تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 107

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 107

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 107، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ذم البخل والشح وبيان عاقبتهما السيئة

يفسر المقطع قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ مبيناً أن البخل بما آتاه الله من مال أو علم أو جاه ليس خيراً بل شراً في الدنيا والآخرة، ويستدل بأحاديث النبوة في الاستعاذة من البخل، ويؤكد أن من وقي شح نفسه وبذل ما عنده لله فهو من المفلحين أهل الجنة.

عاقبة البخل والغلول يوم القيامة

يبيّن المقطع أن من يُوقَ شح نفسه فهو المفلح، بينما البخيل يُطَوَّق ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع يعذبه، كما أن من يظلم شبراً من الأرض يطوقه الله سبع أراضين، وكل مال لم تؤد زكاته أو أُخذ بغير حق يطوق صاحبه في الآخرة.

عقوبة كنز الذهب والفضة دون زكاة

يوضح المقطع عقوبة من يكنز الذهب والفضة ولا يؤدي زكاتها يوم القيامة حيث تحمى عليه في النار فيكوى بها جنبه وجبينه، مستدلاً بالآية القرآنية والحديث النبوي. كما يبين أن البخل داء عظيم يمنع صاحبه من السيادة، ويضرب المثل بالكنز الذي يتحول إلى شجاع أقرع يطوق عنق صاحبه ويقول: أنا مالك، أنا كنزك.

ختام الدرس وتأجيل الفصول المتبقية

يختتم المتحدث الدرس الحالي مشيراً إلى أن ما تم ذكره يكفي لهذا اللقاء، ويؤجل شرح الفصول المتبقية إلى درس قادم إن شاء الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: «ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير». فقال رحمه الله: أي ولا يظن الذين يبخلون أن يمنعون ما عندهم مما آتاهم الله من فضله من المال والجاه والعلم وغير ذلك مما منحهم الله وأحسن إليهم به، فعنوا عما يكون واجباً عليهم أن يؤدوه من المال أو الجاه بالشفاعات وغيره أو العلم بأن يعلمون الناس ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. قال: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾. قال: وأمرهم ببدل ما لا يضرهم منه لعباده فبخلوا بذلك وأمسكوه، وظنوا به على عباد الله، وظنوا أنه خير لهم، بل هو شر لهم في دينهم ودنياهم وعاجلهم وآجلهم؛ لأن البخل عاقبته وخيمة. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وأي داء أدوى من البخل، وأي داء أدوى من البخل». البخل مرض يعتري القلب. وجاء في حديث في سنن الترمذي، أو ما جاء في الصحيحين في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ من البخل والجبن. والبخل يدخل فيه إذا ذكر الشح، والشح أعظم من البخل؛ لأن الشح أنانية وطمع، فإذا وقع في القلب فإنه يمنعه من البذل. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. إذا وقى العبد شح نفسه، أنانيتها وطمعها، وبذل ما عنده من مال ومن علم ومن جاه ومن غيره، فإنه لا شك يكون من أهل جنة الله جل وعلا، إن بذله لله. إذا بذل هذه الأمور لله فهو من أهل الجنة. ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. قال: وقوله جل وعلا: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، أن يجعل ما بخلوا به طوقاً في أعناقهم يعذبون به، كما ورد في الحديث الصحيح: «إن البخيل يمثل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع»، والشجاع هو الثعبان الكبير. قال: «يخيل إليه أنه شجاع أقرع له زبيبتان، يأخذ بلهزمتيه، يقول: أنا مالك، أنا كنزك». وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداق ذلك هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فيطوق عليهم. ومثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث زيد، أو حديث أبي الأعور سعيد بن زيد رضي الله عنه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من ظلم شبراً من الأرض طوقه الله يوم القيامة سبع أراضين». طوقه الله يوم القيامة سبع أراضين. معنى: إذا أخذ شبراً من الأرض ليست له، فكيف لو أخذ الأرض كلها؟ تأتي هذه الأرض وما تحتها إلى سبع أراضين، كلها تطوق في هذا الظالم. فكيف إذا كان هذا ليس واحدة ولا اثنتين بل أكثر من ذلك؟ فهذا سيكون وبالاً عليه عظيماً أن تطوق هذه الأشياء. وأيضاً مثله ما جاء أيضاً في حديث في الصحيحين، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تأتوني...» قل لأهل بيته: «لا يأتيني الناس بالحسنات وتأتوني بالدنيا تحملونها فوق ظهوركم». فيأتي الرجل وعلى كتفه بعير له رغاء، أو شاة تيعر، عن التصيح تكون على رقبته، يأتي بها، أي من غلول يغلها ويأخذها من الأموال العامة ومن الغنيمة. فكل ذلك يطوق به العبد يوم القيامة، يطوق به العبد يوم القيامة. وهذه الأموال التي عنده، الأموال التي عنده أيضاً يطوقها الله عز وجل، وقد بخل بها ولم يؤد زكاتها، تطوق له. فإن كانت مما لا يطوق فإنها تحمى عليه ويكوى بها أيضاً كذلك جسده، مثل ما جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «فما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا حميت عليه يوم القيامة صفائح من نار، فيكوى بها جنبه وظهره وجبينه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». وهي تفسير أيضاً قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. وفي هذا الحديث يقول: «أنا ما لك، أنا كنزك». أن هذا الذي كنزته الآن مثل له شجاع أقرع، يطوق عليه على رقبته، طوق على رقبته، ويأخذه بلهزمتيه. وقيل: הלهزمتين: الشعرات الخارجة، أو مثل اللسان الخارجة في الثعبان. وقيل: أن المراد به أسنانه وفمه. فقال: «يأخذه بلهزمتيه، يقول: أنا ما لك، أنا كنزك، أنا كنزك». قال: وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية. قال: فهؤلاء حسبوا أن بخلهم نافعهم ومجد عليهم، فانقلب عليهم الأمر ما لا يظنون. أنهم ينجون بهذا، أنهم بخلوا بمالهم وحرصوا على مالهم كما يظنون، وإنما هذا الحرص، أو هذا الحرص الذي هم يظنونه، هو بخل، وهو داء عظيم يكون في العبد. ولهذا لا يكون البخيل سيداً. لما قالوا: قال بعض الأنصار، قال لهم: «من سيدكم يا بني الجموح؟» قالوا: «الجد عبد القيس»، على أننا نبخله. قال: «وأي داء أدوى من البخل؟ فسيدكم عمرو بن الجموح». قال لهم نبي صلى الله عليه وسلم: «سيدكم عمرو بن الجموح»، أي شيخكم ومقدمكم عمرو بن الجموح. أما هذا الجد ما دام بخيلاً فليس بسيد. قالوا: وصار من أعظم مصائبهم وسبب عقابهم، أي هذا البخل أو هذا المال صار وبالاً عليهم. طيب، هذا ما يذكر إن شاء الله تعالى، والفصول الأخرى نتركها في درس قادم.