الدرس في كتاب المعاملات 4، ألقاها
يتناول الشروط الأساسية لصحة البيع في الفقه الإسلامي، مركزًا على التراضي بين البائع والمشتري وكون العاقد جائز التصرف. يُفصّل في هذه الشروط ويشرح أحكامها وتطبيقاتها المختلفة.
يشترط في صحة البيع أن يكون المبيع موجودًا عند العقد، وأن يكون البائع مالكًا للمبيع أو وكيلًا عنه، وأن يكون المباع مما يباح الانتفاع به. يُشرح أمثلة على البيوع غير الصحيحة ويستدل بالأحاديث النبوية.
يشرح تحريم بيع بعض السلع مثل الخمر والخنزير والميتة وآلات اللهو، ويوضح قاعدة "ما أسكر كثيره فقليله حرام" وتطبيقها على منتجات تحتوي على الكحول.
ينهي الحديث بدعاء يتضمن التسبيح والاستغفار والتوبة، مخاطبًا الله تعالى بالوحدانية والإقرار بالذنب والرجوع إليه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. مضى معنا في الدرس السابق الكلام على شيء من المسألة الخامسة، وهي في شروط البيع. ومر معنا أول شرط من شروط البيع، وهو التراضي بين البائع والمشتري. ثانيًا: كون العاقد جائز التصرف، بأن يكون بالغًا عاقلًا حرًا رشيدًا. هذا الشرط هو الشرط الثاني من شروط البيع، وهو أن يكون العاقد جائز التصرف؛ لأن من شروط البيع، كما تقدم، أن يكون عن تراض، والتراضي لا يتصور إلا ممن هو جائز التصرف، أن يعقل ما يتصرف به. فلأجل هذا ذكر هذا الشرط: أن يكون العاقد جائز التصرف بأن يكون بالغًا. خرج غير البالغ، وهو الصغير، الطفل الصغير. والعلماء رحمهم الله تعالى قسموا الطفل الصغير إلى قسمين: طفل غير مميز، وطفل مميز. فأما الطفل غير المميز، فإن بيعهم وشراءهم لا يصح باتفاق العلماء؛ لا خلاف بين العلماء أن الصبي غير المميز إن ابتاع أو اشترى، فإن بيعه لا يكون معتبرًا. وأما إذا كان عاقلًا مميزًا، فوقع خلاف بين العلماء: هل يكون بيعه صحيحًا أم لا؟ والجمهور على صحة بيع الصغير المميز إذا كان ذا خبرة وعلم بالبيع والشراء، ولا سيما إذا وصفهم أو إذا وكله بذلك وليهم. والجمهور على أن بيعه يكون نافذًا، لكن بشرط ألا يغبن ذلك الصبي غبنًا شديدًا كبيرًا. بمعنى أنه لو باع وحصل شيء من الغبن الذي يتجاوز عنه، فإن بيعه يكون صحيحًا. وعلى هذا الجمهور والإمام أحمد رحمه الله تعالى وإسحاق، فرقوا في المميز، فقالوا: يصح بيعه في الأشياء الصغيرة وفي المحقرات. أما في الأشياء الثمينة والكبيرة، قالوا: فلا يصح بيعه. أي لا يصح بيع الصغير، بمعنى أنه مثلًا إذا كان في محل ذهب، أو بيع مثلًا أراضي أو سيارات أو ما شابه ذلك من الأشياء الثمينة، فعند أحمد رحمه الله تعالى وإسحاق أنه لا يصح بيع الصبي ولو كان مميزًا، والحالة كذلك، بخلاف ما إذا باع أشياء يسيرة حقيرة محتقرات، فإنه يصحح بيعه. قولهم: "عاقلًا"، خرج المجنون؛ لأن المجنون لا قضية لهم، ولا كذلك عبرة بأفعاله؛ لأنه مرفوع القلم؛ لأن القلم مرفوع عنه. واختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الرجل إذا كان يعقل أحيانًا ويجن أحيانًا، أي أحيان يكون يفيق وأحيان يجن، فما حكم بيع هذا النوع؟ فما حكم بيع من كان هذا حاله؟ الذي عليه جماعة من أهل العلم: بأنه متى ما أفاق وكان حاله في حال الإفاقة معتدلًا، فإن بيعه يكون صحيحًا؛ لانتفاء المانع، وهو الجنون. وأما في حال جنونه، فإنه لا يصح بيعه. هذا لمن كان يفيق أحيانًا ويجن أحيانًا. قالوا: "أن يكون حرًا"، لأن غير الحر، وهو العبد، ليس بمالك لماله، إلا أن يكون وكيلًا، إلا أن يوكله سيده بالبيع والشراء، فهذه مسألة أخرى. قالوا: "أن يكون رشيدًا"، فخرج من هو سفيه، أي لا يحسن التعامل في البيع والشراء. ثالثًا: أن يكون البائع مالكًا للمبيع. الشرط الثالث: أن يكون البائع مالكًا للمبيع، أو قائمًا مقام مالكه، كالوكيل والوصي والولي والناظر. فلا يصح أن يبيع شخص شيئًا لا يملكه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تبع