كتاب المعاملات 42

الدرس في كتاب المعاملات 42، ألقاها

مقدمة في الصلح وأحكامه

تناول المقطع الأول موضوع الصلح في الإقرار وأنواعه، حيث يقر الشخص بذمته حقاً لصاحب الحق ثم يتم الصلح على جزء من هذا الحق. الصلح في الإقرار يكون على نوعين، الأول هو صلح الإبراء حيث يسقط صاحب الحق جزءاً من حقه مقابل أخذ الباقي.

تفاصيل أحكام صلح الإقرار

يتناول المقطع الثاني أحكام صلح الإقرار، حيث يشترط لصحة الصلح أن يكون صاحب الحق أهلاً للتبرع وألا يكون مشروطاً في الإقرار. كما يفرق بين نوعي صلح المعاوضة، أحدهما يخضع لأحكام البيع والآخر لأحكام الإجارة.

الصلح مع الإنكار وأحكامه التفصيلية

الصلح مع الإنكار يصح إذا كان المنكر معتقدا ببطلان الدعوة، والمدعي يعتقد صحة دعوته. يصح الصلح عن الحق المجهول وعن كل ما يجوز أخذ العوض عنه، ولا يصح الصلح عن الحدود أو ما لا يجوز أخذ العوض عنه.

