أبواب السحر والكهانة من كتاب التوحيد 7

أبواب السحر والكهانة من كتاب التوحيد 7

الدرس في أبواب السحر والكهانة من كتاب التوحيد 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح حديث النهي عن الطيرة والكهانة والسحر وبيان معنى "ليس منا"

يشرح المقطع حديث عمران بن حسين المرفوع الناهي عن الطيرة والكهانة والسحر، مبيناً أن لفظ "ليس منا" يدل على الخروج عن هدي النبي وسنته لا الكفر المطلق. كما يفرق بين فعل هذه المحرمات بالذات وبين طلبها من الغير، مشيراً إلى أن الحكم بالكفر يستند لأدلة خاصة بكل فعل كاستخدام الشياطين في السحر.

تحذير من إتيان الكهان والعرافين والسحرة والفرق بين الكاهن والعراف

يحذر المقطع من أمر الغير بالذهاب إلى الكهان أو تصديقهم مؤكداً دخول ذلك في الوعيد الشديد، ويحرم الذهاب إليهم بأي عذر كان. كما ينقل أقوال العلماء في الفرق بين الكاهن والعراف، فمنهم من ساوى بينهما ومنهم من فرق بأن العراف يخبر بالحاضرات والكاهن بالمغيبات، بينما جعل ابن تيمية العراف اسماً جامعاً للكاهن والمنجم والرمال.

تعريف العراف وأنواعه والفرق بين الحساب بالكهانة والتنجيم

يوضح المقطع أن العراف لفظ عام يشمل الكاهن والمنجم والرمال، وأن كل كاهن عراف وليس العكس. ويناقش أثر ابن عباس فيمن يكتبون الأبجد ويستدلون بالنجوم، مفرقاً بين استخدام الحروف في الحساب والتاريخ المباح وبين استخدامها في الكهانة والتنجيم المحرم الذي يحبط العمل.

