الدرس في التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يذكر الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي رحمه الله أحاديث وآثار تشير إلى فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويبين درجة صحتها. منها حديث يدل على وجود ملك موكل بتبليغ النبي بالصلاة عليه.
ذكر أحاديث ضعيفة وصحيحة تدل على استحباب الإكثار من الصلاة على النبي يوم الجمعة وأنها تعرض عليه. كما ذكر حديثا صحيحا يحث على الصلاة في البيوت.
يوصي النبي بصلاة النافلة في البيوت ويحذر من اتخاذ القبور مساجد مثل اليهود، ويشجع على الصلاة عليه في أي مكان.
يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا ينبغي قصد قبره للصلاة عليه، بل يصلى عليه في أي مكان وسيبلغ ذلك له دون زيارة قبره.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي رحمه الله في رسالته «فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم»، في ذكر الحديث الرابع والعشرين، قال: حدثنا إبراهيم بن الحجاج، قال: حدثنا أبوهيب، عن أيوب، وهو ابن أبي تميمة السختياني، قال: بلغني - والله أعلم - أن ملكا موكل بكل من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يبلغه النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الأثر صحيح إلى أيوب، وهو - يعني - مرفوع في صورة مقطوع، مقطوع لأنه من قوله، من قول أيوب، وفي صورة المرفوع لأنه رفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الأثر يشهد له ما قبله من الأحاديث في إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن لله ملائكة سياحين يبلغون النبي صلى الله عليه وسلم سلام من سلم عليه من أمته. قال: حديث الخامس والعشرون، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا غالب القطان، عن بكر بن عبد الله المزني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حياتي خير لكم، تحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا ميت، كانت وفاتي خيرا لكم، تعرض علي أعمالكم، فإن رأيت خيرا حمدت الله، وإن رأيت غير ذلك استغفرت الله لكم». وهذا الأثر مرسل، فبكر بن عبد الله المزني تابعي وليس بصحابي، فهو مرسل صحيح، مرسل صحيح، لكن المرسل من قسم الضعيف، فليس هو بحديث مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال: في الحديث السادس والعشرون، قال: حدثنا الحجاج بن منهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن كثير أبي الفضل، عن بكر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حياتي خير لكم، ووفاتي لكم خير، تحدثون فيحدث لكم، فإذا أنا ميت، عرضت علي أعمالكم، فإن رأيت خيرا حمدت الله، وإن رأيت شرا استغفرت الله لكم». وهذا الحديث كالذي قبله. قال: حديث السابع والعشرون، قال: حدثنا عبد الرحمن بن واقد العطار، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا حسين بن عبد الرحمن، عن يزيد الرقاشي، أن ملكا موكل يوم الجمعة من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: إن فلانا من أمتك صلى عليك. وهذا الحديث ضعيف، سناده ضعيف، وإي كان معناه صحيح، يدل عليه ما مر من الأحاديث في إخباره عليه الصلاة والسلام بمجمل ذلك، بإخبار الملائكة بصلاة من صلى عليه من أمته. قال: حديث الثامن والعشرون، قال: حدثنا مسلم، قال: حدثنا مبارك، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكثر علي الصلاة يوم الجمعة». وهذا الأثر، وإن كان أيضا مرسل، فالحسن هو بن أبي الحسن البصري، تابعي يروي عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهو مرسل صحيح، ويشهد له غيره من الأحاديث في هذا الباب. فقوله: «أكثر علي الصلاة يوم الجمعة»، في استحباب الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مستحبة في سائر الأوقات، وفي سائر الأيام، إلا أنه يتأكد فضل الصلاة عليه في يوم الجمعة، في يوم الجمعة، فحث النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة. قال: حديث التاسع والعشرون، قال: حدثنا سلم بن سليمان الضبي، قال: