الدرس في كتاب المعاملات 21، ألقاها
الحوالة هي نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه وتتضمن ثلاثة أطراف، وهي مشروعة لما فيها من تسهيل للمعاملات. وقد استدل بحديث أبي هريرة رضي الله عنه على مشروعيتها.
تصح الحوالة إذا أحيل على مليء، ولا تصح إذا أحيل على مفلس إلا إذا قبل الدائن، وتختلف باختلاف حالة المحال عليه. هناك شروط لصحة الحوالة منها رضا المحيل واتفاق المالين المحال به وعليه.
تطرق الدرس إلى شروط صحة الحوالة مثل اتفاق المالين المحال به وعليه، وأن يكون المحال به دينا مستقرا، والحلول والتأجيل. هذه الشروط مهمة لضمان صحة الحوالة.
المقطع الأخير يتضمن ختام الموضوع بالتقرب إلى الله بالذكر والاستغفار والتوبة، مع تسبيح الله وتنزيهه وطلب العفو والمغفرة. هذا الختام يعكس أهمية الإلتزام بالتقوى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، الباب السادس من كتاب المعاملات من كتاب الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، في الحوالة. والحوالة بفتح الحاء وكسرها، يقال: حوالة وحوالة، وفيه مسألتان. المسألة الأولى: معناها وأدلة مشروعيتها. قالوا: الحوالة نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. يعني صورتها أن يكون على إنسان دين، فيقرب الأجل أو يحل الأجل الذي به يقضى ذلك الدين، فيأتي صاحب الدين إلى المدين يطلب ماله، فيحيله على غيره. فهو كما ذكر نقل الدين الذي على المدين إلى المحال عليه، أي إلى ذمة المحال عليه. هذا هو معنى الحوالة، يعني فيها ثلاثة أطراف: الطرف الأول الدين، والطرف الثاني المدين، وطرف ثالث هو المحال عليه. فيأس صاحب الدين إلى المدين فيطالبهم بما عليه من الحق، فيحيلهم ذلك المدين إلى آخر. الآخر سيأتي معنا أنه لابد أن يكون مليئا، بمعنى أنه إذا لم يكن مليئا، أي قادرا على الأداء وقضاء ذلك الدين، فإنه فإن تلك الحوالة تكون غير معتبرة. إذن عندنا ثلاثة أطراف في الحوالة: محال، ومحيل، ومحال عليه. المحال هو صاحب الحق، والمحيل هو الذي عليه الحق، والمحال عليه هو الذي حول إليه وعليه الحق. فهم ثلاثة أطراف. وهذا العقد، أي عقد الحوالة، على الصحيح من أقوال أهل العلم، أنه عقد إرفاق، أنه عقد إرفاق مستقل. فليس هو من عقود البيوع، إذ لو كان من عقود البيوع لوجب التقابط في المجلس. فهو كما سمعتم نوع خاص منفرد من عقود إرفاق. والمقصد من هذا النوع من المعاملة هو الإرفاق. ومعنى هذا يعني صاحب الدين يأتي يطالب بحقه، وقد يكون صاحب الحق أو صاحب المدين ما عنده ذلك الحق، لكن له على غيره حق، فيحيله على ذلك الغير، ففيه إرفاق بالمحيل، وإرفاق كذلك بالمحال؛ لأنه يطالب بحقه فيستوفي حقه من المحال عليه. قالوا: وهي مشروعة، أي هذه المعاملة الحوالة، لما فيها من الإرفاق. فالنظر فيها إلى معنى الإرفاق وتبادل المصالح بين أفراد الأمة، والتسامح، وتسهيل المعاملات. وهذا مطلب شرعي مراعى في هذه الملة، أي الإرفاق الحاصل بين أهل الإسلام بعضهم لبعض. وهذه المعاملة نقل غير واحد الإجماع على مشروعيتها وعلى جوازها. والأصل فيها حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع». يتبع ها هنا مسألة يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى، وهي: من أحيل على مليء، فهل يجب عليه أن يحال أم لا يجب عليه أن يحال؟ خلاف بين الفقهاء. والذي ذهب إليه جماعة من أهل العلم، ورجحه كذلك طائف من المحققين: أنه يجب عليه أن يحال. وذلك لظاهر الأمر، أي في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع». والأمر في الأمر أنه يقتضي الوجوب. وإن كان الجمهور من أهل العلم يرون الاستحباب في هذه المسألة، إلا أن الظاهر مع من قال بالوجوب. وهو أي هذا القول رواية عن إمام أحمد رحمه الله تعالى. وكذلك ذهب إليها أبو ثور، وابن المنذر، وابن جرير. وكذلك رجحه الصنعاني، وطائف من المحققين رحمهم الله تعالى. فالحاصل من هذا أن البقاء على ظاهر النص هو الأولى. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع»، أمر. والأصل في الأمر أنه يقتضي الوجوب، ولا صارف له. لذا قال الصنعاني رحمه الله تعالى، بعد أن قال: والظاهر في الأمر أنه للوجوب. قال: «وما أدري ما الصارف عند الجمهور إلى الاستحباب». ومعنى هذا أنه ليس هناك دليل يدل على خروج الظاهر الذي هو الوجوب إلى الاستحباب. والله تعالى أعلى وأعلم. قال: «ومعناه إذا أحيل بالدين الذي عليه على موسر فليحتل وليقبل الحوالة». فإذا أحال المدين دائنه على مفلس رجع بحقه على من أحاله؛ لأن الفلس عيب، ولم يرضى به. فله حق الرجوع. يعني الآن كذلك في الحديث مسألة، وهي أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن أو قال وإذا أتبع أحدكم على مليء». والمليء كما فسره العلماء رحمهم الله تعالى بأنه القادر على الأداء، أي على أداء الحق. المليء ها هنا المقصود به القادر على أداء الحق. ومعنى هذا أن من لم يكن كذلك فإنه لا يحال. ومن باب أولى إن كان مفلسا. والضابط في المفلس عند العلماء رحمهم الله تعالى هو: من غلب الدين على ماله، مع مطالبة أهل الحق بحقهم. هذا يسمى مفلسا. فإذا أحال المدين أدائنا إلى مفلس، فإن هذه الحوالة لا تصح. يعني مثال ذلك: عمر أعطى زيدا مئة ألف دينا إلى أجل لمدة شهر، مثلا جاء الشهر، ذهب عمر إلى زيد: أين الحق؟ يقول له: أنا ما عندي، لكن سأحيلك على أحمد. وأحمد معلوم أنه مفلس، فهل لعمر أن يرجع إلى أحمد وهو مفلس؟ الجواب: لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإذا أتبع أحدكم على إيش على مليء». وهذا ليس بمليء. وإذا لم يعلم حاله، أي حال أحمد، فقبل، ثم ظهر بأنه مفلس، فهل تصح تلك الحوالة أم لا؟ الجواب كذلك بأنها لا تصح. وإن علم بأن أحمد مفلس، وأحيل عليه فقبل، فهل تصح هذه الحوالة أم لا؟ الجواب: ماذا؟ بأنها تصح؛ لأنه قد علم. إذا قبل علم، إذا جهل لم تقبل ولا تصح تلك الحوالة. لذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن أحوال الحوالة، أو أن الحوالة أربعة أحوال. الحالة الأولى: أن يحال على مليء، فالواجب أن يحال. الحالة الثانية: أن يحال على مستور، أي لا يعلم هل هو مليء أم لا؟ فإن أحيل ووجد أنه مليء، فالحوالة صحيحة. وإن أحيل وعلم وظهر أنه مفلس، فالحوالة ليست بصحيحة، ورجع لحقه إلى المدين. وإن علم أنه مفلس أصلا، هذه الحالة الثالثة، فله أن لا يقبل، ولا تصح الحوالة إن لم يقبل. والحالة الرابعة: أن يعلم أنه مفلس، ويحال فيقبل، فالحوالة ها هنا صحيحة؛ لأنه قد علم العيب وقبله، حال كحال من اشترى شيئا معيبا وهو يعلم أنه معيب. قالوا: ومعناه إذا أحيل بالدين الذي له على موسر فليحتل وليقبل الحوالة. فإذا أحال المدين دائنه على مفلس رجع بحقه على من أحاله؛ لأن الفلس عيب، ولم يرضى به، فله حق الرجوع. طيب ها هنا صورة أخرى ومسألة أخرى: لو أن عمرا كما ذكرنا أعطى زيدا مئة ألف إلى أجل لمدة مثلا شهر، جاء الشهر، فقال له زيد: سأحيلك على عبد الله. وكان مليئا، أحاله إلى عبد الله، عبد الله قال: سأحيلك على علي، وعلي كذلك مليء. هل له أن يحال أم ليس له أن يحال؟ واضح يا جماعة أم لا؟ لأن حوال إلى حواله، هل له أن يحال أم لا؟ كذلك يحال لظاهر الحديث: يحال لظاهر الحديث «إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع». ما دام أنه أحاله على مليء، فإنه يتبع لظاهر هذا الحديث. المسألة الثانية: في شروطها، أو في شروط صحتها، أي في شروط صحة الحوالة. قالوا: يشترط لصحتها الآتي: أولا: رضا المحيل. والمحيل هو الذي عليه الحق. ومعنى رضا المحيل: أي لا يلزم بأن يحيل بالدين على أحد. هذا ليس بلازم عليه. يعني الآن مثال على الصورة الأولى: عمر أعطى زيدا مئة ألف أيضا لمدة شهر، جاء الأجل، فقال عمر لزيد: يا زيد، أحمد مليء، أحلني عليه. واجب عليك أن تحلني عليه، هل له أو هل يجب عليه أن يحيله أن يحيله عليه؟ الآن ماذا؟ ليس ذلك بواجب عليه؛ لأنه ما دام أن الدين عليه هو يؤديه كيف شاء، إما من ماله، إما أن يحيله على زيد أو على عمر أو على من شاء، فلا يجبر على الإحالة. هذا الشرط الأول، إذا قالوا: الشرط الأول رضا المحيل؛ لأنه مخير في جهات قضاء الدين، مخير إما أن يقضيه من ماله أو يحيل على زيد أو على عبيد على من شاء. قالوا: فلا تتعين عليه جهة قهرا. الثاني: كون المالين المحال به وعليه متفقين قدرا وجنسا وصفة. أي كما ذكر: أن يكون المالين مثلا فلان أعطاه قرض مثلا مئة جرام من الذهب، فلابد أن يكون المحال به، أي ذلك المال، أن يكون ماذا؟ أن يكون المحال به إلى المحال عليه أن يكون أي المالين متساويين أو متماثلين من حيث القدر، مئة جرام يأخذ مئة جرام. وكذلك جنسا: أخذ ذهب يأخذ ذهب، لا يقول ذهب فضة. أخذ ذهبا يأخذ مقابلا مقابلا، أو يأخذ أثناء الحوالة ذهبا. وصفة: أخذ ذهبا من النوع الجيد يجب عليه القضاء والأداء من النوع الجيد، لا يأخذ جيد ويعطيه مثلا مكسرا أو ما شابه ذلك. بل لابد في الحوالة من التماثل، أي تماثل المالين قدرا وجنسا وصفة. الثالث: أن يكون المحال به دينا مستقرا في ذمة المحال عليه. أن يكون المحال به، أي المال، أن يكون ماذا؟ دينا، وليس دينا فقط، بل يكون مستقرا على ماذا؟ مستقرا في ذمة المحال عليه. يعني مثال ذلك: أنا أخذت دينا من زيد مئة ألف لمدة شهر مثلا، وأنا قد أقرضت عمرا مئة ألف. فالآن عمر له مئة ألف الذمة مالي عنده، فلأن أحيل زيدا إلى ماذا؟ إلى عمر. أما إذا كانت بيني وبين عمر عقد سلم، دفعت له مئة ألف على أن يأتيني بعد شهر بمثلا بعشر كيلو مثلا من الأرز أو ما شابه ذلك، ها هنا الحوالة لا تصح؛ لأنه دين غير مستقر في الذمة. زاد بعضهم شرطا رابعا، قال: وهو الحلول والتأجيل. معنى الحلول والتأجيل: أن يتفق المحال أو أجل المحال إليه مع المحال في الأجل. يعني معنى هذا كما ذكرنا: أنا مثلا أخذت دينا من عمر مئة ألف لمدة شهر، وعند أو وقد أقرضت زيدا مئة ألف لمدة شهر. الآن الأجل ماذا؟ متساوي، الأجل متساوي هذا لمدة شهر وهذا بعد شهر، أخذ المال الذي عنده لي. فمثل هذه الصورة لي أن أحيل ماذا؟ عمرا على زيد؛ لأن الأجل واحد. لكن إذا كان الأجل مختلفا: عمر أقرضني مئة ألف لمدة شهر، وأنا أقرضت زيدا مئة ألف لمدة سنة، جاء إلي عمر فقلت له: اذهب إلى زيد عنده مئة ألف، هل تصح الحوالة ها هنا أم لا؟ تصح أم لا؟ الجواب: لا؛ لأن عمر سيطالب يقول: الآن مدى الشهر أريد حقي، وزيد ماذا سيقول له؟ يقول: أنا عندي أجل لمدة سنة، فما سأعطيك إلا بعد ماذا؟ إلا بعد سنة، فتحصل خصومة. فهذا الشرط الرابع ذكروه الفقهاء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة. ونتوقف انتهاء الوقت، وما تبقى إلى درس اللاحق، إن شاء الله عز وجل. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.