إذا فتح الشيطان له بابا يفكر فيه يسده، يقفله، يقول: بعد الصلاة، بعد الصلاة، تذكر هذا الأمر. رغم ما يدخلك في حسابات، أنت داخل الصلاة، ويكن الإنسان صاحب أعمال، ما شاء الله، تأتي أحسن التفكير في الحسابات داخل الصلاة، حتى يلبس على الإنسان في صلاته. فأنت تستعيذ بالله جل وعلا من الشيطان، وتحرص إذا دخلت إلى الصلاة أن تسد كل باب يفتحه الشيطان لك، حتى تكمل صلاتك بحضور قلب وخشوع وتدبر. وفيه كذلك أيضا في رواية التي فيها أمر أبي صالح -هو ذكوان السمان- ابنه أن يؤذن، لما أخبره أرسله إلى بني حارثة وحده، ومعه غلام، يعني صغير، غلام صغير، فسمع صوت مناد يناديه، فسمع صوت مناد يناديه من حائط، يعني بستان، يناديه من حائط، يعني بستان. فأشرف الذي معه -الغلام- على الحائط ما رأى شيئا، ما في أحد، فلما أخبر أباه بذلك عرف أن هذا شيطان، أن هذا الذي ناداه باسمه شيطان، فقال له: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك، يعني لو كنت أعلم أن الشيطان سيتعرض لك بمثل هذا حتى يخيفك أو يؤذيك ما أرسلك. وهذا فيه أن الإنسان إذا كان وحده، فينبغي أن لا يمشي وحده، وخاصة في أوقات الظلام والليل، لا يمشي وحده في أوقات الظلام والليل التي هي مظنة انتشار الشياطين. وكذلك استغلال الهدوء الذي يكون في مثل ذلك الوقت، فربما يؤذون الإنسان بأصوات أو نداء أو رميه بحجر أو شيء من ذلك حتى يخيفونه. ولهذا يحرص أن يكون معه أحد، أن يكون معه أحد حتى لا يكون للشيطان عليه تسلط. فقال: ولكن إذا سمعت صوتا فنادي بالصلاة، يعني سمعت مثل ذلك صوت من منادي ينادي وأنت وحدك فأذن. قال: فنادي بالصلاة، أذن بماذا؟ لهذا الحديث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان إذا سمع النداء أدبر وهرب، وهرب. ولهذا تجدون بعض الممسوسين الذين يصابون بالمس إذا أذنت يتأذى الجن الذي في داخله يتأذى أذية عظيمة إذا سمع النداء، لكن ربما لا يخرج إذا كان يعني عن طريق السحر قد لا يستطيع الخروج، لكن يتأذى أذية كبيرة إذا سمع الأذان. وهذا يدلنا على فضل الأذان، أن الأذان يطرد الشياطين ويؤذيها، لما في ألفاظه وكلماته من ألفاظ عظيمة ومعاني عظيمة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.