الدرس في كتاب الجهاد 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الجهاد هو قتال أعداء الله وفق الضوابط الشرعية، وهو فرض كفاية يسقط عن الباقين إذا قام به البعض. يصبح فرض عين في حالات معينة مثل حضور العدو أو استنفار الإمام.
يتحول الجهاد من فرض كفاية إلى فرض عين في حالات مثل حضور العدو أو الاستنفار، وهناك شروط لوجوبه مثل الإسلام والذكورية والحرية والتكليف. يشترط للجهاد التطوعي إذن الوالدين.
الرباط في الثغور له فضل عظيم، ويشترط للجهاد القدرة والنفقة. يسعى الإمام لمنع المخذلين والمرجفين لأنهم يضعفون عزيمة المسلمين ويهددون قوتهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب الجهاد، وهو فرض كفاية، ويجب إذا حضره أو حصر بلده عدو أو استنفر الإمام أو استنفره الإمام. كتاب الجهاد، الجهاد من الجهد والسعي، المراد به قتال أعداء الله عز وجل، قتال أعداء الله عز وجل من الكفار بحسب الضوابط التي جاء بها الشرع. قال: وهو فرض كفاية، فرض كفاية معناه إذا قام به بعض المسلمين سقط عن الآخرين، أي لا يجب عليهم كلهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾. وأيضًا جاءت الآيات بهذا على أن الجهاد ليس على كل أحد، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث السرايا، فمن الناس من يكتب في السرية -أي الغزو- ومنهم من لا يكتب، وهذا يدل على أنه لا يجب عليهم كلهم. لكن كيف نوجه هذه الآيات التي زعمت في سورة التوبة: ﴿انفروا خفافًا وثقالًا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾، وقول الجليل: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا﴾، وغيرها من هذه الآيات التي فيها وجوب النفر على كل أحد؟ فهذه الآيات قال العلماء: إن المراد بها النفر وهو الاستنفار، فالاستنفار واجب، يجب على كل أحد، معناه يجب وجوب عين كما سيأتي من ذكر المؤلف. الاستنفار إذا استنفر الإمام الناس يجب عليهم أن يستنفروا -تنفروا-. وجاء عن ابن عباس أن هذه الآية: ﴿انفروا خفافًا وثقالًا إلا تنفروا يعذبكم﴾، هذه الآيات نسخت بآخر السورة، وهو قول الله عز وجل: ﴿ما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾، فلهذا دلت الأدلة على أن الجهاد واجب كفائي، لا بد أن تكون هناك طائفة تجهز في سبيل الله عز وجل، إما جهاد دفع أو جهاد هجوم، فإذا لم يكن هناك جهاد هجوم لا بد أن يكون هناك جهاد دفع إلا عند العجز، إلا عند العجز فلا يجب عليهم. لكن إذا كان فرطوا، أن فرط المسلمون في التهيئة والإعداد، فهذا يعتبر أنه تفريط فيما هو واجب عليهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾. لكن إذا عجز المسلمون عن المواجهة، لا يستطيعون أن يواجهوا عدوهم لكثرتهم أو لقوة سلاحهم، فهنا لا يجب عليهم. ولهذا قال العلماء: إن الله عز وجل في سورة الأنفال جعل أولًا الرجل من المسلمين بعشرة، ثم خفف عنهم وجعل الرجل برجلين، قال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فأنتم منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وأيكم منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله﴾، فجعل الرجل برجلين. وقال العلماء: إنه إذا كان العدو أكثر من ضعفي أهل الإسلام فلا يجب عليهم القتال، إذا كان العدو أكثر من ضعفي أهل الإسلام فلا يجب عليهم القتال. لكن كيف نقول في المواجهات التي حصلت بين المسلمين والكفار، سواء كان في المعارك التي كان فيها النبي صلى الله عليه وسلم في بدر، في أحد، أو كانت في الصحابة لما قاتلوا الروم، قاتلوا الفرس؟ فإن الروم أعدادهم كبيرة جدًا أضعاف أضعاف المسلمين، كذلك الفرس كانت أعدادهم كبيرة. كيف يوجه هذا؟ هذا، المهم، صحابة أعدادهم... طيب، كيف الحكم؟ هذا لا يجب، هذا لا يجب، لكن من باب الاستحباب والتطوع لهم، لكن لا يجب عليهم من باب الوجوب، سقط الوجوب، لكن هناك باب التطوع والإقدام، فلهم أن يقدموا. ولهذا حثهم الله عز وجل في بعض الآيات حتى ولو كانوا قليلًا، كما قال الله عز وجل: ﴿وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾، ما دام أنهم سيصبروا على ملاقاة العدو، فلهم أن يجاهدوا مثل ما فعل الصحابة رضي الله عنهم. قال: ويجب إذا حضر أو حصر بلده عدو أو استنفر الإمام. الآن الأصل أن الجهاد فرض كفاية، لكن يجب ويتعين في بعض المواضع، فمن تلك المواضع قال: فيجب إذا حضر -إذا حضر هو العدو- في بلده، فيجب عليه أن يدافع عن نفسه وعن عرضه وعن أهله وعن أهل بلده، فهذا يعتبر وجوبًا عينيًا على كل أحد أن يدافع، إلا عند العجز كما قلنا، إذا كان لا يستطيعون أن يدافعوا، بل سيفقدوا أنفسهم، فهذا مثلًا لقلة السلاح أو ما معهم سلاح يواجهون به العدو، فهنا لا يجب عليه، يسقط الوجوب، حتى وجوب العين أو وجوب الجهاد الدفع. فيجب إذا حضروا أو حضر بلده عدو، أنه إذا حضروا هو أو حضر بلده، إذا جاءه مثلًا عدو كافر أراد أن يدخل بيته أو أراد أن يقتله، فإنه لا بد أن يدافع عن نفسه، لا يستسلم. وكذلك إذا حضر العدو في بلده، فيجب أيضًا على أهل البلد أن يدافعوا عن أنفسهم وعن أعراضهم. قال: أو استنفره الإمام، هذا الموضع الثالث، إذا استنفره الإمام، إذا استنفر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإذا استنفرتم فانفروا»، حديث ابن عباس، البخاري. «وإذا استنفرتم فانفروا»، وتحمل أيضًا عليه الآيات، آيات وجوب النفير: ﴿انفروا خفافًا وثقالًا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾، قوله أيضًا: ﴿إن لا تنفروا يعذبكم عذابًا﴾، أيضًا. كذلك من المسائل التي تعين على الشخص إذا كان مثلًا عنده خبرة في مجال معين من مجالات الحرب، ولم يوجد غيره أو احتيج له، فهنا يجب عليه وجوب عين. فهذه المواضع التي يجب على العبد وجوب عين. وللأصل أن الجهاد فرض كفاية، قد جاءت الأدلة المتكاثرة في فضل الجهاد وأنه من أعظم القربات، وأن جزاؤه الجنة، إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، لكنه بالشروط. أن جاءت شروط وضوابط في الشرع، هناك ذكر العلماء سبعة شروط على المجاهد، أولًا: الإسلام، من شروط الوجوب الإسلام والتكليف، البلوغ والعقل، كذلك الحرية، كذلك الذكورية، معناه الأنثى ما يجب عليها الجهاد، كما جاء في الصحيحين أن عائشة رضي الله عنها استعذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تجاهد في سبيل الله، قال: «عليكم جهاد لا قتال فيه الحج»، قال: «عليكم جهاد لا قتال فيه». وأيضًا كذلك الحرية كما قلنا. وأيضًا