الدرس في كتاب الصلاة 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ المقطع بذكر صفات السلف الصالح وكثرة أعمالهم وطاعاتهم، ويشير إلى أهمية الصلاة على النبي عند سماع الأذان. يضرب مثالا بحيوة بن شريح ليوضح عدم اغترارهم بأعمالهم.
يشرح الحديث النبوي حول أهمية متابعة المؤذن ثم الصلاة على النبي بعد الأذان، ويبين أن من صلى عليه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا. يشير أيضا إلى سؤال الله الوسيلة للنبي بعد الصلاة عليه.
يشرع الدعاء للنبي عليه الصلاة والسلام بالوسيلة والفضيلة بعد الأذان، ويوضح أن من سأل الله الوسيلة للنبي حلت له الشفاعة يوم القيامة إذا كان من أهل التوحيد والإخلاص.
يختتم الدرس بالإشارة إلى أنه سيأتي بذكر أذكار أخرى لاحقا عند الحديث عن أحاديثها، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مصر الحجاج أبو الحسين النيسي بوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن سلمة المرادي، وهو أبو الحارث المصري الفقيه، روى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، قال: حدثنا عبد الله بن وهب المصري عن حيوة، وابن شريح التوجيبي، أبو زرعة المصري الفقيه الزاهد، كان رحمه الله كثير الأعمال والطاعات، مع شدة استحقاره لنفسه، حتى قال ابن وهب: ما رأيت أحدا أشد استخفافا بعمله من حيوة -يعني حيوة بن شريح- مع كثرة عمله. وهذا يدلنا على ما كان عليه السلف رحمهم الله من كثرة أعمالهم وطاعاتهم وقرباتهم، وعدم اغترارهم بذلك. فمن يرى الواحد منهم يظن أنه ما عنده شيء من الأعمال، وتجد أعماله وطاعاته كثيرة، ويظهر عليه أثر التواضع، وكذلك أيضا عدم التكبر والترفع والغرور والعجب، بخلاف حال كثير من الناس اليوم، وطلبة العلم، ربما تجد عندهم من الغرور والعجب الشيء الكثير، وتجد أعماله لا تساوي شيئا مما كان عليه السلف رحمهم الله. وكان معروفا بالإجابة، كان مجاب الدعوة رحمه الله. والإمام البارك رحمه الله أثنى عليه ومدحه بقوله: ما وصف لي أحد ورأيته إلا كانت رؤيته دون صفته إلا حيوة. قال: ما وصف لي أحد ورأيته إلا كان رؤيته دون صفته -يعني ما قيل فيه هو دون ذلك- إلا حيوة، فهو يستحق ما قيل فيه وما وصف به رحمه الله. قال: فإن رؤيته كانت أكبر من صفته -يعني ما ذكر فيه من وصفه هو قليل مما يستحقه رحمه الله. قال: وسعيد بن أبي أيوب، وهو سعيد بن أبي أيوب أبو يحيى المصري، قال وغيرهما عن كعب بن علقمة -كعب بن علقمة وهو التنوخي- عن عبد الرحمن بن جبير، وهو المصري الفقيه، كان عالما فقيها بالقراءة. وهناك أيضا عبد الرحمن بن جبير آخر، وهو ابن نوفير، عبد الرحمن بن جبير بن نوفير، روى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. وهذا عبد الرحمن بن جبير المصري قال: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة﴾. في هذا الحديث أمر النبي عليه الصلاة والسلام بمتابعة المؤذن في ألفاظ الأذان، كما مر معنا في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، في قوله: إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن. هنا قال: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول. ومر معنا أن هذا عام مخصوص بحديث عمر: أن يقول عند الحيعلتين لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: ثم صلوا علي -صلوا علي- يعني أن تقول أقل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم صل على محمد، هذه أقل الصلاة. وأكملها الصلاة الإبراهيمية: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم والآل إبراهيم إلى آخرها. فأقل الصلاة: اللهم صل على نبينا محمد. قال: ثم صل علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا. وهذا فيه استحباب الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام بعد الفراغ من متابعة المؤذن في أذانه، بعد أن تنتهي من الأذان تصلي على النبي عليه الصلاة والسلام. وصلاتك وقولك: اللهم صل على محمد -يعني أثني عليه في الملأ الأعلى- أنت تسأل من الله جل وعلا أن يثني على عبده محمد عليه الصلاة والسلام في الملأ الأعلى. كما قال أبو العالية الرياحي رحمه الله في معنى صلاة الله على عبده: ثناءه عليه في الملأ الأعلى. وصلاة الله على عبده تتضمن الثناء والحنو والعطف وغير ذلك من المعاني التي فيها ماذا قرب العبد من ربه سبحانه وتعالى، وحفظ الله جل وعلا له وعنايته بعبده، كما ذكر ذلك الإمام القيم رحمه الله في كتابه بدائع الفوائد: أن صلاة الله جل وعلا على عبده بمعنى الحنو والعطف، وهو معنى زائد عن معنى الثناء عليه. فإذا صليت على النبي عليه الصلاة والسلام صلى الله عليك بها عشرا. أنت تصلي صلاة واحدة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فعلت ذلك صلى الله عليك بها عشرا، أي عشرة صلوات، يثني الله جل وعلا عليك في الملأ الأعلى عشرة مرات مقابل صلاتك على النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا فيه بيان أجر وفضيلة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام: أن من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا. ثم بعد الفراغ من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تسأل الله عز وجل له الوسيلة، تسأل للنبي عليه الصلاة والسلام من الله جل وعلا له الوسيلة. قال: ثم سلوا الله لي الوسيلة. وقد ثبت في قول عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول بعد الفراغ من الأذان: «اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتي محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته». هذا الدعاء مما يشرع قوله بعد الأذان، فإنك تسأل من الله جل وعلا للنبي عليه الصلاة والسلام له الوسيلة. ما هي الوسيلة؟ قال: هي منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله -يعني منزلة عظيمة لا ينالها إلا عبد من عباد الله جل وعلا- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: وأرجو أن أكون أنا هو -يعني من ينال هذه المنزلة- فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة. من سأل للنبي عليه الصلاة والسلام الوسيلة -سأل الله عز وجل أن يناله هذه المنزلة العظيمة- فإنك إذا فعلت ذلك نلت شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، كنت من شفعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. قال: حلت له الشفاعة. وهذا أيضا كذلك عامه ومخصوص بما دلت عليه الأدلة من كون هذا القائل محققا للتوحيد، لأن المشرك لا شفاعة له. المشرك لا شفاعة له كما قال الله جل وعلا: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾. ولما سئل النبي عليه الصلاة والسلام -سأل أبو هريرة- من حق الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه». إذا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لا ينالها إلا أهل التوحيد وأهل الإخلاص وأهل لا إله إلا الله حقا. فإذا كان قائل ذلك عنده شركيات فإنه لا ينال شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لأن الشرك مانع له من ذلك. فقول عليه الصلاة والسلام: فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة، نقول: هذا إذا كان من أهل التوحيد فإنه بإذن الله جل وعلا ينال شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. إذن علمنا من هذا الحديث أولا استحباب متابعة المؤذن في ألفاظ الأذان، وعلمنا فيما مضى أن قوله عليه الصلاة والسلام: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، أن هذا على سبيل الاستحباب. وما هو الصارف للوجوب؟ حديث أنس، نعم حديث أنس: لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يؤذن فقال: الله أكبر الله أكبر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: على الفطرة. فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: خرجت من النار. دل ذلك على أن متابعة المؤذن في ألفاظ الأذان مستحب. ثم بعد الفراغ صلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، ثم تسأله الوسيلة. وسيأتي أيضا كذلك بعض الأذكار الأخرى تذكر إن شاء الله عند ذكر أحاديثها. نكتفي بهذا القدر. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.