الدرس في التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الشرح بتوضيح أهمية الصلاة على النبي وبيان طرق حديث "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" المختلفة وصحته. يُبين اختلاف الرواة في إسناد الحديث وتصحيح بعض الطرق له.
يُفسر الحديث بأن البخل ليس بخل مالي فقط بل هو بخل بالصلاة على النبي، ويترتب على ذلك حرمان النفس من الأجر والثواب. يُذكر أن البخل بالصلاة على النبي يعتبر صفة ذميمة.
يُشدد على أهمية الصلاة على النبي عند ذكره وعدم البخل بذلك، ويُشجع على الإكثار من الصلاة عليه في الأيام المباركة مثل عشر ذي الحجة لأنها أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي، رحمه الله، المتوفى سنة 282 للهجرة، في كتابه «فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم»: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن عمر بن أبي عمر، عن علي بن حسين، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن البخيل لمن ذكرت عنده فلم يصل علي». وهذا الحديث صحيح، وسيذكر المؤلف، رحمه الله، له طرقا عديدة، بعضها صحيح بنفسه، وبعضها صحيح بشواهده. قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الله بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي صلى الله عليه وسلم تسليما». وهذا الحديث صحيح بالطريق التي قبله، كما أشار إعلام الألباني، رحمه الله. قال القاضي: اختلف يحيى الحماني وأبو بكر بن أبي أويس في إسناد هذا الحديث، فرواه أبو بكر عن سليمان عن عمر بن أبي عمر، ورواه الحماني عن سليمان بن بلال عن عمارة بن غزية. وهذا حديث مشتهر عن عمارة بن غزية، ورواه عنه خمسة بعد سليمان بن بلال وعمر بن الحارث. فحدثنا به أحمد بن عيسى، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمر بن الحارث بن يعقوب عن عمارة يعني بن غزية، أن عبد الله بن علي بن حسين حدثه أنه سمع أباه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليه». وهذا الحديث، وإن كان مرسلا، فرجاله ثقات، وهو في الشواهد. قال القاضي: قال هكذا رواه عمر بن الحارث أرسله عن علي بن حسين عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي: وحدثنا به إبراهيم بن حمزة، قال: حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد الدراوردي عن عمارة وهو ابن غزية عن عبد الله بن حسين، قال: قال علي بن أبي طالب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن البخيل الذي إذا ذكرت عنده فلم يصلي علي». وهذا سند وثقات إلا أنه منقطع. قال: هكذا رواه الدراوردي أرسله عن عبد الله عن علي بن حسين عن علي رضي الله عنه. قال: وحدثنا به إسحاق بن محمد الفروي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمارة بن غزية، أنه سمى عبد الله بن علي بن حسين يحدث عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصلي علي». وهذا صحيح. قال: حدثنا به علي بن عبد الله بن جعفر عن نجيح، قال: حدثنا عمارة بن غزية، أنه سمى عبد الله بن علي بن حسين يحدث عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. قال القاضي: ووصل عبد الله بن جعفر إسناده كما حدثنا به الفروي عن إسماعيل بن جعفر، وكما حدثنا به الحماني عن سليمان بن بلال، فهذه متابعة لسليمان بن بلال. قالوا: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن هلال العنزي، قال: حدثني رجل من أهل دمشق عن عوف بن مالك عن أبي ذر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي». وهذا الحديث فيه رجل مبهم، لكنه في الشواهد، وإن كان مثله يعني لا يحتج به. قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا جرير بن حازم، قال: سمعت الحسن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بحسب برئ من البخل أن أذكر عنده فلا أصلي علي». وهذا مرسل صحيح، فالحسن بن أبي الحسن البصري تابعي، وقد أرسل هذا الحديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وحدثنا سلم بن سليمان الضبي، قال: حدثنا أبو حرة عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى به شحا أن يذكرني قوم فلا يصلون علي». وهذا مرسل، لكنه ضعيف. فهذا حديث «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي» هو ساقه مؤلفنا من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقد جاء أيضا من حديث أبي هريرة في