الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 78، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
ينقل النووي باب كراهة مدح الإنسان في وجهه إذا خيف عليه الإعجاب، مستشهداً بحديث أبي موسى حيث قال النبي ﷺ: «أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل» عند سماعه إطراءً مبالغاً. كما يروي حديث أبي بكرة حيث زجر النبي ﷺ من أثنى على رجل قائلاً: «ويحك، ويحك!» محذراً من مغبة المدح الكاذب أو المفرط.
يشرح المقطع أحاديث النهي عن المدح القاطع والجزم بطهارة أحد، ويأمر من اضطر للمدح أن يقول: أحسبه كذا والله حسيبه. كما يذكر قصة المقداد رضي الله عنه حين حثا التراب في وجه مادح لعثمان امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتراب في وجوه المداحين.
يبيّن المقطع أن العلماء يجمعون بين أحاديث المدح وأحاديث النهي عنه بالنظر إلى حال الممدوح؛ فإن كان كامل الإيمان واليقين مأمون الفتنة جاز مدحه، وإلا كره في وجهه كراهة شديدة. ويستشهد بأحاديث مدح النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويؤكد أن السلامة في ترك المدح، لكن التشجيع للطلاب ونحوهم مشروع ومحبوب في الدين.
يختتم المتحدث المقطع بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله، ويختم بالحمد لله رب العالمين والتفويض لعلم الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال: «باب كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة من إعجاب ونحوه، وجوازه لمن أمن ذلك في حقه». قال: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يثني على رجل ويطريه في المدح، فقال: «أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل». متفق عليه. وقوله: «سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يثني على رجل ويطريه»، والإطراء هو المبالغة في المدح. فهنا نهى النبي صلى الله عليه وسلم وحذر من مفسدة هذا المدح وهذا الإطراء، فقال: «أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل». وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن رجلاً ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأثنى عليه رجل خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويحك، ويحك! أذه كلمة تُقال لي؟ أترحم لمن وقع منه أمر لا يستحقه، بخلاف (ويلك) فإنها كلمة آه، ماذا؟ فإنها كلمة للزجر والردع». قال: «ويحك، قطعت عنق صاحبك»، يقوله مراراً، أي النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «إن كان أحدكم مادحاً لا محالة» أي: لا بد من المدح وليس له خيار آخر ولا حيلة له في ترك هذا المدح، «فليقل: أحسب كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله، ولا يزكى على الله أحد». متفق عليه. وقوله: «أحسبه» أي: أظنه، أي: أظنه، فلا يجزم في مدحه وإطرائه، وإنما إذا كان لا محالة أنه قائل، يقول: «أحسب فلاناً كذا، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً». وقوله: «ولا أزكي» أي: لا يقطع ولا يجزم بزكاة وطهارة أحد من العيوب. وهذا فيه النهي عن الجزم في المدح، والنهي عن القطع بمصائر العباد. وهكذا أيضاً فيه أن من كان مادحاً لا محالة فليكل حالة الممدوح إلى الله تبارك وتعالى، فهو أعلم بحاله وهو حسبه وكافيه. وعن همام بن الحارث عن المقداد رضي الله عنه أن رجلاً جعل يمدح عثمان رضي الله عنه، قال: فعمد المقداد فجثا على ركبتيه، فجعل يحثو في وجهه الحصباء، وهي الحجارة الصغيرة. فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب». رواه مسلم. قال رحمه الله تعالى: فهذه الأحاديث في النهي، وجاء في الإباحة أحاديث كثيرة صحيحة. قال العلماء: وطريق الجمع بين الأحاديث أن يقال: إن كان الممدوح عنده كمال إيمان ويقين ورياضة نفس ومعرفة تامة، بحيث لا يفتن ولا يغتر بذلك ولا تلعب به نفسه، فليس بحرام ولا مكروه. وإن خيف عليه شيء من هذه الأمور كره مدحه في وجهه كراهة شديدة. وعلى هذا التفصيل تنزل الأحاديث المختلفة في ذلك. ومما جاء في الإباحة: قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: «أرجو أن تكون منهم» أي: من الذين يدعون من جميع أبواب الجنة لدخولها. وفي الحديث الآخر: «لست منهم» أي: لست من الذين يسبلون إزورهم خيلاء. وقال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: «ما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك». والأحاديث في الإباحة كثيرة، وقد ذكرت جملة من أطرافها في كتاب الأذكار. قال: قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «أرجو أن تكون منهم»... أرجو أن تكون منهم. فيجمع بين الأحاديث التي فيها النهي والأحاديث التي فيها المدح والثناء، أنه ينظر إلى حال الممدوح، وإلا فإن السلامة لا يعادلها شيء، وكم بسبب المدح والإطراء تحصل من المفاسد والفتن ما الله به عليم. لكن من باب التشجيع للطلاب وهكذا غيرهم، فهذا من الأمور التي يحث عليها ديننا الحنيف. طيب، هذا بعض ما يتعلق بهذا الباب، وبه نكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.