التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 4

الدرس في التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في فضل الصلاة على النبي وآداب رمضان

يبدأ المقطع بذكر أحاديث نبوية حول فضل الصلاة على النبي وآداب شهر رمضان، مشيراً إلى أهمية هذه الأمور في حياة المسلم. يروي أنس بن مالك وأبو هريرة وكعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث تحث على الصلاة عليه وبر الوالدين واغتنام رمضان.

شرح حديث رغم أنف من أدرك رمضان ولم يغفر له

يفسر المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يدعو فيه على من لم يصل عليه عند ذكره ومن أدرك رمضان ولم يغفر له، موضحاً معنى "رغم أنف امرئ" وأهمية الصلاة على النبي واغتنام رمضان في التوبة والمغفرة.

تحليل أسباب الحرمان من مغفرة الله

يتناول المقطع تحليل أحاديث نبوية تشير إلى أسباب حرمان الأفراد من مغفرة الله ورحمته، مثل التقصير في الصلاة على النبي وبر الوالدين واستغلال رمضان في الطاعات، مبيناً عواقب إهمال هذه الأمور.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يختتم المقطع بدعاء للتوفيق في طاعة الله واجتناب أسباب سخطه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشدداً على أهمية هذه الأعمال في نيل رضا الله ومغفرته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام إسماعيل بن إسحاق، قاضي المالكي، رحمه الله، المتوفى سنة 282 للهجرة، في كتابه «فضل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام»: حدثنا عبد الله بن مسلمة، قال: حدثنا سلمة بن وردان، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ارتقى النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر درجة، فقال: آمين، ثم ارتقى الثانية، فقال: آمين، ثم ارتقى الثالثة، فقال: آمين، ثم استوى فجلس، فقال أصحابه: على ما أمنت؟ قال: أتاني جبريل، فقال: «رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك»، فقلت: آمين، فقال: «رغم أنف امرئ أدرك أبويه فلم يدخل الجنة»، فقلت: آمين، قال: «رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له»، فقلت: آمين. والحديث صحيح بشواهده. قال: وحدثنا مسدد، قال: حدثنا بشر المفضل، قال: حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل، ورغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليك، ورغم أنف رجل أدرك أبويه عند الكبر فلم يدخلاه الجنة، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له». وهذا الحديث صحيح. قال: وحدثنا المقدمي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق بإسناده نحوه. قال: وحدثنا أبو ثابت، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رقى المنبر، فقال: آمين، آمين، آمين، قيل له: يا رسول الله، ما كنت تصنع هذا - يعني من قبل - فقال: «لي جبريل: رغم أنف عبد دخل عليه رمضان لم يغفر له، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف عبد أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت: آمين». وهذا الحديث حسن، وهو صحيح بشواهده. قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا محمد بن هلال، قال: حدثنا سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبيه، عن كعب بن عجرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحضر المنبر، قال: فحضرنا، فلما ارتقى درجة، قال: آمين، ثم ارتقى درجة الثانية، فقال: آمين، ثم ارتقى درجة الثالثة، فقال: آمين، فلما فرغ، نزل عن المنبر، فقلنا له: يا رسول الله، لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه، قال: «إن جبريل عرض علي، فقال: بعد من أدرك رمضان فلم يؤفر له، فقلت: آمين، ثم فلما رقيت الثانية، قال: بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت: آمين، فلما رقيت الثالثة، قال: بعد من أدرك أبويه الكبر أو أحدهما فلم يدخله الجنة، فقلت: آمين». والحديث صحيح بشواهده. هذه الأحاديث فيها - كما سمعتم - أن النبي صلى الله عليه وسلم لقى المنبر، ثم أمن ثلاث مرات، فسئل عن ذلك. استغرب الصحابة رضوان الله عليهم هذا الأمر من النبي عليه الصلاة والسلام، لأنهم لم يعهدوا أنه كان يفعل ذلك من قبل، فسألوه: ما هذا الذي فعلت؟ أو ما السبب لما أمنت؟ فأخبرهم أن جبريل عليه السلام - وهو الملك الموكل بالوحي، وهو أشرف وأفضل الملائكة عند الله جل وعلا - أتاه، فقال له: «رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك»، وهكذا، فأمن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «رغم أنف امرئ أدرك أبويه فلم يدخل الجنة»، فقال: آمين، ثم قال: «رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له». وفي رواية: «بعد»، ومعنى «رغم أنف امرئ»: رغم بمعنى ذل، بمعنى ذلة، أصابه الذل والهوان والخزي. والرغام: رغم بكسر الغين وفتحها، رغم، وهو من الرغام، وأصله من التراب، أصله يعني من ألصق أنفه في التراب، فرغم أنف امرئ: أي ألصق أنفه في التراب إذلالا له وخزيا له، إذ أنه أدرك أسبابا عظيمة من أسباب مغفرة الله جل وعلا، ثم لم ينتفع بها، ولم يستفد منها. ومن ذلك الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام: «رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك»، سمع ذكر النبي عليه الصلاة والسلام وإسم النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يصل عليه، سمع من يقول: قال رسول الله، فلم يقل: اللهم صل عليه، لم يبالي بذلك، فهذا حقه أن يلصق أنفه في التراب، وأن يذل، وأن يهان، وأن يحرم؛ لأنه يعتبر بهذا قد حرم خيرا عظيما، وحرم أجرا كبيرا. وذلك أن ما الذي سيخسره لو صلى على نبيه عليه الصلاة والسلام ولو مرة واحدة؟ ولو مرة واحدة يحصل بذلك هذا الأجر، لو أنك سمعت ذكر النبي عليه الصلاة والسلام فصليت عليه مرة واحدة حصل لك هذا الأجر والثواب، وكذلك تسلم من هذا الخزي والذل. وكذلك من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام على من لم يصل عليه: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾، إذا صليت - كما سمعت - مرة واحدة حصل المقصود، فإن زدت فهذا هو الأفضل، هذا هو الأفضل والأكمل والأحسن: أنه كلما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام صليت عليه، وتنال بذلك الأجر العظيم مما قد ذكر بعضه في الدروس الماضية، وما سيأتي كذلك غيره في الدروس القادمة بإذن الله. وفي رفض بعضة: بعضة من ذكرت عنده فلم يصل عليك، وهنا بعضة: لم يذكر النبي عليه الصلاة والسلام، المعمول بعضة من ماذا؟ فيشمل كل ما فيه معنى من معاني البعد، بعضة من رحمة الله، بعضة من ثواب الله، بعضة من فضل الله، بعضة من القرب من الله، بعضة من دخول الجنة، إلى آخر ذلك من المعاني الكثيرة التي يشملها هذا اللفظ، فهذا يدل على أن هذا الإنسان محروم، أنه محروم حرمانا عظيما. ثم ذكر أن مثل ذلك من أدرك أبويه فلم يدخل الجنة، وفي الرواية الأخرى: أبويه أو أحدهما، يعني أباه أو أمه، أدرك أباه أو أدرك أمه، ثم لم يدخل الجنة، وهو قد أدرك سببا عظيما من أسباب دخول الجنة، وهو بر الوالدين والإحسان إليهما، فهذا محروم، هذا كذلك محروم، من يدرك والديه ثم لا يدخل الجنة، وقد أدركهما، هذا بسبب ماذا؟ بسبب أنه لم يقم ببرهما، وبالإحسان إليهما، فيربما كان عاقا لهما، عاصيا غير طائع لهما، وغير مستمع لأوامرهما، وغير قائم بالبر والإحسان إليهما، فقد حرم كذلك أبوابا عظيمة من أبواب دخول الجنة، فحقه أن يلصق أنفه في التراب ذلا وخزيا. وهكذا أيضا قال: «رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له»، كذلك من أسباب مغفرة الله، ونيل أجر الله وثواب الله ودخول الجنة، إدراك شهر رمضان، إدراك شهر رمضان؛ لأنه موسم عظيم من مواسم الخير، وسبب عظيم من أسباب مغفرة الذنوب، فصومه مغفرة، قيامه مغفرة، البر والإحسان فيه سبب للمغفرة، الإقبال فيه على طاعة الله سبحانه وتعالى سبب من أسباب المغفرة، فأسباب المغفرة فيه كثيرة، فكيف يدخل عليه رمضان ثم يخرج ولا ينال مغفرة الله جل وعلا؟ هذا يدل على أنه عنده تقصير وتفريط وتضييع، وعدم مبالاة، وعدم كذلك حرص على نيل مغفرة الله جل وعلا، فحقه أن يذل، وأن يخزى، وأن يبعد من رحمة الله جل وعلا. ففي هذه الأحاديث ذكر ثلاث أسباب أو أعمال هي من أسباب نيل مغفرة الله والفوز بجنة الله جل وعلا، ومن ذلك الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام إذا ذكر، وكذلك الإحسان والبر إلى الوالدين، وهكذا أيضا استغلال شهر رمضان بالإقبال على طاعة الله سبحانه وتعالى، وأن من حرم المغفرة والرحمة ودخول الجنة بإدراك هذه الأعمال الثلاثة، فهو قد حرم خيرا عظيما وأجرا كبيرا، واستحق بذلك ماذا؟ البعد والخزي والذل والهوان بسبب حرمانه لنيل مغفرة الله جل وعلا، وقد نال وأدرك أسبابا عظيمة من أسباب نيل مغفرة الله. والشاهد من هذه الأحاديث هو قوله: «رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك»، فاحرص أيها المسلم إذا سمعت ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن تصلي عليه الصلاة والسلام، فتسلم من هذا الخزي والذل، وكذلك تربح الأجر والثواب العظيم، ومن ذلك أنك تكون مستجيبا لأمر الله جل وعلا، ومتقربا إلى الله جل وعلا بهذه الطاعة والعبادة، ويضاعف لك الأجر والثواب: «من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشر». أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يجنبنا جل وعلا أسباب سخطه وعقابه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.