دعوى علم الغيب كفر وختام باب الكهانة

يؤكد المقطع أن ادعاء علم الغيب يُعد كفراً بكتاب الله مستدلاً بقوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. ويختتم بذلك باب الكهانة بالكامل، مبشراً بالانتقال إلى باب النشرة في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: وعن عمران بن حسين رضي الله عنه مرفوعاً: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر له، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم». رواه البزار بسند جيد. وهذا الحديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه، والعلامة الألباني حسنه بمجموع الطرق كما في «سلسلة الأحاديث الصحيحة». ومن ضعفه ضعفه بورود الضعف في إحدى أسانيده، وإلا فله شواهد تدل عليه كما بيّن ذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وقوله: «ليس منا»، هذه اللفظة كما هو معلوم لا يستفاد منها الكفر أو الشرك؛ لأن معناها: ليس من طريقتنا، وليس من سنتنا. وقد ورد هذا اللفظ في أحاديث كثيرة، في أحاديث كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعلم لعالمنا حقه»، أي: ليس من طريقتنا ولا من سنتنا. ولكن يؤخذ الكفر أو الشرك من أمور أخرى، ففي هذا الحديث مثلاً السحر، كما تقدم معنا، ليس من طريقة النبي عليه الصلاة والسلام، وقد دلت الأدلة الأخرى على أنه شرك، لا سيما إذا كان هذا السحر باستخدام الشياطين. فإذا قوله: «ليس منا»، هذا لا يؤخذ منها الكفر، وإنما ينظر إلى ما جاء بعدها؛ فإن كان ما بعدها فيه أفعال وأعمال كفرية أو شركية، حكم على هذا الفعل بالكفر أو الشرك، وإلا فلا يحكم عليه بذلك. لكن هو كبيرة من كبائر الذنوب ومحرم، لأن أهل العلم ذكروا أن مما يدخل في حد الكبيرة قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس منا»، فـ «ليس منا» هذا لفظ يدخل في معاني الكبيرة، في معاني وفي حد الكبيرة. وقوله: «من تطير أو تطير له»: «من تطير» أي فعل الطيرة بنفسه، والطيرة كما تقدم هو التشاؤم من كل مسموع أو مرئي أو معلوم. فمن فعل ذلك بنفسه فهو داخل في هذا الوعيد: «ليس منا». وقوله: «أو تطير له» أي طلب فعل الطيرة، ليس هو بنفسه الذي فعل هذه الطيرة، وإنما طلب من غيره أن يفعل هذه الطيرة فهو مشارك للفاعل كما تقدم معنا، فهو مشارك للفاعل سواء كان فعل الطير بنفسه أو أمر غيره أن يفعل هذه الطيرة، فهذا معنى قوله: «أو تطير له». قال: «أو تكهن أو تكهن له»، وهذا هو موضع الشاهد. «أو تكهن» أي فعل الكهانة، هو الكاهن، وهو الذي يدعي علم الغيب. وأما قوله: «أو تكهن له» أي طلب الكهانة، طلب الكهانة مثلاً: ضاع عليه شيء، فهو ليس الذي يعرف مكان هذا المسروق، وإنما الكاهن الذي يعرفه بزعمه، فيذهب عند هذا الكاهن، فهذا «تكهن له» فيدخل في هذا الحديث. ولو لم يذهب عند الكاهن وإنما أمر غيره أن يذهب عند الكاهن فهو كذلك يدخل في هذا الوعيد. مثاله: رجل سرق عليه مال كثير، فقال لصديق له: اذهب عند الكاهن الفلاني واسأله عن موضع هذا المسروق. فهذا الآمر لصديقه بالذهاب يدخل في هذا الحديث، لماذا؟ لأنه «تكهن له»، هو الذي طلب الكهانة، وصديقه كذلك داخل في هذا الحديث لأنه ذهب عند هذا الكاهن. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما تقدم معنا: «من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد». وهذا فيه كما تقدم أن يجتنب المسلم الذهاب إلى الكهنة بأي عذر كان، ولو لم تصدقه فالأمر خطير، فالأمر خطير، فيجتنب المسلم الذهاب عند الكهنة والعرافين. وكذلك قوله: «أو سحر أو سحر له»، كأن يكون ساحراً، هذا هو الذي فعل السحر، و«سحر له» هو الذي طلب فعل السحر، طلب من الساحر أن يسحر فلاناً أو أن يسحر فلانة من النساء أو نحو ذلك، فهذا كذلك يدخل في هذا الوعيد. فالشرع قطع كل سبب يوصل إلى السحر أو إلى الكهنة أو إلى التطير. وأما قوله: «من أتى كاهناً فصدقه» فقد تقدم الكلام عليه، ففي هذا الحديث التحذير من إتيان الكهان وكذلك من الكهانة. قال: ورواه الطبراني في «الأوسط» بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: «ومن أتى كاهناً»، فقلنا: هذا يعد شاهداً أيضاً، شاهداً للحديث الآخر، وقد جمع طرق هذا الحديث العلامة الألباني كما تقدم في كتابه «الصحيحة». قال البغوي: العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك. يعني