التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 8

الدرس في التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل الصلاة على النبي يوم الجمعة وأهميتها

يوم الجمعة يوم مبارك تزداد فيه أهمية الصلاة على النبي، حيث تشير الأحاديث النبوية إلى أن من يصلي على النبي يوم الجمعة يحظى بمزيد من الأجر والثواب. الأحاديث المرسلة تتقوى بطرقها المختلفة لتصبح حجة قوية.

وجوب الصلاة على النبي وخطورة الإهمال في ذلك

الصلاة على النبي واجبة عند ذكر اسمه، وتركها يعتبر إثمًا وخطأً كبيرًا قد يحرم صاحبه من طريق الجنة. يجب على المسلم الحرص على الصلاة على النبي لتلافي الوعيد الشديد المرتبط بإهمالها.

حكم الصلاة على غير الأنبياء واستحباب الصلاة على الأنبياء

يستحب الصلاة على الأنبياء عند ذكرهم، بينما لا تجوز الصلاة على غير الأنبياء استقلالا، وإنما يجوز تبعا كما في التشهد. يُستحب ختم الدعاء أو الكلام بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي، رحمه الله، المتوفى سنة 282 للهجرة، في كتابه "فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم" الحديث الأربعون. قال: حدثنا عارم، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثر علي من الصلاة يوم الجمعة". وهذا الحديث مرسل، مرسل صحيح، ويشهد له ما قد مر من الأحاديث المرفوعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام في حثه عليه الصلاة والسلام على الإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة. فمر معنا في الأحاديث الماضية أن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام يوم الجمعة مما يستحب الإكثار منه والحرص عليه. الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة. قال: وحدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ينسى الصلاة علي خطئ أبواب الجنة". وهذا الحديث كذلك مرسل، فجعفر هو ابن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب، رضي الله عنهم، ووالده هو محمد المعروف بأبي جعفر الباقر، ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم. في الحديث بهذا السند مرسل، لكن الحديث طرق عديدة، طرق كثيرة يشهد بعضها لبعض، ولهذا حسنه العلامة الألباني، رحمه الله، كما في تحقيقه على هذا الحديث في هذه الرسالة. قال: وحدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: قال عمرو، عن محمد بن علي بن حسين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ينسى الصلاة علي خطئ طريق الجنة". قال سفيان، أي بن عيينة، قال رجل بعد عمرو: ومعنى بعد عمرو، أي مع عمرو، سمعت محمد بن علي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ذكرت عنده فلم يصلي علي خطئ طريق الجنة". ثم سمى سفيان الرجل، فقال: هو بسام، وهو الصيرفي، وبسام هذا الصيرفي صدوق. قال: وحدثنا سليمان بن حرب وعارم، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو، عن محمد بن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نسى الصلاة علي خطئ طريق الجنة". وهذا أيضا مرسل صحيح. قال: وحدثنا إبراهيم بن حجاج، قال: حدثنا وهيب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ذكرت عنده فلم يصلي علي فقد خطئ طريق الجنة". وهذا كذلك مرسل صحيح. فهذا الحديث فيه وعيد من النبي عليه الصلاة والسلام لمن ترك الصلاة عليه. وقوله: "من نسي الصلاة"، المراد بالنسيان هنا الترك، ليس هو بمعنى النسيان الذي هو ذهول القلب عن شيء معلوم. فإن هذا لا يؤاخذ عليه الإنسان، لو نسي الإنسان واجبا من الواجبات أو فرضا من الفرائض حتى خرج وقته، فليس عليه إثم. لكن متى ما ذكر وجب عليه أن يؤديه، بقوله جل وعلا: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾. وقوله عليه الصلاة والسلام: "من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها لا كفارة لها إلا ذلك"، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه. لكن المراد بالنسيان هنا هو الترك، "من نسي الصلاة علي" أي ترك الصلاة علي. ومنه قول الله جل وعلا: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ أي تركوا الله فتركهم، تركوا عبادة الله وتركوا الإيمان