ختام بالدعاء والاستغفار

المقطع الأخير يتضمن الدعاء بحمد الله والاعتراف بوحدانيته وطلب المغفرة والتوبة إليه. هذا الدعاء يعكس علاقة العبد بربه وتقواه، ويعبر عن تواضع العبد واعترافه بذنوبه ورغبته في التكفير عنها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد: تقدم معنا في الدرس السابق الكلام على شيء من المسألة الأولى من مسائل الصلح، وتوقفنا عند الأمر الخامس، وهو الصلح بين المتخاصمين في المال، وهو المقصود في بحثنا، وهو على نوعين. أي: وهو المقصود في كلام الفقهاء والمذكور في كتب الفقهاء، رحمهم الله تعالى، قالوا: وهو على نوعين. الأول: الصلح في الإقرار، وهو على نوعين أيضا. ومعنى الإقرار: أن يقر من عليه الحق لصاحب الحق بالحق. قالوا: صلح الإقرار وهو على نوعين أيضا: أولا صلح الإبراء، أي: هو من صلح الإقرار. صلح الإبرار وهو صلح على جنس الحق المقر به، كأن يقر رشيد لآخر بدين أو عين. بدين كأن يقول: نعم، أقر بأن لفلان علي مثلا مئة ألف، هذا دين. أو بعين بأن يقر بأن يقول مثلا: نعم، أقر بأن لفلان علي مثلا مسجدا، هذا إقرار بعين، أو سيارة، أو دارا، أو ما شابه ذلك من الأشياء، أي: الأعيان. فمثل هذا كما ذكر: يقر من عليه الحق لصاحب الحق بما عليه من الحق، سواء كان دينا أو كان عينا. قالوا: ثم يسقط عنه المقر له بعض العين أو الدين، ويأخذ الباقي، فهو إبراء عن بعض الدين بلفظ الصلح. أن يقول له: أبرأتك، مثلا على سبيل المثال: يقر بأن له عليه مئة ألف ريالا يمنيا، فيقول له: أسقط عنك مثلا عشرون ألفا، أسقط عنك عشرين ألفا، وبقي عليك ثمانون ألفا، أو خمسون، وبقي خمسون، وهكذا. يسمى إبراءا، فهو إبراء عن بعض الدين بلفظ الصلح. بعض الفقهاء أو كثير من الفقهاء في مثل هذه المسألة يقول: بأن إطلاق لفظ الصلح في مثل هذه الصورة والصورة التي تليها، إن وقع الإبراء بلفظ الصلح بأنه لا يصح، بأن الصلح لا يصح. أي: إذا قاله: صالحتك على أن تعطيني مثلا خمسين ألفا، وأبرأتك من خمسين. قالوا: إذا أطلق لفظ الإصلاح لا يصح. لماذا؟ قالوا: لأن في معنى الإصلاح أو لفظ الصلح الإصلاح فيه معنى من معاني الاشتراط. أي: صالح صاحب الحق لأجل أن ينال حقه ناقصا، وإلا لم ينال حقه. بخلاف ما إذا قالوا: أبرأتك، أو سامحتك، أو عفوت عنك، أو ما شابه ذلك من ألفاظ. يقولوا: صحيح، يصح الصلح في مثل هذه الحال. والصحيح أن لفظ الصلح كذلك يصح، إذ أن العبرة بالمعاني. العبرة بالمعاني، وهو ما قصد، إلا هذا المعنى. ما قصد أنه سأتنازل عنك، أو سأتنازل لك بما أتنازل لك على أن تعطيني الباقي، أي: بشرط، سواء كان الشرط لفظيا أو كان عرفيا. لا يريد ذلك، ولكن يريد ماذا؟ باب التبرع، وباب المسامحة، وباب العفو. فهذا يجوز، ولو أطلق لفظ الصلح. على الصحيح. لكن نريد أن ننبه هنا أن التقييد بلفظ الصلح، كما سمعتم أن كثيرا من الفقهاء يمنعون هذه الصورة إذا كانت بلفظ الصلح، بخلاف غيره من الألفاظ، فإنها تصح. والصحيح أنه يصح، ولو بلفظ الصلح، لما تقدم ذكره من أن المعنى: أبرأتك، أو سامحتك، أو عفوت عنك بجزء مالي، وتأتيني بالجزء الآخر، ولو أطلق عليه لفظ الصلح. لكن معنى هذا المعنى، والعبرة بالمعاني، ولا سيما مع اختلاف الأمكنة والأزمنة والأعراف. والله تعالى أعلى وأعلم. قال: وهذا جائز بشرط، أي: هذا الصلح جائز بشرط أن يكون صاحب الحق ممن يصح تبرعه، كغيرها من أمور التبرعات. ومن مسائل التبرعات: يصح أن يكون المتبرع أهلا للتبرع. والقاعدة في هذا كما مر معنا: أن من صح بيعه صح تبرعه. من صح بيعه صح تبرعه، على ما تقدم معنا في الكلام على مسائل الهبات والوصايا والأوقاف. قال: وهذا جائز بشرط أن يكون صاحب الحق بما يصح تبرعه، وأن لا يكون مشروطا في الإقرار. بمعنى أنه إن شرط في الإقرار أنه لا يقر له إلا أن يتنازل عن بعض حقه، فإن هذا الصلح لا يصح. لماذا؟ لأنه صلحا لأنه صلح يحل حراما. ما وجه تحليل الحرام؟ وجهه أنه سيأخذ مالا من له الحق بغير حق. واضح هذا. ﴿لا يحل مال إمرء مسلم إلا بطيب من نفسه﴾، فإذن لا بد أن ينتفي الشرط، سواء كان شرطا لفظيا أو كان شرطا عرفيا. إن وقع الشرط لم يصح الصلح. لماذا؟ لأنه فيه جور، وفيه أكل أموال الناس بغير حق. لكن قد يقول قائل: أحيانا قد يضطر صاحب الحق إلى ذلك. أحيانا قد يضطر صاحب الحق لذلك، يقول له: يا أخي عندك مال، يقول له: بينتك، ما عندي ما هي البينة؟ الآخر ما عنده بينة. يقول: لكن تريد أن أقر، تنازل لي بنصف المال، بشرط أن تتنازل بنصف ما عندي. فيضطر صاحب الحق إلى هذا الشرط. لماذا؟ لأن ما عنده بينة، والآخر فاجر، إذا طلب منه اليمين سيحلف ولا يباري. فيضطر إلى هذا النوع من الصلح. فإن وقع على هذا الوجه، فصاحب الحق لا شيء عليه، والآخر يكون آكلا لمال صاحب الحق بغير حق. فالإثم على صاحب الشرط، الإثم على صاحب الشرط. فهذا يكون الأول يكون استخلص بعض ماله ببعض ماله، استخلص بعض ماله ببعض ماله، وهذا جائز. والله أعلى وأعلم. الثاني: صلح المعاوضة، وهو أن يصالح عن الحق المقر به بغير جنسه، كما لو اعترف له بدين أو عين، ثم تصالح على أخذ العوض من غير جنسه. فهذا حكمه حكم البيع. وإن وقع على منفعه فحكمه حكم الإجارة. طيب هذا النوع الثاني من المعاوضة، أو صلح المعاوضة، وهو كما ذكر: أن يقر من عليه الحق لصاحب الحق بأن له حقا عليه. يقول له: نعم، أنا أقر بأني أخذت من فلان مئة ألف، هذا الدين. أو يقول: أقر أني أخذت من فلان سيارة من نوع كذا وكذا، موديل كذا وكذا، إلى آخر ذلك. أقر. لكن يقول: الآن ما عندي مثلا إلا هذه القطعة الذهبية، خذها مكانا ما أخذت من مالك، أو ما أخذت من ماذا؟ من سيارتك، أو ما شابه ذلك. فهذه المسألة كما ذكر: قالوا: ثم تصالح على أخذ عوض من غير جنسه، فهذا حكم حكم البيع. أي: يجب فيه أن تتوفر فيه شروط البيع، من التقابط، من التسليم، من معرفة العين المبدلة، من كونهما أهلين للبيع والشراء، إلى غير ذلك من شروط البيع. قالوا: وإن وقع على منفعه فحكمه حكم الإجارة. أي: إن كان العقد وقع على منفعه، فهو حكمه كحكم الإجارة، كما تقدم معنى في مسائل الإجارة. يقول: ما عندي مال أعطيكه الآن، لكن هذا بيتي سوجره لك مدة عشرة أشهر بمئة ألف. الذي عندي يكون هنا عقد على ماذا؟ على منفعه. فيكون حكمه حكم عقد الإجارة. فينبغي كذلك أو يجب فيه أن تتوفر فيه شروط الإجارة، كما تقدم معنى في باب الإجارة. وهو القسم الثاني، والنوع الثاني من أنواع الصلح: الصلح مع الإنكار. أي: يقول صاحب الحق لمن عليه الحق: حق، والآخر يقول: ليس لك علي حق. فما الحكم ها هنا؟ قالوا: الصلح مع الإنكار هو أن يدعي شخص على آخر بعين له عنده أو بدين في ذمته، فينكر المدعى عليه، أو يسكت وهو يجهل المدعى به، ثم يصالح المدعي عن دعوته بمال حال أو مؤجل، فيصح الصلح في هذه الحال. إذا كان المنكر معتقدا بطلان الدعوة، يعني بهذا الشرط يصح هذا الصلح، إذا كان المنكر معتقدا بطلان الدعوة، فيدفع المال دفعا للخصومة عن نفسه، وافتداءا ليمينه. والمدعي يعتقد صحة الدعوة، أي: أنه صادق في دعوته، فيأخذ المال عوضا عن حقه الثابت في نظره. يعني نتصور هذه المسألة: رجلان كلاهما ثقة، قال أحدهما أو ادعى أحدهما مع الآخر بأنه أعطاه مالا. فقال الآخر: ما أعطيتني شيئا. بلى أعطيتني. ما أعطيتني. ارتفعا، يقول: سأرفعك إلى الحاكم، يقضي بيني وبينك الحاكم. فيقول له: يا أخي اسمع، كما أعطيتني، يقول: مئة ألف. يقول له: سأعطيك، مع أني أقول: ما أخذت منك شيئا، لكن سأعطيك، وخذها وأمرك إلى الله. فهل يصح أن يأخذ المال أم لا؟ هذا أو هذه الصورة مما وقع فيها الخلاف. والصحيح أنه يصح بهذا الاعتبار: أن يكون أحدهما الذي وصاحب الحق يعتقد صحة دعواه، وأن له حقا على ذلك الشخص، والآخر يعتقد أنه لا حق لهم عليه. ففي مثل هذه الحال يصح الصلح بهذا الاعتبار، بهذا الشرطين. والله تعالى أعلى وأعلم. المسألة الثالثة: في الأحكام المتعلقة بالصلح. أولا: يصح الصلح عن الحق المجهول، وهو ما تعذر علمه من دين أو عين. كأن يكون بين شخصين معاملة، كأن يكون بين شخصين معاملة، وحساب مضى عليه زمن، ولا علم لواحد منه بما عليه بصاحبه. وهذا كثير يكون بينه ومعاملة بيع وشراء، أو ما شابه ذلك، أو دين قديم. فيلتقي أن: يا أخي عندك دين لي؟ يقول: نعم، لكن ما أذكر كم. تذكر أنت؟ يقول: لا، أنا كذلك ما أذكر كم. فيصطلحان، يقول: سأعطيك كذا. يقول: رضيت. أو يقول الأول: اعطني كذا، وسامحك الله إن كان أزيد من هذا، وسامحني الله إن كان أقل من هذا. ويصطلحان على هذا. فهذا يسمى صلحا على الحق المجهول، أو في حق مجهول. الثاني: صح الصلح عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه، كالصلح عن قصاص بالدية المحددة شرعا، أو أقل، أو أكثر. كالصلح عن قصاص، يعني القصاص: إنسان سيقتص منه، فيصطلحون مثلا على دية، دية قيمة، وكذا يصطلحون على إعطائه الدية، فيرضى أولياء الحق. أو يقول: سأعطيك أكثر من ذلك، فيصطلحان على ذلك. أو أقل من ذلك، فيصطلحان على ذلك. لكن بشرط كما ذكر: أنه يكون فيما يجوز أخذ العوض عليه. الثالث: لا يصح الصلح عن كل ما لا يجوز أخذ العوض عنه، كالصلح عن الحدود، لأنها شرعت لغير معنى. هذا أن إنسان لو مثلا سرق، فرفع إلى الحاكم، فحكم عليه بقطع اليد. يأتي إنسان يقول: يا أخي سامحه، أي: لأصحاب الحق، سامحه، وعلي أن أعطيكم ما لكم، وزيادة. فمثل هذا لا يجوز. لماذا؟ لأن هذا صلح يحرم أو يحل حراما، ويحرم حلالا. والصلح جائز ما لم يحل حراما، أو يحرم حلالا. لأنه يبطل، يكون سببا لإبطال حد، يكون سببا لإبطال حد حده الله جل وعلا. فهذا النوع من الصلح لا يجوز، ولا يصح. والله تعالى أعلى وأعلم. بهذا يكون انتهينا من باب الصلح إلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على