تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 109

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 109

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 109، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير قول اليهود: إن الله فقير ونحن أغنياء وعقوبة الله لهم

يشرح العلامة السعدي آيات سورة آل عمران التي تكشف افتراء اليهود على الله بقولهم إنه فقير وهم أغنياء، مبيناً أن الله سيكتب قولهم وجرائمهم في قتل الأنبياء ويعذبهم بالنار. ويربط الشيخ بين هذا التجري على الله وبين صفة البخل الملازمة لليهود عبر التاريخ مستشهداً بآية غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا.

بخل اليهود وسعة كرم الله وعقاب المتكبرين بالنار

يبيّن المقطع أن بخل اليهود عقوبة دنيوية بينما يد الله مبسوطة بالعطاء منذ خلق السماوات والأرض. ويشير إلى أن عذاب الحريق يوم القيامة جزاء للمتكبرين وليس ظلماً من الله بل عدلاً منه.

تفسير آية ذوقوا عذاب الحريق وقصة تكبر فنحاص بن عازوراء

يبيّن المقطع أن عذاب النار واقع باليهود بسبب ما قدمت أيديهم من مخازي لا ظلمًا من الله، ويسوق قصة فنحاص بن عازوراء الذي استهزأ بقوله تعالى من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً. ويذكر أن شنائعهم لم تقف عند السخرية بل تعدتها إلى قتل الأنبياء بغير حق كذبح يحيى بن زكريا.