بالله فتركهم الله وأهملهم. فهنا النسيان بمعنى الترك، "من نسي الصلاة علي" أي ترك الصلاة علي عمدا أو كذلك أيضا استخفافا وعدم مبالاة وعدم حرص. قال: "خطئ طريق الجنة"، ومعنى "خطئ طريق الجنة" أي أخطأ الطريق والسبيل الذي يوصله إلى الجنة. ومن أخطأ طريق الجنة فإنه سيسلك الطريق الذي يوصله إلى النار، عياذا بالله. فهذا وعيد شديد يدل على أن من ترك الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام متعمدا فلم يبال بالصلاة عليه عليه الصلاة والسلام، فإنه بذلك يستحق الإثم، يستحق الإثم. وهذا دليل على أن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام واجب إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وجب على المسلم أن يصلي عليه ولو مرة واحدة. وما زاد على ذلك فهو مستحب. أما كونه يسمع ذكر النبي عليه الصلاة والسلام ثم لا يصلي عليه ولا يبالي بذلك، فهذا قد أوقع نفسه في خطر عظيم، قد أوقع نفسه في خطر عظيم، قد أخطأ طريق من طرق دخول الجنة. "من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة"، وفي لفظ: "من ذكرت عنده فلم يصلي عليه فقد خطئ طريق الجنة"، أي أخطأ الطريق والسبيل الذي يوصله إلى الجنة. فيحرص المسلم أن يكون ذاكرا لنبيه عليه الصلاة والسلام، متى ما سمع ذكره فيحرص أن يصلي عليه عليه الصلاة والسلام، وإلا كان موعودا بهذا الوعيد الشديد. قال: وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، قال: حدثنا عمرو بن هارون، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني". هذا الحديث ضعيف جدا، فعمرو بن هارون وهو البلخي متروك، وكذلك أيضا موسى بن عبيدة وفيه ضعف. فالحديث بهذا السند لا يصح، لكن له طرق عديدة ساقها العلامة الألباني، رحمه الله، في السلسلة الصحيحة، وخلص إلى حسن هذا الحديث. ففيه استحباب الصلاة على سائر أنبياء الله ورسله، "صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثني كما بعثهم". يعني إذا ذكر نبي من أنبياء الله أو ذكرت نبيا من أنبياء الله تقول مثلا: قال موسى، أو كان موسى عليه الصلاة والسلام، وفعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام كذا وكذا، فيشرع الصلاة على سائر الأنبياء كما أنه يستحب كذلك على نبينا عليه الصلاة والسلام. لكن غير الأنبياء هل يصلى عليهم إذا كان تبعا؟ فهذا جائز، يعني "اللهم صلي على محمد وآل محمد". أنت الآن تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وتصلي على آله، وآله هم آل أتباعه ممن آمن به واتبعه، وكذلك أيضا يدخل في ضمنهم أهل بيته عليه الصلاة والسلام. فأنت الآن تصلي على آل النبي عليه الصلاة والسلام تبعا للصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. وأما استقلالا، ففيه خلاف، يعني أن تصلي على غير النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم صلي على فلان" وليس بنبي، هل هذا يجوز؟ من أهل العلم من ذهب إلى الجواز، ومنهم من ذهب إلى المنع، ومنهم من ذهب إلى الكراهة. ومنهم من ذهب إلى الكراهة، واستدل من أجاز ذلك بحديث عبد الله بن أبي أوفى، أنه النبي عليه الصلاة والسلام كان يؤتى له بالصدقات فيدعو ويصلي على من أتى بصدقته، فلما جاء آل أبي أوفى بصدقتهم قال: "اللهم صلي على آل أبي أوفى". فاستدل به بعض أهل العلم على جواز الصلاة على غير النبي عليه الصلاة والسلام، وحمله بعض أهل العلم أن هذا إذا كان من النبي صلى الله عليه وسلم فلا بأس أن يصلي عليه الصلاة والسلام على من شاء. أما غير النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي له أن يصلي على غير الأنبياء. لأن الصلاة على الأنبياء أصبح شعارا، وكذلك أيضا شيئا خاصا بأنبياء الله ورسله أن يصلى عليهم. وأما غير الأنبياء فيدعى لهم، أما غير الأنبياء فيدعى لهم. فالأولى هو ترك الصلاة على غير الأنبياء استقلالا، يعني ما يقال: "فلان صلى الله عليه"، لا، هذا يقال في الأنبياء، إذا ذكر نبي من الأنبياء فتصلي عليه. أما غير الأنبياء فلا يصلي عليه استقلالا، وإنما تبعا كما سمعتم في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله، كما في التشهد، فهذا لا بأس به. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.