ما ليس عندك». والحديث رواه الأربعة، أو رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك». إذن من شرط البيع أن يكون البائع مالكًا لما يبيع، أو أن يكون مفوضًا من قبل صاحب السلعة بالبيع. لذا قالوا: أن يكون البائع مالكًا للمبيع. فخرج ما لم يكن مالكًا للمبيع، يعني إنسان ليس عنده السلعة. وهذا يحصل كثيرًا في أسواق المسلمين، للأسف، يأتي رجل إلى رجل فيقول له: أريد سلعة كذا وكذا، مثلًا أريد قطعة غيار سيارة نوع كذا وكذا، أو يريد ثلاجة أو غسالة، فيأتي إلى صاحب المحل يقول: ما هي موجودة، لكن إن شاء الله الآن أوجدها لك، ويتم العقد على ماذا؟ على شيء غير موجود. هو أي صاحب المحل يقول: أوجدها لك، بمعنى أنه سيشتريها من المحل الآخر، لكن يبرم العقد على ماذا؟ على شيء غير موجود في ملك البائع. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تبع ما ليس عندك». إذن لا بد أن يكون المبيع، أي السلعة، أن تكون موجودة عند العقد. ونفرق بين مسألة الوعد ومسألة العقد، أي عقد البيع. يعني فرق أن يأتي المشتري إلى البائع فيقول له: أريد مثلًا ثلاجة من نوع كذا وكذا، وصاحب المحل في ذاك الوقت ما عنده الثلاجة، فيقول له: نوفرها لك، سعرها ستون ألفًا مثلًا، فيدفع لهم الستين ألفًا ويتعاقدون، يكتبون العقد، سواء كان هناك ورقة أو لم يكن ورقة. فيقول له: انتظر نصف ساعة وتأتيك الثلاجة الآن، فيرفع السماعة ويتصل بصاحبه في المحل المجاور: أريد ثلاجة من نوع كذا وصف كذا، فيحضرها له. هذا البائع الآن، هل باع ما يملك أم باع ما ليس في ملكه؟ الجواب: أنه باع ما ليس في ملكه. ومثل هذه الصورة لا تجوز، ولا يصح ذلك البيع. صورة ثانية: أن يأتي المشتري إلى البائع يقول له: أريد ثلاجة من نوع كذا وكذا، فيقول له البائع: الآن غير موجودة، لكن نصف ساعة وتكون موجودة بإذن الله، فيقول له المشتري: نعم، وفرها، وإن شاء الله نأخذها. فيأتي صاحب المحل فيأخذ الثلاجة من محل جاره إلى محله، ثم يقول المشتري الآن سأشتريها منك. هذا هل يصح أم لا؟ الجواب: يصح؛ إذا تم البيع يشتريها صاحب المحل من المحل الآخر ووفرها إليه، فهنا يصح؛ لأنه باع ما يملك. قالوا: أو قائمًا مقام مالكه، إما أن يكون البائع مالكًا للمبيع، أو قائمًا مقام مالكه، كالوكيل. الوكيل إنسان يوكل إنسانًا في أن يبيع له سلعة معينة، سواء كانت وكالة خاصة أو وكالة عامة. وكالة خاصة بأن يقول له مثلًا: بيع لهذه السيارة فقط. وكالة عامة: كان يدخل في المحل يقول له: بيع هذه الأشياء في المحل، هذه قيمة كذا، وهذا قيمة كذا. وهذه قيمة كذا، فيكون وكيلًا للسلع الموجودة في المحل في محل واحد أو في عدة محلات، قد تكون وكالة خاصة، وقد تكون وكالة عامة، والكل صحيح. قالوا: والوصي، والوصي هو ما يكون وصيًا لمن مات وترك تحته أولاد صغار، فيكون ذلك وصيًا عليهم في أموالهم، كذلك له التصرف بما يكون فيه النفع والإصلاح لمال أولئك اليتامى. وكذلك الولي فيما يكون تحت ولايته، وكذلك الناظر، أي الناظر على الوقف فيما يكون كذلك تحت نظارته. قالوا: فلا يصح أن يبيع شخص شيئًا لا يملكه؛ لحديث حكيم بن حزام المذكور. رابعًا: أن يكون المباع مما يباح الانتفاع به من غير حاجة، كالمأكول والمشروب والملبوس والمركوب والعقار ونحو ذلك. فلا يصح بيع ما يحرم الانتفاع به، كالخمر والخنزير والميتة وآلات اللهو والمعازف؛ لحديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام». والحديث متفق عليه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم ثمنه». والحديث رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في صحيح أبي داود وغيره. وكذلك صححه شيخنا العلامة الوادعي في الصحيح المسند. قالوا: ولا يجوز بيع الكلب؛ لحديث أبي مسعود رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب». والحديث متفق عليه. هذا