الدرس في كتاب المعاملات 35، ألقاها
الشفعة حق تملك قهر يثبت للشريك القديم لدفع الضرر الناتج عن الشركة مع شريك جديد، وهي تجعل نصيب الشريك شفعًا بعد أن كان فردًا. وتثبت للشريك في حالة بيع شريكه نصيبه لطرف ثالث.
دلت أحاديث نبوية على مشروعية الشفعة، منها حديث جابر رضي الله عنه، وتكون الشفعة في العقار وما في معناه لتلافي الضرر الناتج عن البيع لطرف ثالث. يجب اتباع حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك.
أجمع العلماء على إثبات حق الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط ما لم تقسم وتكون هناك طرق ومعالم. يثبت ذلك مشروعية الشفعة بالسنة والإجماع.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب الثالث عشر، الشفعة والجوار، وفيه مسائل. المسألة الأولى: في معناها وأدلة مشروعيتها. أولًا: معناها. الشفعة هي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي. وسميت بذلك لأن صاحبها ضم المبيع إلى ملكه، فصار شفعًا بعد أن كان نصيبه منفردًا في ملكه. وقيل: هي حق تملك قهر يثبت للشريك القديم على الشريك الحادث بسبب الشركة؛ لدفع الضرر. معناها كما ذكر: الشفعة أولًا من حيث اللغة من الشافع، وهي جعل الفرد شفعًا. وهي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي. يعني صورتها: أن يشترك اثنان في أرض ما، فيأتي أحد الشريكين بمشترٍ لجزئه، يكون هذا له الشق الأيمن والآخر له الشق الأيسر، إلا أن مدخلهما واحد ولهما بئر واحدة وما شابه ذلك، فيبيع أحدهما نصيبه إلى ثالث، فللشريك الآخر حق الشفعة. ومعنى هذا له أن ينتزع ذلك الشيء المباع من ذلك المشتري الجديد ويدفع الثمن. قال: لأن صاحبها ضم المبيع إلى ملكه فصار شفعًا، أي صار الكل ملكًا له. قالوا: بعد أن كان نصيبه منفردًا في ملكه. وقيل: هي حق تملك قهر يثبت للشريك القديم على الشريك الحادث بسبب الشركة؛ لدفع الضرر. كما تقدم: شريكان في أرض ما، مثلا ورثا اثنان من أبيهما أرضًا اشتركا فيها، فيأتي أحد الأخوين ويبيع نصيبه لطرف ثالث، فالأخ الآخر له حق الشفعة، أن يقول: أنا أحق بهذه الأرض من الغريب، فيأخذها. وهذا يسمى حق الشفعة. أو رجلان مثلا وهب لهما رجل أرضًا أو بيتًا، صارا مشتركين فيه، فيبيع أحد الرجلين نصيبه إلى طرف ثالث، فهنا كذلك للشريك حق الشفعة. ومعنى حق الشفعة له أن ينتزع ذلك المباع مقابل العوض المتفق عليه، فيلغى العقد الأول ويثبت العقد الآخر الذي حصل من ذلك الشريك؛ لأنه أحق. ثانيًا: أدلة مشروعيتها، أي مشروعية الشفعة. قال: أصل فيها حديث جابر رضي الله عنه قال: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة». وفي رواية أخرى: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء ترك، وإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به». وعنه صلى الله عليه وسلم قال: «جار الدار أحق بالدار». وهذه الأحاديث كلها تقضي بشرعية الشفعة وأنها مشروعة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بها، أي حكم بها. وإن كان حكمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب اتباعه، «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا». في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم»، هذه اللفظة من ألفاظ العموم. في قوله: «في كل ما لم يقسم»، قال: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة». لكن جاء في الحديث الآخر ما يبين معنى ذلك العام الذي قد يكون أجمل في الرواية الأولى. في قوله: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط»، إذن الشفعة تكون في هذه المعاني، أي في العقار وما كان في معناه من الثابت. أما ما كان من المنقول من المال، فإنه لا شفعة فيه على الصحيح من أقوال أهل العلم. مثال ذلك: أن يشترك رجلان في أغنام، فللآخر أن يبيع نصيبه لطرف ثالث، وليس لشريكه الأول حق الشفعة؛ لأن هذا المال من المنقول، لا يتأذى ولا يتضرر الشريك بذلك البيع؛ لأنه قابل للقسمة، بخلاف العقار وما كان في الدار وما شابه ذلك، فإن هذا يحصل به ضرر. والشريعة جاءت برفع الضرر عن أهل الإسلام، «لا ضرر ولا ضرار». قال رحمه الله تعالى: قالوا: وقد أجمع العلماء على إثبات حق الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط، ما لم تقسم وتكون هناك طرق ومعالم. قال: فتبين من ذلك ثبوت مشروعية الشفعة بالسنة والإجماع. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.