حدثنا أبو حرة، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكثروا علي الصلاة يوم الجمعة، فإنها تعرض علي». نعم، هذا الأثر أيضا صحيح بشواهده، «أكثروا علي الصلاة يوم الجمعة، فإنها تعرض علي»، يعني صلاتكم، يعني الصلاة عليه الصلاة والسلام تعرض عليه يوم الجمعة. قال: الحديث الثلاثون، حدثنا إبراهيم بن حمزة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل، قال: جئت أسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وحسن بن حسين يتعشى في بيت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فدعاني، فجئته، فقال: أدن فتعشى، قال: قلت: لا أريده، قال: ما لرأيتك وقفت؟ قال: وقفت أسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إذا دخلت المسجد فسلم عليه، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا في بيوتكم، ولا تجعلوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم». وهذا الحديث صحيح. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «صلوا في بيوتكم، ولا تجعلوا بيوتكم مقابر»، أي: لا تشبهوا بيوتكم بالمقابر بترك الصلاة فيها، وترك قراءة القرآن، وفعل العبادة والطاعة فيها، لأن المقابر ليست موضعا للعبادة والصلاة، ليست موضعا للعبادة والصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، يعني كلها موضع للصلاة إلا المقبرة، فالمقبرة ليست موضعا للصلاة، ليست موضعا للصلاة. فيقول عليه الصلاة والسلام: «صلوا في بيوتكم»، يعني: اجعلوا في بيوتكم شيئا من الصلاة، أي: صلاة النافلة، صلاة النافلة، كالرواتب القبلية أو البعدية للفرائض، أو صلاة الضحى، أو الوتر، أو غير ذلك من نوافل الصلاة، احرص أن تجعل لبيتك نصيبا من الصلاة، فإن الله عز وجل يجعل في ذلك خيرا كما أخبر عليه الصلاة والسلام، وأخبر بأن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، أي: الفريضة، فالفريضة الأكمل والأفضل أن تؤدى في بيوت الله، لكن النوافل فالأفضل والأحسن أن تصلى في المنازل والبيوت. قال: «لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بلعنة الله لليهود، لعن الله اليهود، ولعنة الله على قوم، أي: أنهم استحقوا الطرد من رحمة الله سبحانه وتعالى، وأخبر عليه الصلاة والسلام بلعنة الله لليهود، ومن أسباب ذلك، من أسباب إيجاب لعنة الله عليهم، أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، واتخاذ القبور مساجد له صور، إما أن يكون ذلك ببناء المساجد عليها، ببناء المساجد عليها، وإما أن يكون ذلك بفعل العبادة عندها، فعل العبادة والطاعة عندها، واعتقاد أن ذلك أفضل وأكمل في التعبد، فهذا من اتخاذ القبور مساجد، أو كذلك أيضا بالصلاة عليها، فإن ذلك أيضا، أو الصلاة إليها، فإن ذلك من اتخاذ القبور مساجد. فالنبي عليه الصلاة والسلام يذكر مثل ذلك حتى يحذر هذه الأمة أن يقعوا فيما وقع فيه أولئك اليهود، فاستحقوا لعنة الله سبحانه وتعالى، أي: كأنه يقول: انتبهوا أن تفعلوا فعل اليهود الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا تفعلوا مثل ذلك، لتتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد، ببناء المساجد عليها، أو بفعل الصلاة عندها، أو بقصد الطاعة والعبادة عندها، أو غير ذلك مما هو في معنى اتخاذ القبور مساجد. قال: «وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم»، هذا هو الشاهد من هذا الحديث، «وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم»، أي: في أي موضع أنتم كنتم فيه، وصليتم على النبي عليه الصلاة والسلام، فإن صلاة المسلم على نبيه عليه الصلاة والسلام تبلغه، تبلغ النبي عليه الصلاة والسلام، وإن كان بعيدا، كما أخبر عليه الصلاة والسلام أن لله ملائكة تبلغ النبي صلى الله عليه وسلم صلاة وسلام من سلم عليه الصلاة والسلام. وبهذا يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا ينبغي أن يقصد قبره لأجل الصلاة والسلام عليه، بل صل وسلم عليه وأنت في موضعك، وفي بلدك، وسيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.