الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 79، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يذكر النووي كراهة الخروج من بلد وقع فيها البلاء فراراً منه مستدلاً بآية ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾. ثم يسرد كيف استشار عمر بن الخطاب المهاجرين والأنصار ومشيخة قريش عند سماع وقوع الوباء بالشام فاختلفوا في الرأي.
أشار الصحابة على عمر بالرجوع، وسأله أبو عبيدة عن الفرار من قدر الله فأجابه بأن الفرار يكون من قدر الله إلى قدر الله. أخبره عبد الرحمن بن عوف بحديث النبي الناهي عن دخول أرض الوباء والخروج منها فراراً، فحمِد الله عمر وانصرف بجيشه.
يبيّن المقطع حكم الدخول إلى أرض وقع فيها الطاعون والخروج منها مستنداً إلى حديث أسامة بن زيد، ويوضح أن الطاعون رحمة لهذه الأمة وأن من مات به صابراً محتسباً له أجر شهيد. يخلص إلى كراهة تقديم أرض الطاعون وتحريم الفرار منها.
يختتم المتحدث الباب بالاكتفاء بما ذُكر ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله رب العالمين. يشير إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: "باب كراهة الخروج من بلد وقع فيها البلاء فراراً منه، وكراهة القدوم عليه". قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾. وهذه الآية الكريمة يخبر فيها ربنا عز وجل عن حال العباد، وأن الجميع سيصير إلى الموت، ولا ينجو من الموت أحد، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ويبين ربنا عز وجل أنه لا يمنع من الموت الحذر أو الفرار، وإنما إذا حان ساعة العبد وأجله فإنه لا يستطيع أن يتقدم أو يتأخر. قال: وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، ومن أمراء الأجناد شرحبيل بن حسنة، وهكذا سعد بن أبي وقاص وغيرهم. قال: فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام. قال ابن عباس: فقال لي عمر: "ادع لي المهاجرين الأولين". قال: فدعوتهم، فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا فيما بينهم. فقال بعضهم: "خرجت لأمر، ولا نرى أن ترجع عنه". وقال بعضهم: "معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء". فقال: "ارتفعوا عني". ثم قال: "ادعوا لي الأنصار". قال: فدعوتهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم. فقال: "ارتفعوا عني". ثم قال: "ادعوا لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح". قال: فدعوتهم، فلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا: "نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء". قال: فنادى عمر رضي الله عنه في الناس: "إني مصبح على ظهر" - أي: إنه عزم على السفر. قال: فقال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: "أفراراً من قدر الله؟" - يعني: ما الذي يجعلك ترجع بالناس ولا تمضي في سفرك إلى الشام، أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر رضي الله عنه: "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة" - أي: لنكلت به. قال: "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة"، وكان عمر يكره خلافه - أي: لمكانة أبي عبيدة عامر بن الجراح العظيمة، وقدم سبقه في الإسلام، فهو أمين هذه الأمة بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم. قال: "نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت - أرأيت - لو كان لك إبل فهبطت وادياً له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟". قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وكان متغيباً في بعض حاجته، فقال: "إن عندي من هذا علماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم به بأرض - أي: بالوباء والطاعون - إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منها)". وعمر لا يزال خارجاً، ولم يدخل إلى الشام بعد، فكان في فسحة أن يرجع بمن معه رضي الله تعالى عنهم. قال: فحمد الله تعالى عمر رضي الله عنه وانصرف. متفق عليه. وهذا الحديث مناسبته ظاهرة للباب الذي ترجم له النووي رحمه الله تعالى، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القدوم إلى البلد الذي وقع فيه البلاء والطاعون، وذلك لأنه قد يكون سبباً للوقوع في البلاء. كذلك أيضاً قد يكون في نفس المؤمن شيء من ذلك، ولربما كان سبباً في ضعف توكله ويقينه، فمن باب سد الذرائع يبتعد، والعافية لا يعادلها شيء، العافية لا يعادلها شيء، سلامة مقدمة. قال: وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها). متفق عليه. والطاعون يطلق على الوباء العام والمرض المنتشر الذي لربما يذهب بسببه المئات بل والآلاف من البشر، الآلاف من البشر. وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الطاعون أنه كان عذاباً يبعثه الله على من شاء، فجعله الله عز وجل رحمة بهذه الأمة، فليس عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له أجر شهيد. ولهذا الطاعون أيضاً كما أخبر عليه الصلاة والسلام في حديث أنس: شهادة لكل مسلم. فمن يموت بالطاعون فيعتبر ذلك من علامات حسن الخاتمة. ففي حديث جابر بن عتيك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الشهداء في أمته غير الذي يقتل في ساحة القتال، وذكر منهم: الحريق، والغريق، وهكذا من يموت بداء البطن، ومن يموت في الطاعون، وغيرهم من الأصناف السبعة الذين أثبت لهم النبي صلى الله عليه وسلم الشهادة الحكمية، يعني: في الدنيا يعاملون معاملة الشهداء، وفي الآخرة يرجى لهم أن ينالوا الشهادة عند الله تبارك وتعالى. إذن خلاصة ما يذكر في هذا الباب: أن الطاعون إذا وقع في بلد وفي أرض، وكان الإنسان خارجها، فيكره له أن يقدم إليها، ومن كان بها فلا يجوز له أن يخرج منها فراراً من هذا المرض، ولربما خروج المريض منها يؤدي إلى انتشار المرض أكثر وأسرع. نسأل الله تعالى العافية والسلامة. فهذا بعض ما يذكر حول ما يتعلق بهذا الباب، وبه نكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر