الدرس في كتاب المعاملات 14، ألقاها
يتناول المقطع أصناف الربويات الستة وخلاف الفقهاء في الزيادة عليها، مع توضيح آرائهم المختلفة حول العلة التي تجعل هذه الأصناف ربوية. يُظهر هذا الجزء من الدرس أهمية فهم الربويات وتطبيقاتها.
يشرح هذا الجزء تعريف ربا النسيئة ويقدم أمثلة عليه، موضحًا كيفية حدوثه في المعاملات المالية عند تأخير الدفع أو القبض في بيع جنسين متفقين في علة ربا الفضل. يبين أيضًا ارتباطه بربا الفضل في بعض الحالات.
يتناول هذا الجزء تحريم الربا في الإسلام، موضحًا أنواعه مثل ربا النساء وربا الجاهلية. يشير إلى نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الربا في حجة الوداع، ويبين كيفية حدوث الربا في المعاملات المالية.
يختتم الدرس بذكر أهمية الاستغفار والتوبة، ويشير إلى الدرس القادم بإذن الله. ينتهي المقطع بدعاء يعبر عن تواضع العبد واعترافه بذنوبه، ويطلب المغفرة والتوبة من الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِيَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي الكلام على شيء من المسألة الثالثة في أنواع الربا، وذكر فيما مضى النوع الأول من أنواع الربا، وهو المسمى بربا الفضل. وهو كما ذكر فيما مضى أنه كل زيادة في أحد البدلين أو العوضين الربويين المتفقين جنسًا. ومضى معنا كذلك فيما مضى حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، والفضة بالفضة، يدا بيد. فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء، الآخذ والمعطي سواء في إثم الربا وفي كونهما تعاملا في الربا». وكما ترون أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ذكر في هذا الحديث أصناف الربويات، أي ذكر جنسها: الذهب والفضة، والبر والشعير والتمر والملح. وهذه الأشياء كما ترون ستة ذكرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهي أصناف الربا باتفاق. هذه الستة الأنواع والأصناف هي أصناف أو أصناف الربويات باتفاق، ووقع الخلاف في الزيادة على ذلك. وقع الخلاف بين الفقهاء في الزيادة على ذلك، والمسألة من حيث هي على قولين، أي جملة: هل أصناف الربا مقصورة على هذه الأصناف الستة المذكورة في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، والمذكور بعضها في بعض الأحاديث: حديث عمر، وحديث كذلك زيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وأبي بكرة، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. فكما سمعتم أن المسألة فيها قولان جملة من أهل العلم، من اقتصر على هذه الأصناف الستة فحسب، وقال بأن الربا لا يتعدى إلى غيرها من الأصناف ولو كان في معناها. وأما الجمهور، فذهبوا إلى أن هذه الأصناف الستة يقاس عليها ما كان في معناها، يقاس عليها ما كان في معناها. ثم اختلف كذلك الجمهور على أقوال، فمنهم من جعل العلة أولا في الذهب والفضة جعلها الكيل، ومنهم من جعلها الوزن، ومنهم من جعلها أي جعل العلة النقد، هذا باعتبار الذهب والفضة. ومنهم من جعلها في غيرها من الأصناف، أي في البر والشعير والتمر والملح كذلك، وقع خلاف بين الفقهاء رحمهم الله تعالى: ما هي العلة ألّا تكون مناطا للحكم؟ هل العلة الكيل؟ فمن أهل العلم من قال بأن العلة الكيل، فقالوا: إذن كل مكيل لا يجوز فيه التفاضل، بل يجب أن يكون يدا بيد إلى غير ذلك، ولا يجوز فيه كذلك النساء. وهنا قاعدة يذكرها الفقهاء، وهي كما يقال تذكر عرضا: وهي أن كل ما ثبت فيها الربا، أن كل ما أمتنع فيه ربا الفضل فإنه يمتنع فيه النساء، يمتنع فيه كذلك النساء. فالحاصل أن من أهل العلم من جعل العلة الكيل، ومن أهل العلم من جعل العلة الإدخار، جعل العلة الإدخار، قول العبرة بأن يكون مدخرا، فإن لم يكن مدخرا ولو كان مكيلا فإنه لا يكون من أصناف الربا، ولا يتعامل فيه تعامل الربا. ومن أهل العلم من قال: بل العبرة فيه أن يكون مطعوما، لا بد أن يكون مطعوما، قال: لأن الأشياء المذكورة مطعومة: البر، الشعير، والتمر، والملح. ومن