كتاب الأمور المنهي عنها 77

كتاب الأمور المنهي عنها 77

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 77، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

النهي عن الإشارة بالسلاح للمسلم وحرمة ترويعه

يُحرِّم الشرع الإشارة إلى المسلم بالسلاح جادًّا أو مازحًا، وتُلعن الملائكة الفاعل حتى ينزع السلاح، ويُعد ترويع المسلم وتخويفه من كبائر الذنوب، وقتاله كفرًا أو كبيرةً عظيمةً تستوجب النار.

سد الذرائع في تحريم ترويع المسلم وإطلاق الرصاص

يبيّن المقطع تحريم ترويع المسلم بالتلويح بالسلاح مزاحًا أو إخفاء سلاح النائم أو إطلاق الرصاص في الأفراح، مستدلاً بأحاديث نبوية تحذر من عواقب ذلك، ومؤكدًا أن هذه الأحكام تندرج تحت قاعدة سد الذرائع درءًا للمفاسد.

آداب السلامة مع الأسلحة والنهي عن تناول السيف مسلولاً

يشرح المقطع حديث النهي عن تناول السيف مسلولاً مبينًا ضعف إسناده وتقويته بالشواهد، ويوضح الحكمة وهي تجنب الإصابة، ثم يعمم الحكم على السكين والأسلحة النارية محذرًا من رميها، داعيًا للأخذ بآداب السلامة الشرعية.