من الشروط القدرة على الجهاد، أن لا يكون مريضًا، فقد عذر الله عز وجل المرضى، ولا يكون مثلًا أعمى، عذره الله عز وجل: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على المريض حرج﴾. وأيضًا النفقة، وهو الشرط السابع، النفقة يجب أن تكون معه نفقة ينفق بها على نفسه وعلى أهله عندما يذهب إلى الجهاد، أن يضع نفقة أو شيء مدخول يدخل على أهله، لا يجد له أن يترك أهله دون نفقة ويذهب إلى الجهاد. قال: وتمام الرباط أربعون ليلة. والرباط المراد بالرباط هو الجلوس في أماكن الثغور، معناه الأماكن التي يدخل منها العدو، فهذا يسمى رباطًا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رباط يوم في سبيل الله أفضل من عبادة سنة». وأيضًا قال: «رباط يوم في سبيل الله خير مما طلعت عليه الشمس». فالرباط من أعظم الأعمال التي ينبغي للمجاهد أن يحرص عليها، لهذا كان السلف دائمًا يرابطون في الثغور، لأن أعظم الجهاد أنه يوقف للعدو، معناه ما يمكن العدو من الدخول على المسلمين. قالوا: تمام الرباط أربعون ليلة، ظاهر أنه لا دليل على ذلك، لكن جاء عن السلف هكذا قالوا. إذا كان أبواه مسلمين لم يجاهد تطوعًا إلا بإذنهما، أنا إذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني احيى والدًا»، قال: «بلى»، قال: «فاذهب فجاهد فيهما»، أو قال: «فجاهد فيهما»، أي أنه لا بد من الإذن، وذلك الذي ترك أبواه يبكيان، قال: «اذهب وأضحكهما كما أبكيتهما». قال: يتفقد الإمام جيشه عند المسير، ويمنع المخذل والمرجف. أن يتفقد الجيش وينظم هذا الجيش، وهذا يدل على أن الإمام لا بد أن يكون عنده خبرة أو أنه يوكل من عنده خبرة في الحروب، ويمنع المخذلة والمرجفة الذين يخدعون عن الجهاد، وكذلك المرجفة الذين يتكلمون بالشائعات وتعظيم العدو، أن يعظموا العدو في قلوب الناس حتى ترتجف قلوبهم، مثل ما حصل للمسلمين لما جاء التتار، ويخدعوا بسبب كلام بعض المرجفين أن هؤلاء التتار لا يبقون لأحد حرمة ويقتلون الناس، وأن بعضهم شديد، وأنهم... حتى خاف الناس، فكلما جاءوا إلى بلدة فتحوها، فتحوا هذه البلدة إما صلحًا وإما حربًا، والصلح أيضًا ينقضونه، مثل ما فعلوا في بغداد دخلوا صلحًا ثم قتلوا الناس. فلهذا لابد أن الإمام يطرد هؤلاء المرجف ويوقفهم عند حدهم حتى لا يزعزع قوة المسلمين، وما حصل كما قلنا في تلك الأوقات لما جاء التتار أعظم دليل على تخاذل المسلمين، كذلك رجاف بعضهم، فدب الخوف في قلوبهم، حتى لما جاءوا إلى دمشق وأرادوا أن يدخلوا دمشق، فكان الناس في هلع، بل بعضهم سلم، بل الأمير نفسه سلم، حتى جاءه شيخ الإسلام وكلمه وهدأه واستأذنه أن يذهب إلى التتار وذهب رحمه الله إلى التتار وكلمهم فخضعوا له ولم يدخلوا دمشق، أنا إكرامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية، حتى قالوا لذلك القائد: قالوا: كيف وافقت على عرض ابن تيمية؟ قال: دخل عليَّ الخوف لما رأيته فهبته. فالمهم أن التخاذل والإرجاف هو الذي يفت في عضد المسلمين، فلهذا الإمام يحاول أنه يبعد هؤلاء ويسكت أفواههم، لأن أهل الإسلام لهم قوتان: قوة إيمان وقوة سلاح، حتى لو قلت السلاح، فقوة الإيمان عندهم أقوى، وأيضًا كذلك فيها الخير الذي قد يحصل بسبب هذه القوة العظيمة.