الشرط الرابع، الشرط الرابع: أن يكون المباع مما يباح الانتفاع به من غير حاجة. وهذا الشرط تضمن ثلاثة شروط. أولها: أن يكون فيه نفع. الثاني: أن يكون النفع مباحًا. وثالثًا: أن تكون الإباحة بغير حاجة. إذن تحت هذا الشرط ثلاثة شروط. فخرج بالشرط الأول: هو أن يكون فيه نفع، خرج ما كانت محرمة النفع، كآلات اللهو والكلب والخنزير وما شابه ذلك. وخرج بالشرط الثاني: أن يكون نفع مباحًا، يعني خرج ما لم يكن النفع مباحًا، كما ذكر كالخنزير، وكذلك كالحشرات ونحوها، فلا يصح بيعها. والثالث: أن تكون الإباحة لغير حاجة، فخرج ما إذا كانت مباحة النفع للحاجة، ككلب الصيد مثلًا، أو كلب الحرث أو ما شابه ذلك. هذه فيها منافع، لكن منافعها لإيش؟ لحاجة. وما كانت منافعها لحاجة، فإنها كذلك لا تحل. لذا قالوا: "من غير حاجة". والانتفاع به من غير حاجة، فخرج ما كان فيها النفع لحاجة، ككلاب الصيد ونحوها، فإنها لا تباح؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب». وهذا عام في كل الكلاب، سواء كان كلب حرث أو كلب صيد أو كلب حراسة أو ما شابه ذلك. إذن تضمن هذا الشرط شروطًا ثلاثة تقدم ذكرها: أن يكون المباع مما يباح الانتفاع به من غير حاجة، أن يكون فيه نفع، وأن يكون مباحًا، وأن يكون من غير حاجة. قالوا: كالمأكول والمشروب والملبوس والمركوب والعقار ونحو ذلك، فهذه كلها مباحة البيع والشراء، تتضمن أو تدخل فيها الشرط المذكور. قالوا: فلا يصح بيع ما يحرم الانتفاع به، كالخمر، يحرم الانتفاع به للأدلة الكثيرة في تحريم الخمر، وقد ذكرها هنا. عندنا حديث جابر، وتحريمه كذلك في كتاب الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾. والخنزير كذلك، والميتة، وآلات اللهو والمعازف. وجاء في حديث جابر كما ترون: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام». وآلات اللهو كما جاء في حديث أبي مالك الأشعري في صحيح البخاري معلقًا، ووصله غيره بإسناد صحيح في شأن من يستحلون، قال: يعني في شأن من يستحلون الخمر والحرير والمعازف. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يستحلون»، يدل على أنها محرمة، على أنها محرمة. وقوله: «إن الله حرم بيع الخمر»، كما تقدم، الخمر بجميع أنواعه وأصنافه، فإنها محرمة، سواء كانت من شعير أو كانت من عنب أو كانت من ذرة أو من أي شيء كانت. والقاعدة في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». والقاعدة في هذا الباب: ما أسكر كثيره فقليله حرام. ومنه نتطرق إلى مسألة مشهورة، وكما يقال عصرية، وهي مسألة العطور التي فيها شيء من الكحول، وكذلك الأدوية التي فيها شيء من الكحول، ما حكمها؟ القاعدة في هذا كما سمعتم: ما أسكر كثيره فقليله حرام، فينظر في هذه الأدوية، وفي هذه العطور كذلك، إن كان كثيرها يسكر فقليلها حرام. والعلماء رحمهم الله تعالى يفصلون في مسألة الكحول بين الكحول الذي تتحلل مع إضافة غيرها من المواد لها، قالوا: إذا تحللت بحيث إنه لم يصل لها أثر، أي لتلك الكحول، فإنها تكون مباحة. وأما إذا بقيت تلك الكحول على هيئتها لم تتحلل، فإنها تكون محرمة. قالوا: ومعرفة ذلك تكون بطريقين، أي معرفة كحول تحللت أم لا، تكون بطريقين. الطريقة الأولى: هو ما تقدم ذكره في القاعدة: ما أسكر كثيره فقليله حرام. والأمر الثاني: أن يعرف بالتحليل، ولا سيما الآن تقدمت أدوات العلم وآلات العلم، المختبرات ونحوها، يستطيعون أن يحللوا المواد، فينظرون: هل المادة الكحولية موجودة أم لا؟ وهل لها أثر في الإسكار أم لا؟ فهذه طريقة أخرى بها يعلم هل ذلك الشيء المسكر أم لا؟ والكلام كما سمعتم في الأدوية والعطور واحد. الكلام في الأدوية والعطور الكحولية واحد. والله تعالى أعلى وأعلم. وما بقي، إن شاء الله تعالى، نؤجله إلى الدرس اللاحق. إلى هنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.