الخاتمة والصلاة على النبي

يختتم المتحدث المقطع بالصلاة على النبي محمد وعلى آله، ويحمده الله رب العالمين، مقراً بأن الله تعالى أعلم بكل شيء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: «باب النهي عن الإشارة إلى مسلم بسلاح ونحوه، سواء كان جاداً أو مازحاً، والنهي عن تعاطي السيف مسلولاً». ومعنى «مسلولاً»: أي أنه ليس في غمده، ليس في الغمد الذي يحفظ فيه. قال رحمه الله تعالى: قال عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري، لعل الشيطان ينزغ في يده، فيقع في حفرة من النار». متفق عليه. قال: وفي رواية لمسلم: «قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى ينزع، وإن كان أخاه لأبيه وأمه». قال: قوله صلى الله عليه وسلم «ينزع» ضبط بالعين المهملة مع كسر الزاي: «ينزع»، وبالغين المعجمة مع فتحها: «ينزغ»، ومعناهما متقارب. ومعناه بالمهملة: أي ينزع، يرمي. وبالمعجمة أيضاً: يرمي ويفسد. وأصل النزع: الطعن والفساد. هذا يا إخوان، هذا الحديث فيه تحريم الأسباب التي تؤدي إلى أذية المسلمين، والذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». فلا يجوز يا إخوان أذية المسلمين بأي نوع صورة من صور الأذى. ومن أعظم الأذى ما ذكر في هذا الحديث: أن يشهر سيفاً، أو يرفع سكيناً، أو يظهر ويوجه سلاحاً إلى أخيه. «ليس منا من حمل السلاح علينا»، فليس منا كما أخبر عليه الصلاة والسلام. ومن باب أولى يا إخوان: قتال المسلم فهو أعظم. «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل - يعني استحق دخول النار بسبب قتله لأخيه - فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه». فقتال المسلم قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»؛ أي: دون كفر، أو أنه يكون كفراً أكبر إذا استحل دم أخيه المسلم. وهكذا في هذين الحديثين تحريم الإشارة إلى المسلم بالسلاح، ولو كان على سبيل المزاح. أخذ سكين فرفعها على أخيه، قيل: ما لك؟ قال: أمزح. لا، ما يجوز المزح بالسلاح. وهذا يعتبر من كبائر الذنوب، فإن الملائكة تلعن من فعل ذلك، تلعن من فعل ذلك. وكذلك فيه النهي عن ترويع المسلم. وما هو المقصود بترويع المسلم؟ تخويفه. أحسن: يخيف المسلم، يرفع عليه مسدساً، قيل: ما لك؟ ما الذي حصل؟ قال: من باب التخويف. وهذا يحصل في بعض الأحيان بين الزملاء وبين الأصحاب، فما تدري إلا ويقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم: «لعل الشيطان ينزع» - في رواية: «ينزغ في يده، فيقع في حفرة من النار». تقع يده على الزناد، فتتطاير الطلقات وتخرج الرصاصات، فإذا بها تمزق الأجسام وتكون سبباً في خروج الأرواح من هذه الأجساد. وكم يا إخوان حصل ما حصل من الحوادث بسبب الترويع والتخويف، وبسبب المزاح والمضحك إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. فهذا كله مما لا يجوز. فترويع المسلم يعتبر حراماً. في بعض الأحيان يقع الترويع بصورة أخرى: فلربما ينام الشخص وسلاحه إلى جنبه، فيأتي بعض أصحابه فيأخذ السلاح ويخفوه. يسيقظ صاحبنا، يبحث عن سلاحه فلا يجده. من أخذ السلاح؟ أين السلاح؟ فيقول: ما رأينا شيئاً. ويريد ترويعه. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ترويع المسلم، عن ترويع المسلم. ولاحظوا كذلكم أيضاً: كيف أن في هذه الأحاديث النهي عن الأمور التي تفضي وتؤدي إلى الوقوع في المحذور، وإن كان المحذور ليس بمتحقق. كمن يرفع سكيناً على سبيل المزاح، فكيف إذا كان على سبيل الجد؟ فهذا كله يعتبر من الأمور المحرمة. وما أكثر يا إخوان المحاذير التي تقع في المناسبات والزواجات، في الأفراح والاحتفالات: مظاهر إطلاق الرصاص. هذه كم يقع بسببها القتل، وهكذا الجرح يقع بسببها. لاحظوا: يوجد بعض الناس، ولا سيما في أيام وليالي الحر، ينامون على أسطح البيوت، وفي فناء البيت، الحوش، وساحة البيت. طيب، يأتي مجموعة معهم زواج ويطلقون عيارات نارية. أين يذهب العيار الناري؟ يصعد إلى أعلى، إلى أعلى، وله منتهى، ثم بعد ذلك لا بد أن ينزل إلى أسفل. وكلما نزل كلما قوي مزاوله، فيقع في رأسي أو صدري أو بطني أو رجلي أحد من هؤلاء الذين هم نائمون. كم يا إخوان خرجت جنائز بسبب هذا الأمر؟ أو يطلق رصاصاً إلى هذه الجهة، أين ستذهب؟ هل يرى منتهاها؟ الجواب: لا. تأتي على رجل يرعى غنماً، أو تأتي على رجل يجلس في بيته، أو يمشي في طريقه، إلى غير ذلك. فكم هي الأحداث والحوادث التي تقع بسبب التساهل في هذه الأمور؟ فما أعظم شرعنا يا إخوان، ما أعظم شرعنا، إذ فيه السلامة من الآفات وهكذا من الأخطار. وهذه الأحاديث التي مرت تعتبر من الأحاديث التي تذكر في باب سد الذرائع. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعاطى السيف مسلولاً. «أن يتعاطى»: أي أن يتناول السيف مسلولاً. وكما سبق: «مسلولاً» يعني خارج غمده، الذي يحفظ السيف بداخله، الذي يحفظ السيف بداخله. قال: رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن. وقال: حديث حسن. وهذا الحديث من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله. ورواية أبي الزبير - وأبو الزبير مدلس - وعنعنته عن جابر تعتبر ضعفاً في الإسناد، إلا أن يكون الحديث في صحيح الإمام مسلم فيقبله العلماء. وهذا الحديث ليس عند مسلم، لكن ذكر له شواهد تدل على أن الحديث يحسن. فقد جاء له شاهد من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله تعالى عنه. والحديث - حديث أبي بكرة - عند الحاكم، لكن في إسناده ضعف، فيه عنعنة الحسن البصري، وهكذا المبارك بن فضالة. لكن أهل العلم حسنوا الحديث بمجموع الطريقين، بمجموع الطريقين. وقوله: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعاطى السيف مسلولاً». وهذا ظاهر يا إخوان: لا يجوز أن يناول الشخص أخاه سيفاً إذا كان مسلولاً، أي ليس في غمده. لماذا؟ لأن المتناول قد يخطئ في تناوله فيصاب بجرح في يده أو في جسده، أو قد يصيب المناول. أحياناً المناول يمسك حد السيف ويعطي قبضته إلى الذي سيتناوله، فيمسكه الآخر فيجرح، فيجرح المناول. وأدخل العلماء في معنى السيف: السكين. سكين يناولها لغيره، ولربما لا تكون في غمدها. فماذا؟ لا يجوز ذلك، إلا أن يكون مقبض اليد إلى جهة الذي سيتناول، فهذا أكثر أماناً مما لو أعطى حد السكين لمن سيتناول. ومن باب أولى يا إخوان: عدم رمي السكين إلى من يعطاها، فرميها وفيها ذلكم الحد، فهذا مما قد يؤدي إلى وقوع الأذى والضرر في ذلكم المتناول. وخلاصة ما يذكر في هذا الباب: هو أخذ الحذر والحيطة من ماذا؟ عند تبادل أو تناول هذه الأسلحة، وهذه كذلكم التي قد يقع بسببها الأذى والجرح. وهكذا من باب أولى: الحذر عند تناول الأسلحة التي هي أخطر وأفتك. يناوله رشاشاً، مسدساً، ينبغي ألا يتهور في ذلك، وإنما يناوله بأمن وأمان، بعيداً عن ماذا؟ عن صور الأذية، وصور كذلكم أيضاً أو الأمور التي تؤدي إلى حصول هذه الآفات وهذه الأضرار. فالسلامة يا إخوان لا يعادلها شيء. وكم من إنسان بهذا الأمر يظهر شجاعة، فيظهر منه بعد ذلك الندم. على سبيل المثال: في بعض الزواجات يتفاخر الناس بإطلاق الرصاص على رأس، على رأس المتزوج، على رأسه. وفي بعضها عندنا في بلاد حضرموت، في دوعن، فعلوا هذه الفعلة، فإذا بالرامي يخطئ فيضعها في رأس العريس، فيسقط ميتاً. فعندها ينقلب الفرح إلى حزن، والزواج إلى مأتم، إلى مأتم. بينما ديننا يا إخوان يؤدبنا بهذه الآداب، ويرشدنا إلى هذه الأمور التي تحصل بسببها السلامة والعافية. أسأل المولى عز وجل أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يجنبنا المصائب والفتن، ما ظهر منها وما بطن. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.