السنن، وصححه شيخنا الوادعي رحمه الله في كتابه «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين». ففي هذا الحديث ذم النبي عليه الصلاة والسلام لمن بخل بالصلاة عليه عند ذكره عليه الصلاة والسلام، فوصف النبي صلى الله عليه وسلم من سمع ذكره ولم يصل عليه وصف صاحب ذلك بالبخل «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليه». ومعلوم أن البخل صفة ذميمة، والبخل هو إمساك ما يجب بذله وإخراجه وإعطاؤه، سواء كان في الأمور الحسية كإخراج الزكاة من الأموال، البخل بذلك، أو البخل بالنفقة الواجبة على الأهل أو الأولاد أو كذلك البهائم أو المماليك، أو كذلك أيضا كان في الأمور المعنوية كما في هذا الحديث، البخل بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. فمن ذكر عنده النبي عليه الصلاة والسلام فلم يصل عليه، هذا يعتبر بخيلا، هو يبخل على نفسه بالأجر والثواب، إذ يحرم نفسه من ذلك، لأن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا فيها أجر عظيم، المصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مرة يصلي الله جل وعلا عليه عشرا، فهو يبخل على نفسه بهذا الأجر والثواب. وكذلك أيضا يبخل على نبيه عليه الصلاة والسلام أن يدعو الله عز وجل له أن يصلي الله جل وعلا عليه، أنت تقول: «اللهم صل على محمد»، تدعو الله عز وجل أن يصلي عليه، وصلاة الله على نبيه عليه الصلاة والسلام هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، أو ما هو أعم من ذلك، بمعنى الحنو والعطف الذي يجتمع مع الصلاة عليه وثناء عليه، وكذلك أيضا رفع منزلته وإكرامه عليه الصلاة والسلام. فلماذا تبخل عن هذا الأجر العظيم الذي تدعو له أو تدعو به لنبيك عليه الصلاة والسلام؟ وأيضا تتحصل أنت عليه، أنت تؤجر وتثاب على صلاتك على النبي عليه الصلاة والسلام. فكونك تسمع ذكر النبي عليه الصلاة والسلام ثم لا تصلي عليه، فهذا بخل. وهذا أمر لا يكلفك شيء من المشقة، ولا الكلفة حتى تعجز أو تتكاسل أو تبخل أن تصلي على نبيك. إذن الذي يسمع ذكر نبيه عليه الصلاة والسلام، يمر عليك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في كلمة، في محاضرة، في درس، في ذكر حديث، لا ينبغي أن تسكت ولا تصلي على نبيك، بل تحرص على أن تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم كلما سمعت ذكر النبي صلى الله عليه وسلم. ينبغي أن تحرص أن تصلي عليه، وإن كان السلامة من البخل المذكور بهذا الحديث يحصل بصلاة عليه عليه الصلاة والسلام في المرة الواحدة. أنت الآن في مجلس علم وذكر النبي صلى الله عليه وسلم، إذا صليت عليه مرة واحدة، فإنك تسلم من هذا البخل، وإن كان الذي ينبغي أنه كلما ذكر عليه الصلاة والسلام أنك تصلي عليه. كلما ذكر عليه الصلاة والسلام أنك تصلي عليه، ولو تكرر ذكره في المجلس الواحد أكثر من مرة، فهذا أعظم في الأجر والثواب، وكذلك في نيل الثواب من الله سبحانه وتعالى. أما كونك تسكت فلا تصلي عليه ولا تبالي بذلك، فهذا من البخل الذي وصف به النبي عليه الصلاة والسلام من كان حاله كذلك. ولا ينبغي للمسلم أن يكون كذلك، أن يوقع نفسه بعمل يتصف بسببه بالبخل، وكذلك أيضا بهذا الوصف الذميم. فدل هذا الحديث على أنه ينبغي للمسلم أن يصلي على نبيه عليه الصلاة والسلام إذا ذكر عنده عليه الصلاة والسلام، فلا يبخل أن يصلي على نبيه عليه الصلاة والسلام. فالبخيل من ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصل عليه، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام كما سمعتم من العبادات العظيمة المباركة، فيحرص المسلم على الاكثار من الصلاة على نبيه عليه الصلاة والسلام، وخاصة في مثل هذه الأيام، أيام عشر ذي الحجة التي يعظم فيها العمل الصالح ويضاعف أجره وثوابه. فمن هذه الأعمال الصالحة كذلك الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، فأنت تحرص أن تكثر من الصلاة على نبيك عليه الصلاة والسلام. إذا كان من صلى على نبيه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا، هذا في سائر الأيام وفي سائر الأوقات، فكيف بمثل هذه الأيام التي يقول فيها النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام العمل الصالح أحب فيها إلى الله من مثل هذه الأيام». فينبغي أن تكثر من الصلاة على نبيك عليه الصلاة والسلام. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.