عداوة اليهود والنصارى للمسلمين ووراثة الروافض لعداوة اليهود

يفسر المقطع آية قرآنية تشير إلى شدة عداوة اليهود للمؤمنين وقرب النصارى منهم، موضحاً أن النصارى ليسوا مسلمين بل يتمتعون برحمة أكبر. كما يبين أن الروافض ورثوا عداوة اليهود للمسلمين وأن قتل الأنبياء بغير حق كان تمرداً وعناداً لا جهلاً.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، فقال رحمه الله: يخبر تعالى عن قول هؤلاء المتمردين الذين قالوا أقبح المقالة وأشنعها وأسمجها، فأخبر أنه قد سمع ما قالوه وأنه سيكتبه ويحفظه مع أفعالهم الشنيعة. وهذا اليهود المتجرؤون على الله عز وجل، والمتجرؤون على خالقهم ورازقهم، هم من أقبح خلق الله، لأن هذا الكلام لا يأتي به إلا رجل سافر، فقالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء. قال الله عز وجل: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾، أي: هذا الذي قالوه سيكتب ويحفظ عند الله عز وجل، وأيضاً فوق هذا: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، أي: أيضاً هذا سيكتب عليهم ويحاسبون عليه، وسيعاقبهم الله عز وجل أشد العقوبة، فيقال لهم: بدل قولهم «إن الله فقير ونحن أغنياء»: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. نقول: هؤلاء الذين تمردوا على الله، وأتوا بمثل هذه الجرائم الشنيعة، وتجروا على الله عز وجل، ووصفوا الله بالفقر وهو خالق كل شيء وإليه يرجع كل شيء والأمر كله بيده، فكيف يكون فقيراً جل وعلا؟ ولهذا اليهود أخزاهم الله لشدة عداوتهم لأهل الإسلام، بل لدين الله، بل لربهم جل وعلا، يأتون بمثل هذه الكلمات. ولهذا قالوا كما قال الله عز وجل: ﴿قَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ﴾، أو قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾، في قوله لما قالوا لله عز وجل: ﴿قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، قالت اليهود: يد الله مغلولة، ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾، معنى أنها فقيرة، يد واحدة وفقيرة، ما عنده شيء. فقال الله عز وجل رداً على هؤلاء اليهود: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾، ولهذا أبخل الناس اليهود، صاروا من أبخل الناس. ولهذا من يعرف المجتمعات الغربية، لأن اليهود يسودون فيهم، يجد الرجل يبخل بماله حتى على زوجته، والرجل يبخل بماله حتى على أبنائه. فلهذا اصطنعوا أن عندهم نظاماً أن كل واحد يختص بذاته، فيدخل الرجل المرأة وهي زوجته مثلاً إلى مطعم، كل واحد يسدد حقه، يدخل مع صديقه كل واحد يسدد حقه، كأنه النظام عندهم أن كل واحد يختص بذاته، وهذا الذي يدفعهم إلى هذا هو البخل. فلهذا من أبخل الناس اليهود، وهذا لما جعله الله عز وجل عقاباً لهم في الدنيا، وأيضاً يوم القيامة يقول لهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. فقال الله عز وجل: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يد الله ملأى سحاء الليل والنهار لا يغيضها نفقة»، أو قال: «سحاء الليل والنهار لا تغيض»، أو قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يد الله ملأى سحاء لا يغيضها نفقة الليل والنهار»، فهو منذ أن خلق السماوات والأرض لم يغض ما في يمينه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. معنى ذلك: أن الله عز وجل يده ملأى بالخير، ملأى بالعطاء، فهو ينفق منذ أن خلق هذه السماوات والأرض، ينفق منذ أن خلق الخليقة، فهذا كله الإنفاق لم يغض ما في يمينه، أي: لم ينقص مما في يمينه جل وعلا، وهذا لسعة كرمه وسعة غناه جل وعلا. ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وهنا قال الله عز وجل: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، أي: هنا ذكر الجزاء، ولم يرد عليهم في هذه المقالة وإنما ذكر عقابهم. وفي سورة المائدة رد عليهم بما قالوه، وأنه جعل ذلك أثراً عليهم في الدنيا، مع ما سيجازون به من لعنة الله وغضبه في الآخرة. فقال المؤلف رحمه الله: وقال: إنه يقال لهم بدل قولهم «إن الله فقير ونحن أغنياء»: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، المحرق النافذ من البدن إلى الأفئدة، وأن عذابهم ليس ظلماً من الله لهم، فإنه ليس بظلام للعبيد، فإنه منزه عن ذلك، أي: عن الظلم جل وعلا، بل هو العدل، وهم عبيده، لكن تجروا عليه وتكبروا، فلهذا جعل الله عز وجل هذه النار للمتكبرين، كما جاء في الحديث: لما اشتكت النار واشتكت الجنة، فقالت الجنة: يا رب، ما لي لا يدخلني إلا الضعفاء؟ وقالت النار: ما لي لا يدخلني إلا المتكبرون؟ فقال الله عز وجل للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي»، وقال للنار: «أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي». فهؤلاء المتكبرون هم أهل النار، ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾، فهذه نارهم، أو هذا جزاؤهم الذي جعله الله عز وجل بسبب تكبرهم، فسيحرقهم بالنار: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. قال: وإنما ذلك بما قدمت، لم يظلمهم الله عز وجل، وإنما بين لهم هذه الطريقة الصحيحة، وبين لهم الطريقة المخالفة، فأرادوا إلا مخالفة الطريق، بل لم يكتفوا بمخالفتهم للطريق، بل عابوا الله وسبوا الله جل وعلا، فلهذا قال الله عز وجل: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، فهذا بسبب ما كسبته أيديكم. فقال المؤلف: وإنما ذلك بما قدمت أيديهم من المخازي والقبائح التي أوجبت استحقاقهم العذاب وحرمانهم الثواب. وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في قوم من اليهود تكلموا بذلك، وذكروا منهم: فنحاص بن عازوراء، من رؤساء علماء اليهود في المدينة، أنه كان هذا يذكر أنه من أحبارهم، وأنه لما سمع قول الله جل وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾، قال على وجه التكبر والتهجم هذه المقالة، قبحه الله، لما رأى أن الله عز وجل يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾، أو سمع من يقرأ فيقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾، فقال: «الله فقير حتى يقرض»، أو كما قال هذا الخبيء. والآية معروفة: أن الله عز وجل يريد أن من تصدق فكأنما أقرض الله، لأنه مثل القرض، الصدقة يجدها العبد يوم القيامة، يجد أجرها يوم القيامة، لكن هذا الرجل أراد التكبر والعناد، وأيضاً ذم أهل الإسلام وذم القرآن بكلامه. قال: فذكر الله عنهم، وأخبر أنه ليس ببدع من شنائعهم، بل هناك شنائع عظيمة، أنهم قتلوا الأنبياء. بل قد سبق لهم من الشنائع ما هو نظير ذلك، وهو قتلهم الأنبياء بغير حق. هذا القيد يراد به أنهم تجروا على قتلهم مع علمهم بشناعته، لا جهلاً وضلالاً، بل تمرداً وعناداً. فلم يتجر أحد على الأنبياء كتجر اليهود على أنبيائهم، حتى قوم نوح هددوا نوحاً، وأيضاً توعدوه أنهم سيقتلونه، وأنهم سيفعلون، وصالح لم يستطيعوا أن يقتلوه، لكن قتلوا الناقة، وغيره من أنبياء الله عز وجل لم يتجر أقوامهم أن يقتلوهم، لكن اليهود تجروا على قتل الأنبياء، بل ذبحوا الحصور يحيى بن زكريا، ذبحوه ذبحاً، وهذا لشدة حنقهم على أنبياء الله عز وجل، بل على دين الله. ولهذا أعدى الناس للإسلام هم اليهود. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، وليس معنى أنهم مسلمون كما ظن بعض الإخوان المسلمين، وإنما الله عز وجل ذكر أن عندهم رحمة أكثر أو أفضل من اليهود، اليهود عندهم شدة عداوة، وورثها منهم الروافض أخزاهم الله، فالروافض ورثوا هذه العداوة على المسلمين من اليهود. قال: وهو قتلهم الأنبياء بغير حق، قال: هذا القيد يراد به أنهم تجروا على قتلهم مع علم بشناعته، لا جهلاً وضلالاً، بل تمرداً وعناداً. فهذا ما ذكره المؤلف رحمه الله في تفسير هذه الآيات، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.