الدرس في كتاب المعاملات 51، ألقاها
الهبة هي التبرع بمال لغيره بلا عوض وتكون مستحبة إذا قصد بها وجه الله. يشترط لصحة الهبة أن تكون من جائز التصرف وأن يكون الواهب مختارًا.
الهبة تصح إذا كان الموهوب مما يصح بيعه وقبل الموهوب له الهبة وكانت حاضرة منجزة. تلزم الهبة إذا قبضها الموهوب له بإذن الواهب ولا يصح الرجوع فيها إلا في حالة خاصة.
يجب المساواة بين الأبناء في الهبات، ويجوز الرجوع في الهبة للأب، مع التمييز بين الهبات والنفقات وأحكام الهبة في مرض الموت.
يُنصح بقبول الهدية لأنها تعبر عن الود والمحبة بين الأشخاص، وقد تم الانتهاء من كتاب المعاملات في كتاب الفقه الميسر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، الباب الثالث والعشرون: الهبة والعطية، وفيه مسائل. أي: هذا الباب مدخل للكلام على أحكام ومسائل الهبة والعطية. المسألة الأولى: معناها وأدلتها. أي: معنى الهبة والعطية وأدلتها. قالوا: معناها: الهبة هي التبرع من جائز التصرف في حياته لغيره بمال معلوم أو غيره، أي: بمال معلوم أو غيره مما كان في معنى المال بلا عوض، فهو تبرع، عقد تبرع، ويكون من جائز التصرف، وهو العاقل البالغ الرشيد. وقوله: من جائز التصرف، ليخرج من لم يكن جائز التصرف، كما تقدم ذكره من مجنون أو صبي أو سفيه أو محجور قد حجر عليه، أو أحاط حقه الغير بماله على الصحيح، في حياته؛ لأن بعد الممات لا تسمى هبة، ولكن تسمى وصية. وقوله: لغيره، خرج ما كان لنفسه؛ فإنه لا يسمى هبة. بمال معلوم أو غيره، بمال معلوم: أي لابد أن يكون في شيء معلوم. أو غيره: أي ما كان في معنى المال من العطايا التي تملك بلا عوض؛ ليخرج ما كان بعوض كالبيع. الثاني: حكمها وأدلتها. والهبة مستحبة إذا قصد بها وجه الله، كالهبة لصالح، أي: لرجل صالح أو فقير أو صلة رحم. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تهادوا تحابوا». والحديث كما ذكر رواه البيهقي وغيره، وحسنه العلامة الألباني. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها. ومعنى يثيب عليها: أي يكافئ عليها. قالوا: وتكره إن كانت رياء وسمعة ومباهاة؛ لأنه يكون من العمل الذي لا يراد به وجه الله جل وعلا، فهم ذموم شرعا، وكذا عقلا. المسألة الثانية: شروط الهبة. قالوا: يتعلق بالهبة الأحكام التالية: أولا: أن تكون من جائز التصرف، وهو الحر المكلف الرشيد. والمكلف يدخل فيه العاقل والبالغ الرشيد. الثاني: أن يكون الواهب مختارا؛ فلا تصح من المكره. ومنه يُعلم خطأ بعض الناس ممن يستخدم بعض الأساليب لأجل أن يهب له غيره شيئا على سبيل الإكراه أو قل حتى الإحراج، أي: يعطيه ما يعطيه وهو محرج. فهذا كذلك لا يجوز؛ لأنه إعطاء مال أو أخذ مال من غير رضا. الثالث: أن يكون الموهوب مما يصح بيعه؛ فما لا يصح بيعه لا تصح هبته، مثل الخمر والخنزير، أي: من الأشياء التي هي محرمة بعينها أو بوصفها. فيشترط في الموهوب أن يكون مما يصح بيعه؛ فما صح بيعه صحت هبته، وما لم يصح بيعه لم تصح فيه الهبة كبيع المحرم. الرابع: أن يقبل الموهوب له الشيء الموهوب؛ لأن الهبة عقد تمليك، فافتقر إلى الإيجاب والقبول. بمعنى أن إنسانا لو قال لإنسان: خذ هذا القلم هدية، فيشترط حتى تصح الهدية وتقبل الهدية أن يقبل المهدى له الهدية، إما أن يقبلها بالفعل على الصحيح، أو يقبلها بالقول، بالقول: كان يقول: قبلت أو رضيت أو ما شابه ذلك من ألفاظ صريحة أو كنايات تدل على هذا المعنى. أو بالفعل: كان يقول: خذ هذا القلم، فيأخذه ويضعه في مخبائه، هذا كذلك يدل على قبوله لتلك الهدية. أما إذا لم يقبل تلك الهدية فلا تصح تلك الهدية؛ لذا يصح الرجوع فيها قبل القبول، ولا يصح بعد القبول؛ لأن بالقبول تصير ملكا للمهدى له، فلا يصح استرجاعها بعد ذلك. الخامس من الشروط: أن تكون الهبة حاضرة منجزة، أي: أن تعطى مباشرة. قالوا: فلا تصح الهبة المؤقتة، مثل: وهبتك هذا شهرا أو سنة؛ لأن الهبة عقد تمليك، فلا تصح مؤقتة؛ لأن هذا لا يصح إلا في الإعارة؛ لأن الإعارة هبة المنافع دون الأصل، دون العين. أما الهبة فهي هبة العين بمنافعها أو مع منافعها. السادس: أن تكون بغير عوض؛ لأنها تبرع محض؛ لأنه إذا كان بعوض فهو بيع وشراء، ليس هو من باب التبرعات ولا من باب الهبات، بل هو من باب البيوع. المسألة الثالثة: بعض الأحكام المتعلقة بها. أي: المتعلقة بالهبة. قالوا: يتعلق بالهبة الأحكام التالية: أولا: تلزم الهبة إذا قبضها الموهوب له بإذن الواهب. ومعنى تلزم: أي تصير ملكا للموهوب له. أي: تلزم الهبة إذا قبضها الموهوب له بإذن الواهب تصير ملكا له، وليس للواهب الرجوع فيها، أي: بعد التمليك والقبول لتلك الهبة. لا يصح من الواهب أن يتراجع عن تلك الهبة؛ لماذا؟ لقوله صلى الله عليه وسلم: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه». والحديث متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وبنحوه من حديث عمر، وهو كذلك في الصحيحين. إلا إذا كان أبا، فإن له الرجوع فيما وهبه لابنه. أي: هذا مستثنى من هذا الحكم. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه». وقوله: العائد، الألف واللام ها هنا لاستغراق؛ فهي من ألفاظ العموم، فيعم كل عائد في هبته. لكن دل دليل آخر على تخصيص الأب بحكم آخر غير هذا الحكم، وهو أن للأب أن يتراجع في هبته التي وهبها لولده؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده». فهو مستثنى من الحكم الأول، والاستثناء من أدلة التخصيص؛ أي: خص الأب بهذا الحكم، أي: بجواز الرجوع في الهدية دون غيره من الناس؛ وذلك لأن الولد ملك لأبيه. الثاني: يجب على الأب المساواة بين أبنائه في الهبة؛ فلو خص بعضهم بها أو فاضل بينهم في العطاء دون رضاهم لم يصح ذلك، وإن رضوا صحت الهبة؛ وذلك لحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن أباه تصدق عليه ببعض ماله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أكل ولدك أعطيت مثله؟» قال: لا. قال: «فاتقوا الله وأعدلوا بين أولادكم». وفي رواية: «لا تشهدني على جور». هذا الحكم فيه أنه يجب على الأب المساواة بين أبنائه في الهبة. الثالث: هل يكون العدل بين الأبناء الذكور والإناث بأن يعطى الولد مثل أو مثلي الأنثى؟ قولان لأهل العلم. فمن أهل العلم من قال: إن العدل في العطاء بين الأبناء والبنات بأن يعطى كعطية المواريث؛ للذكر مثل حظ الأنثى. بمعنى أنك لو أعطيت البنت مثلا درهما تعطي الولد درهمين على هذا القول. وعلى القول الآخر، والظاهر هو الأظهر: أن العدل ها هنا يكون بالمساواة؛ إعطاء الذكر مثل ما للأنثى. الرابع: فرق بين العطايا والهبات وبين إعطاء الأب ولده ما يحتاج إليه من العطاء. فرق بين الهبات والعطايا وبين النفقات التي ينفق بها الأب على أولاده. فيشترط العدل في الهبات والعطايا، ولا يشترط المساواة في النفقات. الخامس: إذا فاضل الأب في مرض موته بين أبنائه أو خص أحدهم بعطية دون الآخرين لم يصح إلا إذا أجاز ذلك بقية الورثة؛ لأن مثل هذا يكون حكم الوصايا، ولا وصية لوارث إلا أن يتنازل الورثة عن حقهم. السادس: تصح الهبة المعلقة، كأن يقول: إذا قدم المسافر أو نزل المطر وهبتك كذا. والأمر في ذلك واضح؛ فإذا صحت في النذر وهي عبادة، فهذا من باب أولى. السابع: تصح الهبة الدين لمن هو في ذمته، ويعتبر ذلك إبراء له. يعني: مثال ذلك يكون رجل له على رجل آخر دينا، فيقول له: وهبتك ما عليك من الدين. فيكون إبراء له بما عليه من الدين. وهذا جائز، وهو من باب البر والإحسان أيضا. الثامن: لا ينبغي رد الهبة والهدية وإن قلت، وتسن الإثابة عليها؛ لفعلي صلى الله عليه وسلم. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها. يعني: من باب الآداب المحمودة المستحسنة أن الإنسان إذا أهدى له إنسان هدية ينبغي له قبولها؛ لأنها تدل على شيء من الود والمحبة بين الأخ وأخيه. وبهذا نكون انتهينا من كتاب المعاملات من كتاب الفقه الميسر. إلى هنا، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.