أهل العلم يعني كل واحد يأتي بعلة يقدحها الآخر أو يقدح فيها الفريق الآخر، فبعضهم علل بتعليل في نظره أنه يجمع جميع العلل، فقال: لا بد أن يكون مكيلا أو موزونا، وأن يكون مدخرا، وأن يكون مطعوما. فإذا كانت كذلك فيجري فيها أحكام الربا، وإن تخلف شيء من ذلك فلا يجري فيها أحكام الربا. وكما ترون أن العلل المذكورة ليست منصوصا عليها في كتاب الله جل وعلا، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولا كذلك هي علل صحيحة سالمة من القوادح، بل هي علل مستنبطة. وطريق العلل أو التعليل بالعلل المستنبطة طريق الاجتهاد، والاجتهاد قد يصيب وقد يخطئ. وكما سمعتم أن كل فريق يقدح في علة فريق الآخر، وهذا يدلنا على أن العلل أو التعليل بالتعليل المذكورة لا يخلو شيء منها من نظر. ومنه نعلم الحكم في هذه المسألة، إذ أن الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، فمن المحال أن يحرم الله جل وعلا الربا بتلك الزواجر وتلك القوارع ينهى عن الربا، ثم لا يبين ربنا جل وعلا ولا يبين نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ما هي الأصناف التي تجري فيها الربا، وما هي الأصناف التي لا تجري فيها الربا. ومنه نعلم أن الاقتصار على الستة الأصناف المذكورة في حديث أبي سعيد رضي الله عنه وأرضاه، وفي غيره من الأحاديث هو المعتمد، وهو الذي تطمئن إليه النفس؛ لأنه منصوص عليه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما عدا ذلك من التعاليل كما سمعتم لا يسلم منها شيء من قادح. والله تعالى أعلى وأعلم. قالوا: ويقاس على هذه الأشياء الستة ما شاركها في العلة، وهذا على القول الجمهور كما سمعتم، فيحرم فيه التفاضل. قالوا: فعلة الربا في هذه الأشياء الكيل والوزن، جعلوا علة ها هنا الكيل والوزن، فيحرم التفاضل في كل مكيل وموزون. وهذه رواية عند الحنابلة، هذا القول هو رواية عند الحنابلة. وقد سمعتم أن الصواب في المسألة -والله أعلى وأعلم بالصواب- أو نقول بأن الراجح فيها -والله أعلى وأعلم بالصواب- أننا نقصر على الأصناف المذكورة في حديث أبي سعيد؛ لعدم وجود دليل صريح صحيح يبين أن ما عدا هذه الأصناف الستة يدخل في معناها. والله أعلى وأعلم. فالحاصل أننا نقتصر في هذا الأمر على هذه الأصناف الستة. ثانيا، قال: ربا النسيئة: النوع الثاني من أنواع الربا، ربا النسيئة، وهو الزيادة في أحد العوضين مقابل تأخير الدفع أو تأخير القبض في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل، ليس أحدهما نقدا. يعني الآن نبين هذا المذكور ها هنا، ربا النسيئة. قالوا: هو الزيادة في أحد العوضين مقابل تأخير الدفع. ربا النسيئة كما سمعتم: الزيادة في أحد العوضين مقابل تأخير الدفع أو تأخير القبض في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل، ليس أحدهما نقدا. فذكر في هذا التعريف صورتين، ذكر في هذا التعريف صورتين: الصورة الأولى اجتمع فيها ربا الفضل وربا النسيئة. ففي الصورة الأولى قالوا: هو الزيادة في أحد العوضين مقابل تأخير الدفع. يعني مثال ذلك: إنسان يشتري من إنسان مثلا عشرة جرامات من الذهب مقابل إحدى عشر جراما من الذهب إلى بعد شهر. واضح هذا: جماعة، ملا ها هنا حصل اجتمع في هذا النوع نوعي الربا: اجتمع في هذا النوع نوعي الربا، ربا الفضل وربا النسيئة. واضح هذا الصورة. جماعة ملا، نعيد: نقول رجل يذهب أو يقول لصاحبه ذهب: سأشتري منك عشرة جرامات من الذهب بإحدى عشرة جراما من الذهب إلى بعد شهر، لمدة شهر، بعد شهر سأدفع لك إحدى عشرة جراما من الذهب. هذه الصورة كما سمعتم اجتمع فيها ماذا؟ ربا الفضل وربا النسيئة. ما مع النسيئة؟ التأخير. أي لم يحصلوا التقابض في المجلس. النسيئة بمعنى التأخير، النسى أو النسيئة التأخير. واضح هذا يا إخوان أم لا؟ لأن من شرط الربويات التقابض، من شرط الربويات في البيع والشراء، في الربويات المتجانسة من شرطها التقابض. ففي الصورة المذكورة اجتمع ربا الفضل وربا النساء أو النسيئة. الصورة الثانية قال: أو تأخير القبض في بيع كل جنسين اتفقا في علة الربا. يعني مثال ذلك: يذهب إنسان إلى صاحب ذهب، يقول له: سأشتري منك مثلا مئة جرام من الذهب بمئة جرام من الذهب، لكن سأدفعها لك بعد شهر. سأدفعها لك بعد ماذا؟ بعد شهر. هل حصل التقابض هاهنا أم ما حصل التقابض؟ ما حصل التقابض. واضح: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الذهب بالذهب يدا بيد». بل جاء في بعض روايات كما في حديث عمر في الصحيحين قال: «الذهب بالذهب يدا بيد، هاء بها». أي يقول هاء والآخر يقول هاء، مباشرة، مبالغة في ماذا؟ في التقابض. مبالغة في التقابض. فلو أن إنسان أخر، لم يحصل ماذا؟ لم يحصل يعني أخر ولو لمدة ساعة. يعني مثال ذلك: يأتي إنسان إلى صاحب ذهب، يقول له: بكم هذا الذهب؟ يقول: عشرة جرامات من النوع كذا وكذا، بمثلا بكذا وكذا، يعني قيمته مثلا عشرة جرامات. يقول: بمئة ألف يمني. يقول: نعم. اشتريت منك، وسأتيك بالمال بعد ساعة. واضح جماعة، ما هو بعد ساعة؟ يقول له: سأذهب إلى المحل، يعني عندي المحل بعده بمحلين أو ثلاثة، وسأتيك بالمال الآن. واضح يا إخوة؟ يقول له: اشتريت منك الذهب، يتم العقد. أين المال؟ يقول: المال انتظر عشر دقائق، والمال سأتيك الآن. هذا ما حكمه؟ هذا لا يجوز. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب يدا بيد». لا بد أن يكون في المجلس أن يحصل التبادل، وأن يحصل العوض في المجلس، لا يتفرق قبل أن يتقابض. فإن تفرق قبل القبض فإنه لا يجوز؛ لأنه لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الذهب بالذهب يدا بيد». وكما سمعت في حديث عمر: «هاء بها». يقول له هاء، خذ، والآخر يقول هاء، خذ، ويتقابضان. فإن لم يحصل كان هذا الربا من أي نوعي الربا؟ ربا النساء. واضح يا أخوة؟ ربا النساء. هنا نوع ثالث ذكره كذلك الفقهاء رحمهم الله تعالى من أنواع الربا، ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى نوعا ثالثا من أنواع الربا، وهو الملقب بربا الجاهلية. ربا الجاهلية الذي نهى عنه نبينا صلى الله عليه وسلم، بأن نهى عنه ربنا جل وعلا، نهى عنه نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله في حجة الوداع: «ألا وإن ربا الجاهلية تحت قدمي، هذا أول ربا أضعه، ربا العباس». ما هو ربا الجاهلية؟ ربا الجاهلية: أن يقرض إنسان إنسانا إلى أجل. يأتي إنسان إلى إنسان، يقول له: هذا قرض لمدة مثلا شهر، أو لمدة سنة. يقول: هذا مئة ألف لمدة سنة، إذا جاءت السنة وما دفعت لي سيكون عليك زيادة عشرة آلاف. واضح يا أخوة أم لا؟ إلى آخر السنة بكم سأعطيك مئة ألف، مقابل آخر السنة تدفعها كم؟ عشرة آلاف فوق المئة. واضح يا أخوة أم لا؟ أنا جاءني إنسان أريد قرضا، يقول: نعم أعطيك قرض. كم تريد؟ يقول: مئة ألف. يقول: نعم مئة ألف، لكن كم المدة؟ يقول: سنة. إذن المال سيتجمد لمدة سنة. إذن بعد سنة أريد منك مئة وعشرة آلاف. مئة وعشرة آلاف، هذا الربا هو ربا الجاهلية، وتحريمه ظاهر. وهذا الذي يتعامل به اليوم أكثر البنوك، أكثر البنوك اليوم يتعاملون بهذه المعاملة بربا الجاهلية، يسمونه ماذا؟ يسمونه تارة بقروض حسنة، وتارة يسمونها أرباحا، وتارة يسمونها مرابحة، وتارة يسمونها مضاربة. أسماء كثيرة، والمسمى واحد، المسمى واحد هو ماذا؟ هو ربا الجاهلية. يأتي إنسان إلى البنك، إلى صاحب البنك، يريد ماذا؟ أرض. كم تريد؟ يقول: أريد مئة ألف، لمدة كم؟ لمدة سنة. يقول: نعم، لكن نحن نحسب خمسة بالمئة كل سنة، خمسة بالمئة. عمل حسابك يتعاقدان على هذا. بعد سنة يدفع مئة وخمسة آلاف، إذا ما دفع ومضت سنة أخرى، يقول: بكل سنة نضيف عليك ماذا؟ خمسة بالمئة. كل سنة نضيف عليك خمسة بالمئة. هذا كذلك نوع من أنواع الربا الذي نهى عنه الشرع، وهو من أقبح أنواع الربا، بل أقبح أنواع الربا. وقد جاء الوقت نكتفي بما ذكر في هذا الدرس، وإلى درس الله حق بإذن الله جل وعلا. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.