الدرس في كتاب المعاملات 36، ألقاها
تناولت المقاطع أحكام الشفعة في العقارات، مبينة عدم جواز بيع الشريك نصيبه دون إذن شريكه، وتثبت الشفعة للشركاء على قدر ملكهم. كما أوضحت أن حق الشفعة يبقى قائمًا حتى بعد إذن الشريك بالبيع.
أوضحت المقاطع ضوابط الشفعة، منها عدم جواز التحيل لإسقاط حق الشفعة، وتثبت الشفعة في البيع إذا كانت الحصة مبيعة صراحة أو ما في معناها. كما بينت أن الشفعة لا تثبت في المنقولات مثل الأمتعة والحيوان.
تناولت المقاطع شروط الأخذ بالشفعة، منها المطالبة بها فور العلم بالبيع، وألا يأخذ الشفيع جزءًا من العقار ويترك الباقي. كما أوضحت أن الشفعة تثبت في الأرض والعقار غير المقسوم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، المسألة الثانية من مسائل الشفعة والجوار. الأحكام المتعلقة بالشفعة: أولًا، لا يجوز للشريك أن يبيع نصيبه حتى يؤذن ويعرض على شريكه. فإن باع ولم يؤذنه، فهو أحق به. هذا الأمر الأول بمعنى أن من أحكام الشفعة أن الشريك، قبل أن يبيع قسطه أو سهمه أو نصيبه من الأمور التي تدخلها الشفعة من الأراضي والعقارات ونحوها، أولًا يستأذن شريكه، يقول له: أنا سأبيع هذه أو سأبيع جزءًا أو ملكًا، وقد ثمناه بكذا وكذا، وأنت أحق به من غيرك، فهل لك في حاجة؟ فإن قال نعم، فهو أحق، وإن قال له بِع، فيبيع ذلك الشيء، وتكون القلوب سليمة والنفوس طيبة بينهما. لكن هنا مسألة يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى، وهي: إذا أذن له الشريك بالبيع ثم باع، فهل له بعد ذلك حق الشفعة أم لا؟ لا خلاف بين العلماء، والذي عليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى أن الشفعة باقية، ولو أذن له قبل البيع، وذلك لأن الحق، أي حق الشفعة، إنما يثبت بعد البيع. لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفعة: «فإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به». لكن هذا في قول «ولم يؤذنه فهو أحق به» فيه إشارة إلى القول الآخر: أنه إذا أذن له، فإن حقه قد سقط. كما سمعتم، الجمهور على أن الشفعة باقية، وذلك لأن الحق، أي حق الشفعة، إنما يثبت بعد البيع، لا قبله. الأمر الثاني: لا تثبت الشفعة في غير الأرض والعقار، كالمنقولات من الأمتعة والحيوان ونحو ذلك. هذا على الصحيح من أقوال أهل العلم. وهي أن الشفعة إنما هي خاصة بالعقار والأراضي وما كان في معناها. أما المنقول من المال، من الأمتعة والحيوان والنقد وما شابه ذلك، فيجوز فيه الشركة، ويجوز للشريك أن يبيع نصيبه ولو لم يؤذن شريكه وصاحبه. لكن كما نبه من نبه من العلماء، بشرط أن لا يكون في ذلك ضرر على شريكه. الثالث: الشفعة حق شرعي، لا يجوز التحيل لإسقاطه، لأنه شُرع لدفع الضرر عن الشريك. وهذا كذلك أمر ينبه عليه من الأحكام. لو أن رجلًا مثلًا له أرض ومعه شريك في تلك الأرض، فباع نصيبه من تلك الأرض أو أراد أن يبيع نصيبه من تلك الأرض، وأراد أن لا يشتري شريكه تلك الأرض، فتحيل. مثلا الأرض تساوي مئة ألف، اتفق مع بائع قال له: سنكتب في الأوراق مئتي ألف، وحقيقة الثمن مئة ألف. سأقول: قد قبضت مئة ألف، وبقي عندك مئة ألف، حتى ماذا؟ حتى شريكه يعجز عن الثمن ويقول: لا تساوي هذا. فهذا حيلة، ولا يجوز ذلك. والقاعدة عند العلماء رحمهم الله تعالى في باب الحيل: أن الحيلة على المحرم محرمة، ولا يثبت بها الحق لأنها محرمة باطلة. الرابع: تثبت الشفعة للشركاء على قدر ملكهم. ومن ثبت له الشفعة أخذه بالثمن الذي بيعت به، سواء كان مؤجلًا أو حالًا. في هذه الفقرة أو هذا الحكم مسائل منها: المسألة الأولى قولهم: ثبتت أو تثبت الشفعة للشركاء على قدر ملكهم. معنى هذا: لو أن خمسة من الشركاء مثلًا أو ثلاثة من الشركاء مثلًا مشتركون في أرض، أحدهم له مثلًا الربع، والآخر له كذلك الربع، والثالث له النصف، فباع صاحب الربع مثلًا أحدًا من عنده الربع باع أو أراد أن يبيع ملكه، فعرضه على أصحابه وشركائه، فكلهم قال: نحن نشتري هذه الأرض. فكيف يكون ذلك؟ يكون بقدر ملكهم. من كان له النصف يأخذ ماذا بنسبته، ومن كان له الربع يأخذ بماذا بنسبته. وهكذا كل واحد يأخذ بنسبته، وتكون الشفعة له بنسبة النسبة التي هم فيها شركاء. المسألة الثانية: ومن ثبتت له الشفعة أخذه بالثمن الذي بيعت به، لا بالقيمة. والفرق بينهما كما مر معنا: أن الثمن هو ثمن الشيء عند البيع، وقد يكون مساويًا للقيمة، وقد يكون أكثر، وقد يكون أقل. فالشفيع يأخذ ما باعه شريكه لغيره بالثمن كيف كان. يأخذ بالثمن ومتى يأخذ بالثمن؟ هل يأخذ بالثمن يوم أن باعه على الغير أو يوم أن علم وطلب بحق الشفعة؟ الجواب الأول، لأن البيع حصل في العقد الأول، ونقضه بمجرده، أي بمجرد أن علم بذلك العقد، فيأخذ بالثمن الأول. الخامس: تثبت الشفعة بكون الحصة المنتقلة عن الشريك مبيعة بيعًا صريحًا أو ما في معناه. فلا شفعة فيما انتقل عن ملك الشريك بغير بيع، كموهوب بغير عوض، وموروث، وموصى به. وهذه كذلك من الأحكام المترتبة في باب الشفعة. بمعنى أن الشفعة إنما تثبت في البيع، أي إن كان بمقابل عوض. أما إذا كان بغير البيع، كأن يهب إنسان قصته لآخر أو يتصدق به أو يوقفه أو ما شابه ذلك، فهذا لا شفعة فيه على الصحيح من أقوال أهل العلم. السابع: الشفعة تثبت بالمطالبة بها فور علمه بالبيع، وإن لم يطالب بها وقتًا. إلا إذا لم يعلم، فهو على شفعته. كذلك لو أخر طلبه لعذر كالجَهالة بالحكم أو غير ذلك من الأعذار. هذا الحكم كذلك تحته مسائل. أولها: هل من شرط الشفعة أن تكون على الفور؟ الجواب: أن العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا هذه المسألة وذكروا أحوال الشفيع. الحالة الأولى: أن يكون غائبًا ولم يعلم بذلك البيع، فهذا متى علم ولو بعد زمن فله حق شفعة. ونقل على هذه الصورة الإجماع. الرابع من الأحكام: قالوا: محل الشفعة الأرض التي لم تقسم ولم تحد، وما فيها من غراس وبناء، فهو تابع لها. فإذا قسمت، لكن بقي بعض المرافق المشتركة بين الجيران كالطريق والماء ونحو ذلك، فالشفعة باقية في أصح قولي أهل العلم. هذه كذلك الفقرة أو هذا الحكم تحتهم مسألتان. الأولى: أن الشفعة كما ذكر محلها الأرض التي لم تقسم، وكذلك العقار والدور التي لم تقسم ولم تحد، وما فيها من غراس وبناء، فهو تابع لها. التاسع من الأحكام: قالوا: ولابد للشفيع من أخذ جميع المبيع، فلا يأخذ بعضه ويترك بعضه. وذلك دفعًا للضرر عن المشتري، كما أنه دفع ضرر الشريك الذي لم يبع. كذلك يدفع ضرر أو الضرر عن الشريك الذي قد باع. فإذا باع الشريك قسمه، وقال الشريك الآخر: أنا أحق به، ولي حق الشفعة، يقال: أخذه كاملًا أو دعوه كاملًا. أما أن ينصف، يقول: سأأخذ جزء اليمين وأدع اليسار أو ما شابه ذلك، لا يقال له: لا شفعة لك إلا أن تأخذه كاملًا أو تدع الكل. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.