الدرس في كتاب النكاح والطلاق 2، ألقاها
الخطبة هي إظهار الرغبة في الزواج بامرأة معينة، ويحرم خطبة المسلم على خطبة أخيه الذي أجيب لطلبه. وللعلماء ثلاثة أحوال لخطبة الرجل على خطبة أخيه.
لا يجوز التصريح بخطبة المعتدة البائن، ويجوز التعريض، وأما المعتدة الرجعية فلا يجوز حتى التعريض. يشرع للرجل النظر إلى مخطوبته إلى ما يظهر منها عادة.
يُحدد ضوابط ظهور المرأة أمام الرجال، حيث يبيح ظهور بعض أجزاء جسمها في بيئتها الخاصة، ويُحرم ما عدا ذلك. يُشدد على الالتزام بهذه الضوابط.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، المسألة الرابعة من هذا الباب، أي من مسائل النكاح، المسألة الرابعة من أحكام الخطبة وآدابها. الخطبة هي إظهار الرغبة في الزواج بامرأة معينة وإعلام وليها بذلك. الخطبة بكسر الخاء المعجمة هو ما ذكر، إظهار الرغبة في النكاح بالمرأة وإظهار ذلك وطلب ذلك من وليها. والخطبة بضم الخاء المعجمة بمعنى الكلام الذي يتكلم به الخطيب، فالخطبة هاهنا إظهار الرغبة في الزواج بامرأة معينة وإعلام تلك المرأة بذلك الشيء الذي أراده وابتغاه ذلك الرجل، هذا يسمى خطبة. يعني أن يتقدم الرجل إلى ولي المرأة فيقول: مثلا أنا أرغب في ابنتك، أريد الزواج بابنتك أو ما شابه ذلك، هذه تسمى خطبة. والخطبة أحكام ذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى، فمن تلكم الأحكام أولها أنه تحرم خطبة المسلم على خطبة أخيه الذي أجيب لطلبه ولو تعريضًا وعلم الثاني بإجابة الأول، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك»، والحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة ونحوه من حديث ابن عمر وكلاهما في الصحيحين. وذلك لما في التقدم للخطبة من الإفساد على الأول وإيقاع العداوة. هذا الحكم الأول من أحكام الخطبة، أنه لا يشرع ولا يجوز للرجل أن يخطب امرأة قد خطبها وسبق إلى خطبتها أخ له مسلم. وليس المقصود الإخوة بالنسب، بل المقصود الإخوة في الإسلام التي هي أعم. والعلماء رحمهم الله تعالى ذكروا لهذا النوع من خطبة الرجل على خطبة أخيه ثلاثة أحوال. ذكر العلماء رحمهم الله تعالى لخطبة الرجل على خطبة أخيه ثلاثة أحوال، أولها أن يخطب الرجل على خطبة أخيه امرأة قد حصل من المرأة الموافقة والرضى بتلك الخطبة وعلم ذلك الخاطب الثاني بذلك، وتقدم لخطبة على خطبة أخيه، فهذا الفعل محرم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك». الحالة الثانية أن يخطب رجل امرأة ولا يحصل منها الرضى، فلا مانع من أن يخطب الرجل تلك المرأة والحالة كذلك؛ لأن هذا لا يكون من باب خطبة الأخ على خطبة أخيه. لماذا؟ لأن المرأة أو وليها لم يحصل منهم الرضى بذلك الخاطب، فلغيره أن يخطب تلك المرأة. الحالة الثالثة التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى أن لا يحصل رضا صريح ولا نفي، ولكن تعريض من المرأة بالقبول، لم تصرح بالرضا والقبول ولم تأب ذلك، ولكن عرضت، يعني كانت تقول المرأة مثلا: خطبت امرأة فتقول: مثلك لا يرد، ما قالت نعم أو لا أو ما شابه ذلك من العبارات الدالة على عدم التصريح بالرضا. فهذه الحالة وقع فيها شيء من النزاع بين الفقهاء رحمهم الله تعالى، هل تكون تابعة للحالة الأولى أو تكون تابعة للحالة الثانية؟ والأرجح أنها أقرب إلى الحالة الأولى. بقي حالة ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى أيضًا، وهي ما إذا لم تكن المرأة موافقة ولم تنفي، فهل يجوز الخطبة على الخطبة كذلك؟ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى فيها أيضًا قولان، والأظهر أنه لا مانع من الخطبة على الخطبة والحالة كذلك، والأولى الترك. الأمر الثاني من أحكام الخطبة وآدابها، قالوا: يحرم التصريح بخطبة المعتدة البائن. ومعنى المعتدة البائن، هي التي قد بانَت من زوجها إما بثلاث طلقات وإما بلعان وإما بوفاة أو ما شابه ذلك. فمثل هذه المرأة في وقت عدتها لا تحل للزوج الأول، ففي وقت عدتها هل يجوز أن تخطب؟ الجواب: لا يجوز صريح العبارة. ولكن يعرض، وسيأتي معنى التعريض. والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾، الشاهد: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، رفع ربنا تبارك وتعالى الجناح، أي الإثم، في ماذا؟ فيما عرضتم به من خطبة النساء. فدلت الآية على أنه يجوز التعريض بمنطوقها، ودلت الآية بمفهومها على أنه لا يجوز التصريح للمعتدة البائن بالخطبة. قالوا: فيجوز له التعريض، كأن يقول: وددت أن ييسر الله لإمرأة صالحة، هذا تعريض. يقول رجل للمرأة: وددت أن الله ييسر لإمرأة صالحة، أو يقول: إني أريد الزواج، أو عبارة مثل هذه العبارات، ليس فيها معنى الصراحة، فهذا يجوز، يسمى تعريضًا. وأما المعتدة الرجعية، فقالوا: يحرم حتى التعريض؛ لأنها في حكم الزوجات، بمعنى أن المرأة التي في عدة طلاق رجعي لا يجوز لإنسان أن يعرض لها بالخطبة، فضلا عن أن يصرح لها بالخطبة؛ لأنها في حكم الزوجة للزوج الأول. الأمر الثالث أو الحكم الثالث، من استشير في خاطب أو مخطوبة وجب عليه أن يذكر ما فيهما من محاسن ومساوئ، ولا يكون ذلك من الغيبة، بل من النصيحة المرغب فيها شرعًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المستشار مؤتمن». فإذا استشارك إنسان في خطبة امرأة، رجل كان أو امرأة، جاء فسألك: أريد أن أخطب فلانة، ما رأيك؟ ما تنصحني؟ ما تشير علي؟ فيقول له ما يعلمه. الأمر الرابع أو الحكم الرابع من أحكام الخطبة، الخطبة مجرد وعد بالزواج وإبداء الرغبة فيه، وليست زواجًا، لذا يبقى كل من الخاطب والمخطوبة أجنبيًا عن الآخر. ومنه يعلم أولًا أن الرجل إذا خطب امرأة ليس معناه أن المرأة بمجرد الخطبة تصير حلالًا له، يدخل معها ويخرج ويبيت معها وتأكل معه وما شابه ذلك من الأشياء المنكرة الذي حصلت في هذه العصور المتأخرة. المسألة الخامسة، حكم النظر إلى المخطوبة. قال: من أراد أن يخطب امرأة يشرع ويسن له النظر إلى ما يظهر منها عادة، كوجهها وكفيها وقدميها، لحديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي، فصعد النظر إليها وصوبه، ثم طأطأ رأسه. والحديث متفق عليه. الشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد النظر فيها، أي نظر إليها، وصوب النظر إليها، أي دقق النظر في تلك المرأة، ثم طأطأ رأسه لما رأى أنها لا تناسبه. ففيه دلالة على جواز نظر الخاطب إلى مخطوبته. وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنظرت إليها؟» قال: لا. قال: «فاذهب فانظر إليها؛ فإن في أعين الأنصار شيئًا». الشاهد منه: «أنظرت إليها؟» قال: لا. قال: «فاذهب فانظر إليها». ففيه دلالة واضحة على جواز نظر الخاطب إلى مخطوبته. وعلل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «فإن في أعين الأنصار شيئًا»، قيل: بأن المراد به أن أعينهن فيها صغر، وقيل: أن أعينهن فيها زرقة، فالله أعلم. الصحيح من أقوال أهل العلم في المسألة: أنه ينظر إلى ما يظهر منها عادة بين محارمها. يباح له أن ينظر إليها ينظر إلى ما يظهر منها عادة عند محارمها. المرأة إذا كانت بين محارمها ماذا يظهر؟ يظهر الوجه، يظهر الشعر، يظهر شيء من العنق، شيء من النحر، شيء من الساعدين، شيء من الساقين، حالة المرأة في بيتها. فهذا لا بأس به، وما عدا ذلك فلا. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.