الآن المؤلف يريد أن يفرق بين الكاهن والعراف، بين الكاهن والعراف، فقال البغوي: العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة. فعلى هذا يكون العراف يعلم الأمور الحاضرة، ليست الأمور المستقبلة، وإنما الأمور الحاضرة. نعم. والعراف: قال وقيل: والكاهن، قال وقيل: هو الكاهن، يعني أنهما لفظان مترادفان، فالعراف والكاهن بمعنى واحد من باب الترادف في الألفاظ والمعنى واحد. هذا قول. وقول آخر: قال: والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات، وقيل: الذي يخبر عما في الضمير عن المغيبات، يعني عن الأمور المستقبلة. فهذا فرق من الفروق التي ذكرها أهل العلم بين العراف والكاهن: أن العراف يعرف ويخبر عن الأمور الحاضرة، ليست الأمور المستقبلة، والعراف هو الذي يخبر عن الأمور، والكاهن هو الذي يخبر عن الأمور المستقبلة. هذا أيضاً من الفروق التي ذكرها بعض أهل العلم بين العراف والكاهن. وقال أبو العباس ابن تيمية: العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق. بمعنى أن العراف لفظ شامل، العراف من المعرفة، الذي يدعي المعرفة، فيدخل في العراف الكاهن؛ لأن الكاهن يدعي معرفة الأمور المستقبلة، ويدخل فيه المنجم الذي يستدل على معرفة أمور الغيب بالنجوم أو بمطالع النجوم أو نحو ذلك، والرمال هو الذي يستدل على معرفة الأمور بالخطوط كما مر معنا، ونحو ذلك. نعم، فكل من يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق يقال له عراف. فيمكن أن نقول: أن كل كاهن عراف، وليس كل عراف كاهن. كل كاهن... كل عراف كاهن، وليس كل كاهن عراف... كل عراف كاهن لأن الكاهن يدخل في العراف، فالعراف يشمل الكاهن وغيره، وأما الكاهن فلا يشمله... ويشمله يقتصر على العراف فقط، فيدخل في العراف غير الكاهن. قال: وقال ابن عباس في قوم يكتبون آباجات وينظرون في النجوم: «ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق». هذا ورد مرفوع لكنه لا يصح المرفوع، وأما الموقوف عن ابن عباس فقد صح ذلك عنه. ومعنى هذا الأثر: قوله: «في قوم يكتبون آباجات» يعني يستدلون على أمور الغيب بالحروف، وهي التي تسمى «أبجد هوز» ونحو ذلك من هذه الحروف العربية. فبعض هؤلاء السحرة أو الكهنة يخططون مثل هذه الحروف ويكتبونها ليستدلوا بها على أمور الغيب، فهذا هو المذموم، هذا هو المذموم. أما إذا كانت هذه الحروف يستدلوا بها على الحساب فقط، حساب السنوات ونحو ذلك، فلا بأس؛ لأن العرب جعلت لكل حرف من هذه الحروف «أبجد هوز» إلى آخر هذه الحروف، جعلت لكل حرف عدداً معيناً، مثلاً: الهمزة جعلت لها واحداً، الباء اثنين، الجيم ثلاثة، فالعشر الأولى الأحرف إلى عشرة، ثم التي بعدها بدأوا بمئة، مئتين، ثلاثمئة، أربعمئة، هكذا إلى آخر شيء. فلذلك في بعض الأشعار تجد أنهم يختصرون التواريخ بذكر بعض هذه الأحرف، فيجعلون ما يعادلها من الأحرف تجمع فتعطيك نتيجة هذا التاريخ. فمثلاً: أبو حنيفة توفي عن 150 للهجرة، فيقولون مثلاً: «عف» لأن العين يقابلها الخمسين... أي يقابلها السبعين، يقابلها السبعين العين، والفاء يقابلها الثمانين، فيجمعون سبعين جزءاً الثمانين... نساء ومية وخمسين، فهو تاريخ هذا الإمام أبو حنيفة. وهكذا في غيرها من التواريخ. فإذا كان من أجل التاريخ والحساب فهذا لا بأس به، وأما من أجل الكهانة ونحوها فهذا الذي جاء النهي عنه. وكذلك قوله: «وينظرون في النجوم» وهو علم النجوم كما تقدم معنا وسيأتي بتفصيله، يستدلون بحركة النجوم على أمور الغيب، وأن هذا سيحصل له كذا، وأن هذا سيحصل له كذا بسبب علمهم بهذا العلم، وهو علم النجوم. فلذلك قال: «ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق»، يعني من أجر ونصيب يوم القيامة؛ لأن الله عز وجل لا يقبل من الكافرين ولا من المشركين، وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله، فالله عز وجل لا يقبل من الكافرين، وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً. فاستدل ابن عباس على فعلهم هذا بكفرهم وشركهم، لماذا؟ لأنهم يدعون علم الغيب، وقد تقدم معنا أن دعوى علم الغيب كفر بكتاب الله عز وجل القائل فيه: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. وبهذا نكون قد انتهينا من باب الكهانة، وإن شاء الله في الدرس القادم نشرع في باب النشرة. إلى هنا والله تعالى.